في السنوات الأخيرة وصل قطاع شركات التكنولوجيا المالية إلى ذروة التحول الاستراتيجي، ولكن هذا الوضع الراهن يضعه عند مفترق طرق حاسم، إذ إن المرونة التي تمنحها القدرة على إعادة صياغة قواعد العمل المصرفي هي ذاتها التي خلقت بيئة خصبة لمجرمي الإنترنت الذين أصبحوا أكثر تركيزاً على مهاجمتها مسلحين بأحدث ما توصلت إليه أدوات الاختراق المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتؤكد البيانات الحديثة خطورة هذا المشهد، حيث شهد القطاع عام 2024 تصاعداً في وتيرة الهجمات السيبرانية وتعقيدها. فبحسب دراسة أجرتها شركة آي بي إم عام 2024 من بين 16 دولة ومنطقة شملتها الدراسة، جاءت دول الشرق الأوسط ضمن المراكز الخمسة الأولى في تكلفة متوسط اختراق البيانات في القطاع المالي، حيث وصل متوسط الاختراق الواحد إلى 8.75 مليون دولار، وهو الأعلى بين القطاعات جميعها.
وفي المنطقة العربية يتسم الوضع بتقلبات حادة، حيث ارتفعت هجمات الحرمان من الخدمة الموزعة ضد المؤسسات المالية بنسبة 183% في أوائل عام 2024، بحسب تقرير قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للأمن السيبراني لعام 2025، وهو ما يجعل الأمن السيبراني لهذه الشركات ليس مجرد إجراء تقني بل الركيزة الأساسية، فخسارة أموالها كارثة، لكن إذا فقدت ثقة عملائها تصبح في حالة انهيار.
ما الذي يجعل شركات التكنولوجيا المالية أكثر عرضة للهجمات السيبرانية؟
تُستهدف شركات التكنولوجيا المالية وتصبح أكثر عرضة للهجمات السيبرانية نظراً إلى موقعها الفريد كحلقة وصل بين التمويل التقليدي والبرمجيات الحديثة. فعلى عكس البنوك التقليدية التي غالباً ما تعتمد على أنظمة قديمة ومغلقة، تستخدم شركات التكنولوجيا المالية تقنيات مفتوحة ومترابطة، ما يوفر نقاط دخول متنوعة وأكثر عدداً للمهاجمين. وفيما يلي العوامل الرئيسية التي تجعلها أكثر عرضة للهجوم:
1. البيانات القيمة والربح المستمر
تخزن منصات التكنولوجيا المالية كميات هائلة من بيانات الدفع ومعلومات التعريف الشخصية شديدة الحساسية التي تعد قابلة للاستغلال في عمليات الاحتيال وإعادة البيع، ولذلك يعطي المهاجمون الأولوية لاستهدافها مقارنة بالعديد من القطاعات الأخرى.
2. التطوير السريع مقابل الأمن
غالباً ما تعمل شركات التكنولوجيا المالية كشركات ناشئة، حيث تكون الأولوية التجارية لها هي سرعة الوصول إلى السوق وإحداث تغيير جذري، ما قد يؤدي إلى فجوات أمنية برمجية أو ما يعرف بمفهوم الدين الرقمي، الذي يسمح بترك ثغرات أمنية متأصلة في مراحل نموها المبكر.
3. الاستخدام المكثف لواجهات برمجة التطبيقات
تعتمد شركات التكنولوجيا المالية على واجهات برمجة التطبيقات كجسور رقمية للربط بين أنظمتها والبنوك، إلا أن هذا الترابط يوسع مساحة الهجوم، فثغرة واحدة في تأمين هذه الواجهات قد تمنح المخترقين عبوراً مباشراً للبيانات الحساسة. ويزداد الخطر بوجود واجهات "خفية" قد يتركها المطورون بعد الاختبار، ما يحولها إلى بوابات خلفية غير مراقبة تهدد أمن النظام بأكمله.
4. مخاطر الأطراف الخارجية وسلسلة التوريد
نادراً ما تبني شركات التكنولوجيا المالية أنظمتها من الصفر، بل تعتمد على شبكة معقدة من إدارة السحابة والتحقق من الهويات. هذا الاعتماد يجعل هؤلاء المزودين الحلقة الأضعف في السلسلة الأمنية، إذ يكفي المهاجم اختراق دفاعات مزود خدمة صغير ليتمكن من التسلل عبر قنوات الاتصال الموثوقة والوصول إلى بيانات الشركة الكبيرة، دون الحاجة إلى مواجهة دفاعاتها المباشرة.
5. ثغرات أمنية في الحوسبة السحابية وتطبيقات الجوال
على خلاف البنوك التقليدية التي تتحصن ببنيتها التحتية المحلية، تعتمد شركات التكنولوجيا المالية كلياً على الحوسبة السحابية وتطبيقات الجوال، وأي خطأ بسيط في إعدادات التخزين السحابي قد يحول البيانات الخاصة إلى معلومات متاحة للعامة. وفي الوقت نفسه تنتقل المعركة إلى نقاط النهاية لدى المستخدم، حيث يتربص المخترقون بثغرات الهواتف أو يستخدمون هجمات التراكب لخداع العملاء بشاشات وهمية تسرق بياناتهم في لحظة غفلة.
ما هي أفضل ممارسات الأمن السيبراني الضرورية لحماية منصات التكنولوجيا المالية؟
لتحقيق أقصى درجات الأمان في منصات التكنولوجيا المالية، تبرز استراتيجية الدفاع متعدد الطبقات كضرورة ملحة، وتتلخص أهم ممارساتها في النقاط التالية:
1. الأمان من نقطة الصفر
- دمج اختبارات الأمان في المراحل الأولى لتطوير البرمجيات واكتشاف الثغرات قبل الإطلاق.
- تبني عقلية "المخترق" في أثناء التصميم لمعالجة العيوب الهيكلية استباقياً.
2. إدارة الوصول والهوية
- التعامل مع كل طلب وصول على أنه تهديد محتمل يتطلب التحقق المستمر، بغض النظر عن هوية المستخدم.
- تجاوز الرسائل النصية التقليدية إلى استخدام مثل المصادقة التكيفية والسلوكية والسياقية للتحقق من الهوية.
3. حماية البيانات وتأمين البرمجيات
- تشفير البيانات في حالتي السكون والنقل واستخدام الرموز بدلاً من أرقام البطاقات الحقيقية لتعطيل قيمة البيانات المسروقة.
- تحديد معدل الطلبات لمنع الهجمات الآلية وإجراء فحص مستمر لواجهات برمجة التطبيق وإغلاق الثغرات والواجهات غير المستخدمة.
4. الرصد والاستجابة الذكية
- استخدام الأنظمة الذكية لتحليل أنماط المعاملات ورصد السلوكيات الشاذة فور حدوثها، ولمواجهة التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ينبغي تبني استراتيجيات الدفاع الذاتي، بحيث يوظف الذكاء الاصطناعي نفسه للتنبؤ بالأنماط المشبوهة قبل وقوع الاختراق، مثل رصد محاولة تسجيل دخول من موقع جغرافي غير معتاد تزامناً مع سلوك إنفاق غريب.
- إجراء تجارب وهمية لتدريب الفرق على سرعة الاستجابة الهادئة والمنظمة وقت الأزمات.
5. الحوكمة والعنصر البشري
- الالتزام بالمعايير العالمية وقوانين الامتثال العالمية والمحلية كشرط أساسي للتشغيل.
- تدريب الموظفين عبر محاكاة التصيد الاحتيالي وتعزيز ثقافة الشفافية والإبلاغ عن الأخطاء دون خوف.
اقرأ أيضاً: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم أمان الحسابات المصرفية من خلال مراقبة «اللاوعي الرقمي» للمستخدمين؟
خطوات بناء استراتيجية دفاعية سيبرانية طويلة الأجل وقابلة للتكيف
لتحويل أدوات الدفاع السيبرانية من مجرد أدوات تقنية إلى استراتيجية مستدامة، ينبغي لشركات التكنولوجيا المالية الانتقال من عقلية الأمن السيبراني (محاولة منع الاختراق) إلى عقلية المرونة السيبرانية (قدرة النظام على العمل رغم الاختراق)، وذلك بتطبيق 4 أركان رئيسية:
- الاستباق: جمع المعلومات وتحليلها حول التهديدات المحتملة والجهات التي قد تستهدف القطاع المالي لتوقع الهجمات قبل وقوعها.
- الصمود: تصميم بنية تحتية مرنة تحتوي على أنظمة احتياطية لضمان استمرارية الخدمات الأساسية حتى لو تعرض جزء من النظام للهجوم.
- التعافي: توفير نسخ احتياطية معزولة (خارج نطاق الاتصال المباشر بالإنترنت) تضمن استعادة البيانات والعمليات في أقرب وقت ممكن.
- التكيف: تحليل الدروس المستفادة من كل حادثة أو محاولة اختراق لتطوير الأنظمة وسد الثغرات المكتشفة مستقبلاً.
اقرأ أيضاً: %84 من المدفوعات في دول الخليج رقمية: كيف أصبحت البنوك التقليدية أمام منافسة جديدة غير متوقعة؟
الثقة والأمان الرقمي: أهم ميزة تنافسية في مجال التكنولوجيا المالية
تعد الثقة في الاقتصاد الرقمي ميزة تنافسية جوهرية تتجاوز كونها مجرد شعور، فهي المحرك الأساسي الذي يدفع العميل للمخاطرة بترك المؤسسات التقليدية واللجوء لمنصات التكنولوجيا المالية، مع إدراك أن اختراقاً واحداً قد يهدم هذه العلاقة للأبد.
من هنا، يتحول الأمن الاستباقي إلى استثمار مباشر في نمو الإيرادات، حيث تبرز شهادات الامتثال العالمية كمؤشرات نضج تفتح الأبواب لجذب العملاء وتسهل التكامل مع الشركاء المؤسسين الذين يرفضون التعامل مع منصات تفتقر لإثباتات أمنية قوية.
ومع تصاعد معدلات الاحتيال عالمياً، أصبحت فجوة الثقة معياراً للمفاضلة بين الشركات، فالمنصات التي تنجح في تقديم تجربة "أمان رقمي غير مرئي" عبر دمج الذكاء الاصطناعي والمصادقة السلسة، تكتسب ولاءً عميقاً من مستخدميها الذين يبحثون عن الحماية والسهولة في آن واحد.
هذا التوجه يعيد تعريف الأمن السيبراني من كونه مجرد تكلفة تشغيلية إلى محرك استراتيجي للنمو يمنح المنصة القدرة على الصمود في سوق مشبعة بمنصات تقدم ميزات متطابقة، وفي الوقت نفسه يقدم هوامش ربح ضئيلةٍ للغاية.
في نهاية المطاف لا يقتصر الأمن السيبراني القوي على تجنب الخسائر فحسب، بل يتعلق ببناء الثقة التي تعد العملة الذهبية التي تمكن النمو، فكلما حرصت شركات التكنولوجيا المالية على حماية بيانات عملائها وضمان استمرارية خدماتها، زادت قدرتها على كسب ثقة العملاء كعامل تمييز في السوق.