هل يمكن لتشات جي بي تي إقناعك بالشراء؟

4 دقيقة
هل يمكن لتشات جي بي تي إقناعك بالشراء؟
حقوق الصورة: envato.com/ GoldenDayz

يتجه الذكاء الاصطناعي إلى لعب دور مباشر في الإعلانات والتسويق، مستفيداً من قدرته على التفاعل الشخصي وتحليل السلوك النفسي للمستخدمين بعمق يفوق الإعلان التقليدي.

  • تتباين استراتيجيات شركات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الإعلانات، إذ تتجه "أوبن أيه آي" إلى اختبار الإعلانات …

مع مطلع عام 2026، تستعد منصات الذكاء الاصطناعي لدخول مرحلة جديدة قد تغير جذرياً ملامح الإعلانات والتسويق الرقمي. فبعد أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة ملايين البشر، تتجه هذه المنصات نحو دمج الإعلانات في خدماتها. ويطرح هذا التوجه سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي، بقدراته المتقدمة على محاكاة التعاطف البشري وتحليل البيانات اللحظية، قادراً على اختراق الحصون النفسية للمستهلك والتأثير في قراراته الشرائية بطرق لم تكن ممكنة في عصر الإعلانات التقليدية.

استراتيجيات متباينة لدمج الإعلانات في منصات الذكاء الاصطناعي

في الوقت الحالي، يبرز اتجاه عام بين شركات الذكاء الاصطناعي لدمج الإعلانات ضمن منصاتها. ومع ذلك، لا تتحرك الشركات جميعها بالوتيرة نفسها؛ فبينما تسعى شركة مثل "أوبن أيه آي" إلى تمويل تكاليف البنية التحتية الهائلة للذكاء الاصطناعي من خلال الإعلانات المباشرة، تتبنى شركة أخرى مثل جوجل نهجاً مختلفاً يركز على التجارة الوكيلة (Agentic Commerce) باعتبارها بديلاً أكثر عمقاً وتكاملاً من الإعلان التقليدي.

من جانبها، أعلنت "أوبن أيه آي" بدء اختبارات موسعة لدمج الإعلانات داخل منصة "تشات جي بي تي"، مستهدفة بشكل أساسي مستخدمي الفئة المجانية وفئة "غو" التي أُطلقت حديثاً. ويمثل هذا التوجه تراجعاً عن مواقف سابقة للرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الذي وصف دمج الإعلانات بالذكاء الاصطناعي بأنه أمر "مزعج"، غير أن الضغوط المالية والحاجة إلى جمع مبالغ هائلة للحفاظ على الريادة التقنية دفعت الشركة إلى تبني هذا المسار. وتظهر الإعلانات حالياً في أسفل الردود على هيئة منتجات أو خدمات مدعومة ترتبط بسياق الحوار. فعندما يستفسر المستخدم مثلاً عن خطط سفر، يعرض النظام خيارات فنادق أو شركات طيران.

في المقابل، تتبنى جوجل نهجاً أكثر حذراً فيما يخص منصة "جيميناي"، حيث صرح الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ديب مايند، ديميس هاسابيس، بأنه لا توجد خطط فورية لإدخال الإعلانات المباشرة في واجهة الدردشة، محذراً من أن التسرع في هذه الخطوة قد يقوض ثقة المستخدم في الوكيل الشخصي.

بدلاً من ذلك، حولت جوجل محرك البحث التقليدي إلى وضع الذكاء الاصطناعي (AI Mode)، في خطوة تدمج ما تصفه الشركة بـ "العروض المباشرة" مع بروتوكول التجارة الشامل (UCP). ويهدف هذا البروتوكول، الذي أطلقته جوجل الشهر الماضي، إلى تمكين وكلاء الذكاء الاصطناعي من إدارة رحلة التسوق كاملة، بدءاً من البحث عن المنتجات وصولاً إلى إتمام عملية الدفع. هذا النموذج يسمح للعلامات التجارية بتقديم خصومات حصرية للمستخدمين في اللحظة التي يكتشف فيها النظام "نية شراء عالية".

بالإضافة إلى ذلك، بدأت الشركات بإطلاق "وكلاء أعمال" مخصصة تظهر مباشرة ضمن نتائج البحث الذكي. وتعمل الوكلاء كموظفي مبيعات افتراضية مدربة على بيانات العلامة التجارية الخاصة، بهدف الإجابة عن الاستفسارات المعقدة وتقديم توصيات ونصائح مخصصة وفق احتياجات كل مستخدم.

اقرأ أيضاً: ما الذي لا تخبرك به تطبيقات اشترِ الآن وادفع لاحقاً؟

سيكولوجية الإقناع الرقمي: كيف يخترق الذكاء الاصطناعي الدماغ البشري؟

تعتمد الإعلانات التقليدية على فهم سلوك المستهلك عبر بيانات مجمعة، بما في ذلك العمر والموقع والاهتمامات. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيمتلك مستوى أعمق من الفهم، لأنه يتفاعل مباشرة مع المستخدم ويحلل لغته ونبرته وأسئلته وحتى تردده. ويشبه خبراء الأمن هذا الأمر بالفرق بين قراءة كتاب والتحدث إلى مؤلفه.

والخطر لا يكمن فقط في "عرض إعلان"، بل في القدرة على صياغة رسالة إقناعية مخصصة لحالة ذهنية محددة في لحظة معينة، مستفيدة من الثقة العالية التي يمنحها المستخدم للنظام الذكي في أثناء الحوار. وتشير الأبحاث إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة أصبحت تضاهي البشر في قدرتها على تغيير المعتقدات والمواقف. ويعتمد هذا الإقناع على عدة ركائز نفسية توظف خوارزمياً بدقة.

كما يعتبر تصميم الذكاء الاصطناعي ليكون "شبيهاً بالبشر" أداة إقناع قوية؛ فاستخدام لغة متعاطفة ومحاكية للمشاعر يزيد "الثقة العاطفية" لدى المستهلك. وعندما يشعر المستخدم بأن النظام "يفهمه"، فإنه يميل إلى تقليل المقاومة النفسية تجاه التوصيات التجارية.

ومع تطور مساعدي الذكاء الاصطناعي، بدأ المستخدمون تكوين علاقات "شبه اجتماعية" معهم، وهي علاقات أحادية الجانب يشعر فيها المستخدم بارتباط عاطفي عميق بالنظام. وقد ظهر أحد جوانب هذا الارتباط العام الماضي عندما استبدلت شركة "أوبن أيه آي" نموذج "جي بي تي-4 أو" بنموذج "جي بي تي-5" على منصة "تشات جي بي تي"، ما أحدث موجة من "الحزن الرقمي" لدى المستخدمين، وهو ما يثبت أن هذه الأنظمة أصبحت كيانات ذات تأثير عاطفي.

اقرأ أيضاً: ما هي أدوات تتبع العملاء المحتملين؟ ولماذا أصبحت ضرورة في التسويق الحديث؟

بين الإقناع والتلاعب: المعضلة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي

هذا التحول لا يمر دون إثارة مخاوف أخلاقية عميقة، إذ يبرز تهديد جدي يتمثل في قدرة بعض الشركات على "التلاعب" بدلاً من "الإقناع". فإذا كانت المنصة تتقاضى أجراً مقابل توجيهك نحو علامة تجارية معينة، فهل ستظل إجاباتها موضوعية؟

ربما يتمثل أحد الحلول في وضع تشريعات قوية تمنع هذا التلاعب. على سبيل المثال، يحظر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) صراحة الممارسات التي تستخدم محفزات لا شعورية، أي تلك التي تكون تحت عتبة إدراك الحواس، والتي تهدف إلى تشويه سلوك الشخص بطريقة تسبب له ضرراً. وفي الولايات المتحدة، كثفت هيئة التجارة الفيدرالية من إجراءاتها ضد استخدام دعاية مبالغ فيها حول الذكاء الاصطناعي وبيع تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن استخدامها بطرق خادعة وغير عادلة.

وقد يكمن الحل في إدراك الشركات المطورة نفسها أن ثقة المستهلكين هشة، ومن ثم فإن من مصلحتها الحفاظ على مصداقيتها. وقد كشفت دراسة حديثة أن 69% من المستهلكين يشعرون بالتلاعب عندما تستخدم العلامات التجارية الذكاء الاصطناعي في الإعلانات دون الإفصاح عن ذلك. ووفقاً لتحليل نشرته مجموعة بوسطن الاستشارية، فإن تعامل المستخدمين مع المساعدين بوصفهم مستشارين يجعل أي تلاعب متصور عاملاً مباشراً في فقدان الثقة، ما يعني أن المنصات والعلامات التجارية التي تحافظ على مصداقيتها من خلال الإفصاح الواضح ستكون الأوفر حظاً في الحفاظ على ولاء المستخدمين.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟

في النهاية، تشير الوقائع والتحليلات إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالفعل أدوات الإقناع الأساسية: المعرفة العميقة والتخصيص الدقيق وحسن اختيار التوقيت، غير أن تحويل هذه القدرات إلى نموذج إعلاني ينطوي على مخاطر حقيقية قد تقوض العلاقة بين المستخدم ومنصات الذكاء الاصطناعي. لذلك، فإن المعادلة التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي الآن هي كيفية تحقيق الربح دون التضحية بالثقة، وكيف يمكن ضمان أن تكون توصية الذكاء الاصطناعي نابعة من كفاءة المنتج وليس لأن المنصة تتلقى "عمولة"؟

المحتوى محمي