كيف تقود فريقك رقمياً دون استنزاف طاقاتهم؟

6 دقيقة
كيف يمكن للمدراء العرب الاستفادة من التكنولوجيا لدعم رفاهية الموظفين والوقاية من الإرهاق؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

في وقت يتسارع فيه تنفيذ الرؤى الوطنية الطموحة، يواجه المدير العربي تحدياً خفياً، إذ إن التكنولوجيا التي صممت لرفع الإنتاجية باتت المحرك الأول لـ "الاحتراق الوظيفي" و"الحضور الرقمي الشكلي". ولأن ثقافتنا تميل لكتمان الضغوط، يظل نحو 80% من الموظفين في عزلة نفسية خلف شاشاته…

تشير البيانات الحديثة في دولة الإمارات إلى أن نحو 43% من الموظفين يواجهون حالة الاحتراق الوظيفي بشكل متكرر، بينما يفكر واحد من كل ثلاثة موظفين في دول الخليج في الاستقالة بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن ضغوط العمل، لماذا؟ لأن التكنولوجيا التي تسهم في زيادة الإنتاجية تحولت هي نفسها إلى مسبب لما يعرف بمفهوم "الحضور الرقمي الشكلي"، الذي يستنزف طاقة الموظفين ذهنياً.

وفي ظل ثقافتنا التي تميل لكتمان الضغوط، لا يدرك المدراء ببساطة أن أحدهم على وشك الانهيار دون أن تظهر عليه علامات واضحة، ما يفرض عليهم مسؤولية استباقية لاستشعار المخاطر قبل وقوعها.

 وقد وجدت دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة "تهون" في السعودية عام 2022، شملت نحو 4000 موظف، أن 4 من كل 5 موظفين (نحو 80%) عانوا الإرهاق أو القلق أو الاكتئاب، ومع ذلك لم يطلب المساعدة سوى 19% منهم.

بينما البقية -خاصة النساء وكبار السن- كانت عوامل مثل تجنب الظهور بمظهر الضعف، هي الحاجز الأول الذي منعهم من طلب المساعدة. ومن ثم فإن السؤال الجوهري هو: كيف يمكنك إعادة توجيه الدفة واستخدام التقنية نفسها كأداة لإضفاء طابع إنساني ومرن على أسلوب قيادتك، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة لتسريع وتيرة الإجهاد؟

لماذا يتزايد الإرهاق الوظيفي بين القوى العاملة العربية؟ وما هي أسبابه؟

تحولت ظاهرة الإرهاق الوظيفي في المنطقة العربية من مجرد مشكلة هامشية إلى تهديد اقتصادي كلي يلقي بظلاله على طموحات الرؤى الوطنية، فهو نتاج هيكلي لتحولات متسارعة جعلت من التوتر وضعاً طبيعياً، لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي.

وتجسد لغة الأرقام هذا الواقع المأزوم، حيث كشفت دراسة أجرتها شركة ذا تالنت إنتربرايز عام 2022 بعنوان: "مؤشر الازدهار: رفاهية الموظفين في دول مجلس التعاون الخليجي"، أن نحو 68% من الموظفين يعانون ضغوطاً متزايدة، بينما واجه نصفهم تقريباً تضخماً ملحوظاً في أعباء العمل خلال عام واحد فقط.

وقد فاقمت التكنولوجيا هذه الأزمة بهدوء، حيث أفاد 78% من الموظفين في الدراسة نفسها بعدم القدرة على الانقطاع عن العمل، بسبب "ثقافة الوجود الدائم" المنتشرة في بيئات العمل العربية، حيث يقاس الأداء بالوجود على الإنترنت وليس بالمساهمة الحقيقية.

ولم يقف الأمر عند ضغط العمل، بل امتد ليشمل عزلة نفسية عميقة، إذ يلوذ 8 من كل 10 موظفين بالصمت تجاه التحدث عن صحتهم النفسية، بينما في المقابل يجد 4 من كل 5 مدراء أنفسهم غير مؤهلين لفتح حوارات داعمة حول الصحة النفسية، ما يعمق الفجوة بين القيادة والموظف.

وتعود أسباب هذه الأرقام الصادمة إلى العديد من العوامل المتداخلة، منها:

الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن الوظيفي

في العديد من الدول العربية، يواجه سوق العمل ضغوطاً متزايدة نتيجة التضخم المرتفع و"التوطين" السريع للوظائف. وبينما تتيح هذه البرامج فرصاً جديدة، إلا أنها تزيد أيضاً الضغط على الموظفين المحليين لتحقيق أداء متميز بسرعة، وعلى الوافدين للحفاظ على وظائفهم في ظل منافسة متزايدة.

ثقافة العمل المتواصل والاتصال الدائم

أدى التحول إلى اقتصاد رقمي في المقام الأول إلى طمس الحدود بين الحياة الشخصية والمهنية، إذ يشير تقرير صادر عن منصة تدريب القوى العاملة وتعزيز مرونتها meQuilibrium عام 2025، إلى أن ثقافة العمل المرهق -أي الاعتقاد بأن الإفراط المستمر في العمل هو السبيل الوحيد للنجاح- تؤدي إلى مستويات إرهاق أعلى بنسبة 50% مقارنة بالبيئات الأكثر توازناً.

الوصمة الثقافية ووهم القوة

تتشابك التصورات الثقافية مع ضغوط العمل لتخلق حاجزاً من الصمت، حيث أشارت دراسة نشرتها المجلة السعودية لدراسات الأعمال والإدارة إلى أن نحو 60% من الموظفين في الإمارات يتجنبون الإفصاح عن معاناتهم النفسية تفادياً للظهور بصورة الضعف أو خوفاً من خسارة الترقيات أو فقدان الوظيفة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تعقيدات النوع الاجتماعي، إذ تواجه المرأة العربية العاملة عبئاً مضاعفاً نتيجة محاولتها الموازنة بين سقف التوقعات المهنية العالية والأدوار المنزلية التقليدية. وما يزيد هذا المشهد قتامةً هو ما كشفته دراسة حديثة حول أثر التعامل غير اللائق في بيئة العمل، الذي يعد عاملاً إضافياً يسرع وتيرة الاحتراق النفسي لدى النساء العاملات.

اقرأ أيضاً: ما هي وظائف التكنولوجيا الأكثر طلباً في المستقبل وكيف تصبح خبيراً فيها؟

كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد على الوقاية من الإرهاق الوظيفي؟

على الرغم من قتامة هذا المشهد، تبرز بارقة أمل في المرونة التقنية للمنطقة العربية، حيث يسجل الموظفون معدلات تبنٍ لأدوات الذكاء الاصطناعي تفوق نظرائهم عالمياً، ما يمنح المدراء فرصة استثنائية لدمج حلول الرفاهية الرقمية وتعميمها كجزء أصيل من بيئة العمل.

فيما يلي ركائز عملية تربط بين التحديات الإدارية والحلول التقنية يمكنك البدء بها لانتشال موظفيك من فخ الإرهاق الوظيفي:

1. إدارة عبء العمل بذكاء: ترويض العبء الخفي

تميل بيئات العمل العربية إلى مكافأة الولاء وساعات العمل الطويلة، ما يدفع المدراء للاعتماد المفرط على الموظفين الأكثر ثقة وتميزاً. وبسبب قيم "احترام السلطة" الراسخة يتقبل هؤلاء المبدعون المهام الإضافية بصمت دون اعتراض، ما ينتهي بهم إلى فخ الإرهاق المزمن الذي يلتهم إنتاجيتهم ببطء.

الحل:

استخدام البيانات لرصد الإرهاق، حيث تتضمن منصات إدارة الموارد البشرية الآن وكلاء إدارة أعباء العمل تتبع المهام وساعات العمل لتنبيه المدراء لإعادة توزيع المهام، سواء عن طريق التفويض أو تغيير المواعيد النهائية قبل أن يتفاقم الإرهاق.

اقرأ أيضاً: كيف يساعد الدمج بين التعليم التقليدي والرقمي على تأهيل الموظفين لعصر الذكاء الاصطناعي؟

2. الحدود الرقمية: المطالبة بالحق في الانقطاع عن العمل

يشعر غالبية الموظفين بضغط خفي يحتم عليهم الوجود الدائم عبر الإنترنت لإثبات إخلاصهم، ما يؤدي إلى استنزاف الخصوصية الزمانية، فتتمدد محادثات العمل حتى ساعات الليل المتأخرة وتتداخل مع عطلات نهاية الأسبوع، ما ينشئ حالة من الاستنفار الدائم كفيلة بإنهاك حتى الكفاءات الأكثر صلابة وتفانياً.

الحل:

فرض حدود فعالة باستخدام الأدوات المناسبة، مثل كتم إشعارات رسائل البريد الإلكتروني والمحادثات أو جدولتها خارج ساعات العمل، والإصرار على أوقات خالية من التكنولوجيا وتشجيع استخدام وضع "عدم الإزعاج".

3. التعاطف القائم على البيانات: رؤى ثاقبة دون مراقبة

في العديد من أماكن العمل العربية ينظر للحديث عن التوتر كعلامة ضعف لا كاحتياج إنساني، ما يدفع الشركات لتبني أساليب مراقبة مكثفة تأتي غالباً بنتائج عكسية. هذا النمط من الرقابة يفضي غالباً إلى ما يعرف بـ "تأثير هاوثورن"، حيث يعدل الموظفون سلوكهم ويظهرون تحسناً مؤقتاً في الأداء لمجرد شعورهم بالمراقبة، ما يولد هوس إنتاجية زائفاً ينتهي غالباً بالاحتراق الوظيفي والانهيار الإنتاجي.

الحل:

جمع المعلومات بشكل مجهول، مثل استخدام استطلاعات الرأي السرية أو تطبيقات تتبع الحالة المزاجية، ليتمكن الموظفون من الإبلاغ عن التوتر بحرية تامة، واستخدام البيانات المجمعة لدعم أعضاء فرق العمل الذين يواجهون صعوبات لا لمعاقبتهم.

4. تطوير القيادة: التكنولوجيا مقرونة بالتعاطف

على الرغم من أن التكنولوجيا قادرة على أتمتة المهام الروتينية، فإن القيادة الحقيقية هي التي ترسم الرؤية وتحدد الاتجاه وفي بيئة عمل تقدر المدير كمرشد ومعلم، لا يمكن لأي برنامج ذكي أن يحل محل التواصل الإنساني الصادق، فإذا نُظر إليه على أنه أكثر اعتماداً على التكنولوجيا لتوجيه فريقه وإدارته بدلاً من التواصل الشخصي سيفقد ثقة فريقه، ما قد يؤثر سلباً في الأهداف المؤسسية. 

الحل:

استخدام الأتمتة لتوفير الوقت والقيام بما تجيده، مثل التواصل وتوفير دورات تدريبية عبر الإنترنت في مجال الصحة النفسية ومهارات الإدارة وتبادل الخبرات وإجراء محادثات شخصية للاستفسار عن أمور الحياة اليومية الشخصية.

اقرأ أيضاً: 10 طرق لتحفيز الموظفين على تبني التقنيات الجديدة

ما هي السلوكيات القيادية التي ينبغي لك تغييرها لدعم رفاهية موظفيك؟

  • توقف عن إرسال رسائل العمل خارج ساعات الدوام الرسمي، ووضح أوقات الانقطاع عن العمل بوضوح.
  • خصص فترات راحة قصيرة ومنتظمة واستخدم تذكيرات التقويم أو برامج الدردشة الآلية لتشجيع تمارين التمدد أو المشي الجماعي.
  • خصص مساحة (رقمية أو في الاجتماعات) للتعبير عن التقدير، إذ إن الثناء العلني لا يكلف شيئاً ولكنه يعزز الروح المعنوية والتواصل.
  • شارك تطبيقات أو خطوط مساعدة باللغة العربية للدعم النفسي، وتأكد من أن الموظفين على دراية بسرية هذه الخدمات وتوفرها.
  • تواصل شخصياً واسأل أعضاء الفريق فردياً عن أحوالهم الحقيقية، وليس فقط عن المشاريع.
  • استخدم استبيانات مجهولة أو قوائم مهام بسيطة للفريق لتقييم مستوى التوتر.
  • ركز على الاتجاهات العامة للفريق مثل أيام المرض أو تأخير المشاريع بدلاً من مراقبة الأفراد.

اقرأ أيضاً: نظم إدارة المعرفة للشركات: كيف تحول المعرفة إلى خبرة تنتقل بين الموظفين؟

تكييف الحلول التكنولوجية لتكون مناسبة ثقافياً لدعم رفاهية الموظفين

يظل وعد التكنولوجيا بتحقيق الرفاهية رهناً بمدى قدرتنا على دمج الأدوات الرقمية في نسيجنا الثقافي لا فرضها عليه، فالخلاص من الإرهاق الوظيفي يتطلب إعادة تصميم جذرية لبيئات العمل بحيث تتناغم مع قيم الخصوصية والروحانية والهوية الأسرية التي تميز منطقتنا العربية.

ولدعم رفاهية الموظفين بفاعلية، يتحتم علينا تكييف الحلول التقنية لتصبح جسراً يعزز هذه القيم لا جداراً يهدمها، وذلك وفق الركائز التالية:

أولاً: الخصوصية أولاً وبنية مجهولة الهوية

في مجتمعنا الذي لا تزال فيه وصمة الصحة النفسية عائقاً، ينبغي أن توفر الحلول التكنولوجية إخفاءً تاماً للهوية، إذ يؤكد الخبير والرئيس التنفيذي لمنصة الصحة النفسية استراحت (Estaraht)، عباس شيخ، أن ميزات "إخفاء الهوية افتراضياً" تمكن المستخدمين في المجتمعات التي تخشى من وصمة العار من الوصول إلى الدعم دون خوف من الاستهجان الاجتماعي.

ثانياً: التوطين الروحي واللغوي

لا تقتصر فاعلية الأدوات الرقمية على مجرد الترجمة الحرفية، بل تمتد لتشمل استيعاب الفروق الثقافية الدقيقة، إذ يرى نحو 82% من المستخدمين في الإمارات أن توفر التطبيقات باللغتين العربية والإنجليزية ضرورة قصوى، كما يبرز توجه متنامٍ يدعو لدمج المحتوى الديني كالآيات القرآنية والأذكار ضمن هذه الحلول التقنية لإضفاء صبغة روحانية تجعل التدخلات النفسية أكثر ملاءمة وقبولاً لدى المستخدم العربي.

ثالثاً: دمج الدعم البشري

بينما تفتقر تطبيقات المساعدة الذاتية الآلية للتفاعل المطلوب في المنطقة العربية، يبرز الدمج البشري ركيزة أساسية للنجاح، حيث أكدت دراسة سعودية نشرت حديثاً تفوق العلاج عبر الإنترنت بإشراف مختصين على الحلول المؤتمتة، ويتجلى نجاح هذا النموذج في منصة لبيه (Labayh) التي استقطبت أكثر من مليوني مستخدم عبر المزاوجة بين ذكاء التكنولوجيا وخبرة المتخصصين المرخصين.

رابعاً: محتوى مصمم خصيصاً للثقافة العربية

يعد تبني إطار العلاج السلوكي المعرفي المكيف ثقافياً حجر الزاوية لضمان فاعلية مستدامة في البيئة العربية، إذ نجحت منصات مثل حاكيني (Hakini) في ردم الفجوة بين العلم والمجتمع، عبر توظيف خبراء محليين يعملون على صياغة المحتوى السريري ليتناغم تماماً مع القيم الأسرية والبنى الاجتماعية الفريدة للمنطقة.

اقرأ أيضاً: لماذا تعمل المؤسسات على تدريب موظفيها وتعليمهم مهارات جديدة؟

ختاماً، تحمل الحلول التقنية فرصاً تحويلية واعدة لدعم رفاهية الموظف العربي، شريطة أن تصاغ وتقدم بقالب يعكس الخصوصية الثقافية واللغوية والاجتماعية للمنطقة. ومن خلال تبني هذا النهج المتناغم، لن تكتفي المؤسسات بتحسين جودة حياة موظفيها فحسب، بل ستجني ثمار ذلك في تعزيز الإنتاجية ورفع معدلات الولاء والاحتفاظ بالمواهب المتميزة على المدى الطويل.

المحتوى محمي