كيف يفشل القادة رغم تفوقهم التقني؟

6 دقيقة
كيف يفشل القادة رغم تفوقهم التقني؟
Evolution of AI Technology. from Reactive to Theory of mind and Self-aware. Steps to Bring AI Collaborate with Humans Closely. Conceptual Photo

بينما تتسابق المؤسسات لامتلاك أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي، تبرز حقيقة صادمة وهي أن الآلات لا تقود البشر بل الإنسانية هي التي تقود التكنولوجيا. لم يعد الرهان اليوم على مهارة كتابة الأكواد بل على فك شفرات النفس البشرية وصياغة "المعنى" في عالم يغرق في البيانات.

  • تثبت تجربة …

عندما تولى ساتيا ناديلا زمام الأمور في شركة مايكروسوفت عام 2014، كانت الشركة تعاني ركوداً في قيمتها السوقية وثقافة عمل سامة وشللاً في الابتكار، ومع ذلك لم يسارع إلى إعادة هيكلة الأقسام أو إطلاق إجراءات تقشفية صارمة، بل فعل شيئاً غير متوقع؛ طلب من موظفيه وشجعهم على التركيز على التعلم والفضول والتحسين المستمر بدلاً من التنافس الداخلي أو السعي إلى الكمال.

وكانت النتيجة تغييراً كاملاً في فلسفة الشركة ومضاعفة قيمتها السوقية 3 مرات وارتفاع مستوى رضا الموظفين، ما حول الشركة من عملاق راكد عالق في دوامة من الخلل الوظيفي إلى قوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

ما يجعل هذه القصة ملهمة هو أنه على الرغم من امتلاك ناديلا شهادة في علوم الحاسوب وإجادته، فإن مهاراته القيادية هي التي أنقذت الشركة، فقد تمكن من فهم موظفيه وبناء الثقة وإنشاء بيئة عمل آمنة نفسياً، وهي مهارات لا يمكن لأي خوارزمية محاكاتها.

وهذه هي المفارقة التي تواجه القادة حالياً، حيث يطلب منك أن تكون مبرمجاً وملماً بالذكاء الاصطناعي، وهي متطلبات صحيحة لتعزيز سلوكيات القيادة، ولكن جوهر القيادة الحقيقية لا يكمن في المعرفة التقنية فحسب، بل في إدماج التعاطف في عملية صنع القرار وتطوير التفكير النقدي، وهاتان السمتان هما المحركان الأساسيان للثقة والسرعة وجودة القرارات.

كيف تغيرت مهارات القيادة في بيئات عمل تعتمد كثيراً على الذكاء الاصطناعي؟

يعد تحول كفاءات القيادة في الوقت الراهن ومستقبلاً استجابة مباشرة لتلاقي 3 تحولات جذرية هي:

  1. نضوج الذكاء الاصطناعي من أداة إلى عامل مستقل.
  2. رسوخ نماذج العمل عن بعد والهجينة.
  3. تفاقم أزمة الإرهاق الوظيفي والانفصال عن العمل.

نتيجة لذلك لم تعد القيادة أكثر صعوبة فحسب بل اختلفت جذرياً، حيث وجدت دراسة بعنوان التوقعات العالمية للقيادة 2025 أصدرتها شركة الاستشارات العالمية للقيادة دي دي آي (DDI) أن نحو 71% من القادة أفادوا بزيادة الضغط النفسي الناتج عن أدوارهم، و40% منهم يفكرون في الاستقالة نتيجة للتوتر.

وهذا يبين أن مفهوم القيادة لا يمر بأزمة عابرة، بل يواجه واقعاً تجاوز فيه التغيير المتسارع قدرة الأساليب التقليدية، ويبدو التغيير في القيادة بسيطاً: في الوقت الذي تتفوق فيه الآلات في تنفيذ المهام (الكيفية)، يكمن دور القادة الجوهري في صياغة الرؤية والمعنى (المغزى).

يأتي هذا التوجه متماشياً مع ما كشفه تقرير شركة ماكنزي الصادر في مايو 2024 بعنوان: "مستقبل جديد للعمل: السباق نحو توظيف الذكاء الاصطناعي وتطوير المهارات" حول أن الطلب على المهارات الاجتماعية والعاطفية قد يرتفع بنسبة 11% في أوروبا و14% في الولايات المتحدة بحلول عام 2030.

بينما يتوقع تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن نحو 39% من المهارات الأساسية للعاملين ستتغير بحلول عام 2030، وبينما تعد المهارات التقنية حيوية، يحدد التقرير القيادة والتأثير الاجتماعي والتعاطف كأهم المهارات الشخصية للقادة خلال الفترة بين 2027-2030.

والأمر الأكثر إثارة للانتباه هو ما أظهرته دراسة أجرتها شركة جوجل حول الإدارة الفعالة، حيث وجدت أن الخبرة التقنية كانت أقل العوامل أهمية بين أهم 10 سلوكيات اساسية مطلوبة لدى القادة، فقد تصدرت المهارات الشخصية مثل القدرة على التكيف والتأثير المشهد.

ومن ثم الاعتقاد بأن التمتع بالمهارات التقنية قد يكون كافياً للقيادة هو نهج يعاد صياغته حالياً، فقد تمتلك أفضل مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي وأكثر أدوات تحليل البيانات تطوراً وأكثر أنظمة الأتمتة كفاءة، ولكن إن كنت تفتقر إلى الحكمة لتحديد المشكلات التي يجب حلها والتعاطف لفهم تأثير الحلول في مرؤوسيك والتفكير النقدي عند تفسير المخرجات، فإن تلك البراعة التقنية كلها تصبح بلا معنى، إذ إن القادة الناجحين في المستقبل القريب ليسوا الأكثر براعة تقنية أو جاذبية، بل هم من يستطيعون دمج الاستراتيجية والتكنولوجيا والديناميكيات البشرية دون أن يفقدوا جوهرهم.

اقرأ أيضاً: هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً لوظائف البشر؟

ما الذي يحتاج القادة إلى إتقانه من مهارات عام 2026 وما بعده؟

تغير مشهد المهارات بشكل جذري جعل الشركات والمؤسسات أكثر حرصاً على البحث عن قادة قادرين على التعامل مع تعقيدات لم تكن موجودة قبل 5 سنوات، ويعد فهم السياق من أهم المهارات المطلوبة بسبب تدفق البيانات الهائل، إذ إنه دون فهم معناها والغرض منها فإنها تصبح بلا معنى.

كما يعد الحكم الأخلاقي الآن هو جوهر القيادة، فعندما يمكن للذكاء الاصطناعي تضخيم قراراتك والتأثير في آلاف أو ملايين الأشخاص بشكل فوري، تصبح القدرة على الموازنة بين القيم المتضاربة واتخاذ خيارات مبدئية تحت الضغط أمراً لا غنى عنه.

وبالمثل، يعد التواصل بين الإنسان والآلة أهم من معرفة البرمجة، فالقادة لا يحتاجون إلى كتابة الأكواد، بل يحتاجون إلى فهم الأسئلة التي يجب طرحها على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكيفية تفسير مخرجاتها بشكل نقدي، ومتى يجب تجاوز التوصيات الخوارزمية بالحكم البشري.

ولا ننسى التعلم التكيفي الذي يحل محل الخبرة الثابتة، إذ إن المهارات المهنية بطبيعة الحال عرضة للتناقص باستمرار، ومن ثم فإن القادة الذين يتمسكون بما يعرفونه قد يصبحون عبئاً، أما القادة الذين يتبنون التعلم المستمر وينظرون إلى النكسات كفرص لا كأحداث تعوق مسيرتهم المهنية، فهم من يبنون مؤسسات مرنة.

كما يحدد ضبط النفس العاطفي تحت الضغط فاعلية القيادة بشكل كبير، فعندما نجد أن 85% من النجاح الوظيفي يعتمد على المهارات الشخصية والاجتماعية المتطورة، بينما لا تتجاوز نسبة مساهمة المهارات التقنية 15% فقط، سنعلم أننا نقف أمام حقيقة بسيطة: التحفيز والإلهام هما أهم سلوك للمدير لتحسين أداء فريقه.

وفي ظل تصاعد مخاطر الاحتراق الوظيفي، خاصة لدى جيل الشباب، أصبح الذكاء العاطفي مهارة قيادية حتمية مع تصاعد نهج "القيادة من أجل اللحظة الإنسانية" الذي يرتكز على الحضور الذهني العميق وتفهم الضغوط النفسية للفريق لضمان استدامة الأداء والرفاهية.

اقرأ أيضاً: هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً لوظائف البشر؟

لماذا إذاً ينتصر التعاطف والتفكير النقدي على حساب المعرفة التقنية؟

في الوقت الحالي يمكنك أتمتة أي شيء تقريباً، ولكن ما لا يمكنك أتمتته هو المعرفة وتحديد المشكلات التي تستحق الحل من الأساس. على سبيل المثال، أظهرت دراسة أجرتها شركة سيكس سكند شملت 418 قائداً معظمهم من الإمارات، أن الذكاء العاطفي يعد مؤشراً أكثر أهمية للنجاح المهني في بيئات الأعمال بالمنطقة من المهارات التقنية.

وفي السعودية والمنطقة العربية عموماً، حيث تسهم مبادرات حكومية كبرى مثل رؤية السعودية 2030 في خلق آلاف الوظائف الجديدة، بينما تقلص الشركات حجمها في الوقت نفسه، يواجه القادة مفارقة حادة؛ إذ إن التفاؤل الاقتصادي يصطدم بتغير توقعات الموظفين واستمرار الإرهاق الوظيفي.

وتعبر ديما غاتا أورا، مؤسسة شركة كرايتيريون كوتشينغ، عن ذلك ببساطة: "الأشخاص أصحاب الذكاء العاطفي العالي لا يشلهم عدم اليقين، بدلاً من ذلك يثقون بأنفسهم في التعامل مع أي شيء قادم ويثق بهم الآخرون أيضاً، لأنهم يساعدون فرقهم على بناء هذه الثقة".

أما عن التفكير النقدي، فإن أهميته تنبع من أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يخبرك بما يحتمل حدوثه بناءً على الأنماط، لكنه لا يستطيع أن يخبرك ما إذا كان هذا ما ينبغي أن يحدث، كما أنه لا يستطيع الموازنة بين الاعتبارات الأخلاقية المتضاربة ومراعاة التكلفة البشرية لمكاسب الكفاءة، أو التساؤل عما إذا كنت تعالج المشكلة الصحيحة.

وفي بيئات عمل أصبحت أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، فإن التفكير النقدي يقدم للقادة صفات ضرورية للقيادة الرشيدة، حيث تتيح لهم التشكيك في مخرجات الذكاء الاصطناعي وتحديد التحيزات ومزج كفاءة الآلة بالحكمة البشرية والتعاطف وفهم السياق، وهذه هي الكفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي وليست مجرد القدرة على البرمجة.

اقرأ أيضاً: هل ستصبح واجهات الدماغ الحاسوبية الأداة الرئيسية للمدراء لمعرفة مستوى تركيز الموظفين؟

لكن، هل تزال المعرفة التقنية مثل البرمجة مهمة؟

تبقى المعرفة التقنية أساسية، إذ يحتاج القادة إلى فهم كيف تعيد التقنيات الناشئة تشكيل شركاتهم وقوتهم العاملة وبيئة المنافسة وإدراك الفرص التي تتيحها الأتمتة، بدلاً من النظر إليها كتهديد فقط، ولكن  المهارات الشخصية لا تزال هي المطلب الأول للنجاح.

لا يعني هذا أن المهارات التقنية غير مهمة، بل إن كتابة الأكواد ليست العقبة الرئيسية أمام معظم المدراء، حيث كل ما عليهم فعله هو فهم التكنولوجيا بما يكفي لطرح أسئلة ذكية، لكنهم ليسوا بحاجة إلى تصحيح أخطاء الأكواد.

وبالتحديد إتقان التعامل مع الذكاء الاصطناعي -أي القدرة على تحليل النتائج وتوجيهها نحو تحقيق أهداف العمل– والتدرب على الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي ومهارة الإلمام الرقمي التي تتمحور على سبيل المثال حول معرفة قدرات التكنولوجيا وحدوده ومواكبة أحدث التوجهات والتحدث بلغة المهندسين.

هذه المهارات مهمة للغاية لأنها تلغي مفهوم "القيادة التبادلية"، إذ إن القادة الفعالين هم من يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، لكنهم يستخدمون المعرفة التقنية أساساً لطرح أسئلة أفضل واتخاذ قرارات أكثر استنارة، وفهم القيود دون الحاجة إلى تنفيذ الحلول بأنفسهم.

اقرأ أيضاً: التخطيط للمستقبل: تقرير عن أهم 4 تقنيات ستهيمن على 2030

الطريق نحو قيادة مبتكرة: ما هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها على نفسك الآن؟

قبل أن تركز على تعلم لغة برمجة جديدة، اسأل نفسك: هل أمتلك القدرة على فهم احتياجات الأشخاص الذين تختلف تجاربهم اختلافاً جذرياً عن تجربتي؟ هل لدي الشجاعة للتشكيك في افتراضاتي عندما تتعارض معها الأدلة؟ إلى أي مدى أستطيع اتخاذ قرارات مبدئية عندما تكون النتائج غير مؤكدة؟

وكيف لي أن أبني الثقة بين فرق العمل التي نادراً ما ألتقيها شخصياً؟ وهل يسعني إلهام الآخرين في ظل التغيير الجذري عندما لا أملك الإجابات كلها؟ هل يمكنني الحفاظ على اتزاني النفسي في أثناء دعم الآخرين في أوقاتهم الصعبة؟

الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تعد أهم من قدرتك على البرمجة أو تحليل البيانات، إذ يمكن اكتساب مثل هذه المهارات التقنية أو تفويضها أو تعزيزها بأدوات الذكاء الاصطناعي، لكن الحكمة والتعاطف والقدرة على المساعدة في إيجاد معنى في الظروف الصعبة هي القدرات البشرية الفريدة التي لا يمكن أتمتتها أو تفويضها، ولا يمكن تطويرها إلا بالوعي ممارستها باستمرار وصقلها بشكل دائم.

حيث إن المستقبل ليس الاختيار بين المهارات البشرية والتقنية، بل إدراك أن المهارات التقنية ضرورية ولكنها غير كافية، وشرط أساسي لكنها ليست مصدراً للميزة التنافسية، إذ إن ما يميز القادة عام 2026 وما بعده هو القدرة على الحفاظ على إنسانيتهم ​​العميقة والشجاعة والاستراتيجية في عالم يزداد فيه الاعتماد على الأتمتة.

المحتوى محمي