سيناريو تخيلي: بدأ يوم أسماء، وهي مديرة عمليات في شركة بيع بالتجزئة، بوهج هاتفها عند الساعة 5 صباحاً لتجد نحو 19 رسالة بريد إلكتروني جديدة كانت كفيلة بإفساد هدوء الفجر. قضت يومها في المكتب بين مطرقة الاجتماعات العاجلة وسندان تقرير ضخم مستحق كانت تعتقد أنه لن يسلم إلا يوم الخميس. لم تغادر مكتبها إلا والظلام يلف الممرات، منهكة ومحملة بشعور بالتقصير تجاه كل شيء.
هذه ليست قصة نادرة في عالم القيادة الحديث، فبحسب دراسة عالمية أجرتها شركة إيدلمان للبيانات والتحليلات المستقلة، وجدت أن نحو 53% من المدراء حول العالم يعانون الإرهاق الوظيفي، ويشير الكثيرون منهم إلى الكم الهائل من المهام الإدارية كسبب رئيسي لذلك.
هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية فقط بل كمنقذ للوقت، حيث تشير الأبحاث إلى أن استخدامه مع التدريب المناسب يمكن أن يعيد للمدير ما يصل إلى 10 ساعات أسبوعياً، هذه الساعات عند تراكمها كل أسبوع تعني فرصة لاستعادة التوازن المفقود في الحياة المهنية، وهذا بدوره ينعكس على حياة أسرية أفضل وعمل يحمل قيمة ومعنى حقيقياً.
في هذا المقال نقدم لك استراتيجية عملية لكيفية الانتقال من فخ "الانشغال الدائم" إلى قيادة واعية ذكية تعيد إليك وقتك وتعزز أثرك، محولاً أسلوب قيادتك من الانشغال المرهق إلى الدقة الذكية.
فخ "المدير المشغول": لماذا لا يؤدي بذل المزيد من الجهد إلى نتائج أفضل؟
يعمل معظم المدراء وفقاً لافتراض ضمني يقول: "بذل المزيد من الجهد يؤدي إلى نتائج أفضل"، "اعمل بجد أكبر"، "ابقَ حتى وقت متأخر"، "أجب عن كل بريد إلكتروني"، "احضر كل اجتماع"، "استغل كل دقيقة". يبدو المنطق سليماً حتى تظهر الحقيقة: تتعثر المبادرات الاستراتيجية وتنخفض معنويات الفريق ويتأثر الابتكار سلباً. لماذا؟
لأن النشاط والأثر ليسا شيئاً واحداً، إذ إن الفرق جوهري بينهما؛ فالنشاط هو الحركة -عدد المهام المنجزة والرسائل الإلكترونية التي تم الرد عليها والاجتماعات التي تم حضورها- أما الأثر فهو النتيجة: القرارات المتخذة والمشكلات التى حلها والفرص التي اغتنمها لدفع المؤسسة قدماً.
فعندما يقضي المدير 12 ساعة يومياً في وضع النشاط، لا يتبقى لديه أي وقت للتفكير أو وضع الاستراتيجيات أو فهم التحديات العميقة التي تواجه فريقه، ويصبح مجرد مدير يعمل وفقاً لردود الفعل بدلاً من أن يكون هو الفعل.
عندما يعمل المدراء في حالة نشاط دائم، تظهر العديد من المشكلات أهمها:
- تأخر اتخاذ القرارات: تتطلب القرارات الاستراتيجية وقتاً للتفكير والتشاور والتأمل، وعندما يكون جدول أعمالك مزدحماً وبريدك الإلكتروني لا يتوقف عن العمل، تؤجل القرارات أو تفوض قبل أوانها أو تتخذ دون استشارة كافية، ما يبطئ قدرة المؤسسة على اغتنام الفرص.
- الإرهاق والتسرب الوظيفي: يرتبط الإرهاق العاطفي المتوسط إلى الشديد لدى المدراء بارتفاع معدلات الحضور الشكلي الذي يعنى أنهم غير منخرطين ذهنياً وغير منتجين.
- القيادة التفاعلية بدلاً من الاستباقية: عندما تكون في وضع الاستجابة للأزمات، لا يمكنك التخطيط استراتيجياً أو تنمية المواهب أو بناء ثقافة تنظيمية تحقق ميزة تنافسية مستدامة.
الحقيقة المزعجة: هي أن فخ الجهد يؤدي إلى نتائج عكسية: تعمل بجهد أكبر، فتتأخر أكثر، ثم تعمل بجهد أكبر، ما ينشئ حلقة مفرغة لا تفيد أحداً: لا أنت، ولا فريقك، ولا مؤسستك.
اقرأ أيضاً: 20 وظيفة جديدة ستظهر بسبب الذكاء الاصطناعي وستطلبها غالبية الشركات في العالم
من أين تأتي الساعات العشر؟ تطبيقات الذكاء الاصطناعي المؤثرة للمدراء
لا قيمة لوعد استعادة الوقت إلا إذا كان واقعياً، دعونا نحدد بدقة أين تستعاد هذه الساعات وكيف في أبرز مجالات الإدارة الرئيسية باستخدام تطبيقات ذكاء اصطناعي محددة ومثبتة:
1. الاجتماعات: استعادة نحو 2-3 ساعات أسبوعياً
تتطلب الاجتماعات التقليدية الكثير من التحضير والمتابعة، ولكن باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكنك تقليل العبء في كل مرحلة. على سبيل المثال، يمكنك استخدام مساعد الذكاء الاصطناعي كوبايلوت لإنشاء جداول أعمال الاجتماعات من نقاط محددة للنتائج المرجوة.
في أثناء الاجتماع، يمكنك استخدام تطبيق مثل أوتر أيه آي Otter.ai لنسخ المحادثة في الوقت الفعلي، بعد ذلك يمكن الطلب منه تلخيص النقاط الرئيسية والخطوات التالية في صيغة قابلة للمشاركة، والنتيجة: استعادة بعض الساعات تلقائياً بدلاً من العملية القديمة المتمثلة في كتابة الملاحظات يدوياً.
2- التواصل: استعادة نحو ساعتين أسبوعياً
بدلاً من إهدار ساعات في صياغة رسائل البريد الإلكتروني واستهلاك الطاقة الذهنية في الشكل والأسلوب، يمكنك استخدام أدوات مثل: ميزات جيميناي في جيميل Gemini in Gmail لصياغة ردود احترافية أو إنشاء رسالة جديدة بناءً على توجيهات موجزة أو سياق محدد وإعادة تكييف الرسالة نفسها لتناسب جمهور مختلف دون الحاجة إلى إعادة الكتابة من البداية في كل مرة.
3- إعداد التقارير: توفير نحو 2-3 ساعات أسبوعياً
عادة يستغرق إعداد التقارير والخطط وتحليل البيانات وقتاً طويلاً جداً عند القيام به يدوياً، ولكن باقتران أدوات مثل بلان فول Planful بمصادر بياناتك، يمكنك إنشاء التقارير تلقائياً والتركيز على استخلاص النتائج بدلاً من تنسيق البيانات.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه الأدوات تحليل المخاطر والفرص من خلال ميزات كشف الشذوذ التي تشير إلى الأنماط غير المعتادة في البيانات تلقائياً، وتنبيهك إلى الانحرافات في البيانات مع تقديم تفسيرات محتملة.
ملاحظة: هذه الساعات المستعادة هي تقريبية، حيث يمكنك استعادة الكثير من الساعات أو القليل منها بناءً على أداء الأداة نفسها وميزاتها وكيفية استخدامك لها، ومدى حجم مهامك وأهميتها ودورك الوظيفي.
اقرأ أيضاً: قائمة من أدوات الذكاء الاصطناعي تخفف عنك ضغوط العمل اليومية
لقد استعدت تلك الساعات العشر، ثم ماذا بعد؟
هذه هي اللحظة الحاسمة. إذا اكتفيت بملء الوقت الموفر بمزيد من رسائل البريد الإلكتروني أو مهام جديدة أو وقت إضافي أمام الشاشة، فلن تجدي هذه الخطوة نفعاً وقد تفشل في التطور. بدلاً من ذلك، اسأل نفسك: ما هو العمل ذو القيمة العالية الذي سأركز عليه أخيراً؟
يدرك "المدير الذكي" مفارقة مهمة وهو أنه كلما زادت الأتمتة ازدادت أهمية العنصر الإنساني، وهو ما تؤكده الدكتورة رنا القليوبي، الرائدة في مجال الذكاء العاطفي، فوفقاً للقليوبي بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي التعامل مع المهام المعرفية، يفتقر إلى القدرة على التعاطف والتفاعلات الدقيقة التي تميز القيادة المؤثرة. وتجادل بأنه مع تولي الذكاء الاصطناعي أدواراً مثل المساعد الشخصي، ينبغي أن يتحول تركيز القائد البشري نحو بناء الثقة والذكاء العاطفي.
حيث تظهر دراسة عالمية أجرتها شركة وورك داي بعنوان: "الارتقاء بالإمكانات البشرية: ثورة مهارات الذكاء الاصطناعي" أن نحو 83% من الموظفين يرغبون في مزيد من التواصل الإنساني مع ازدياد اندماج الذكاء الاصطناعي في عملهم، ومع ذلك يفشل العديد من المدراء في إدراك هذه الحاجة.
ومن ثم ينبغي النظر إلى الساعات العشر التي تستعيدها على أنها "هبة من الوقت" لإعادة استثمارها في أنشطة إنسانية قيمة، مثل تخصيصها للتفكير العميق والإبداعي وجلسات فردية مخصصة للتوجيه والتواصل مع فريقك والتركيز على ما يهم.
والأهم من ذلك، خصص جزءاً منه لنفسك ولعائلتك، إذ تؤكد دراسة بعنوان: "استطلاع آمال ومخاوف القوى العاملة 2025" أجرتها شركة بي دبليو سي الشرق الأوسط، أن نحو 45% من الموظفين في المنطقة العربية أفادو بشعورهم بالتعب مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، على الرغم من دمج الذكاء الاصطناعي في عملهم لأنهم لم يختاروا أبداً استغلال مكاسب الكفاءة من أجل الراحة الجسدية والذهنية.
لذا إذا استعدت ثلاث ساعات من وقتك في اليوم واستثمرتها في النوم فترة أطول أو ممارسة الرياضة أو تناول عشاء عائلي هادئ أو القراءة عن أبحاث القطاع الذي تعمل فيه أو اكتساب مهارة جديدة، فأنت تستثمر في استدامة أدائك.
إذ إن المدير المنهك لا يستطيع القيادة بفاعلية وذكاء، أما المدير المرتاح جسدياً والمفعم بالحيوية الذهنية والمتواصل مع حياته خارج العمل، فيضفي على قيادته حكمة أفضل وإبداعاً وذكاءً عاطفياً، وهي مهارات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها نيابة عنك.
اقرأ أيضاً: كيف يساعد الدمج بين التعليم التقليدي والرقمي على تأهيل الموظفين لعصر الذكاء الاصطناعي؟
خارطة طريق للتنفيذ: خطة 30 يوماً لتبني الذكاء الاصطناعي بوعي
يتطلب الانتقال إلى هذا النموذج الجديد اتباع نهج منظم لتجنب المخاطر الشائعة المتمثلة في الإفراط في الأتمتة أو نقص الإشراف، فيما يلي خطة مقترحة مدتها 4 أسابيع:
- الأسبوع الأول: استخدم مفكرة زمنية أو تطبيقاً لتتبع الوقت لتحديد أهم مهمة تعتقد أنها تستغرق وقتاً طويلاً، وتهدر ساعات العمل الفعلية، ووثق الوقت الأساسي الذي يستغرقه إكمال المهمة.
- الأسبوع الثاني: اختر المهمة عالية التأثير التي تهدر أكبر وقت من الأسبوع الأول واستخدم فيها أداة ذكاء اصطناعي محددة واحدة وادمجها في سير العمل، وقس النتائج مثل عدد الدقائق التي وفرتها.
- الأسبوع الثالث: طور العملية التي جربتها من خلال إنشاء إجراء تشغيلي قياسي مختصر أو نموذجي مثل نموذج جاهز لتخليص رسائل البريد الإلكتروني، ثم أدخل الذكاء الاصطناعي في مهمة أخرى أكثر مهدرة للوقت، مثل جعل أداة محددة تلخص تقارير الأسبوع الماضي أو تنشئ تلقائياً مخطط خطة المشروع التالي.
- الأسبوع الرابع: قارن سجلات وقتك قبل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وبعدها، هل وفر لك الوقت المتوقع؟ ماذا حدث فعلياً لتلك الساعات المستعادة؟ وعدل خطتك وفقاً لذلك. وإذا ظهرت أخطاء مثل سوء فهم الأداة لطلب ما، فحسن أسلوب عملك مثل تحسين المطالبات أو إضافة قيود او اختيار أداة أخرى.
اقرأ أيضاً: 8 تطبيقات على الهاتف لا غنى عنها لكل مدير تنفيذي
نصائح عملية عند استخدام الذكاء الاصطناعي في توفير الوقت
- تجنب التقليل من شأن الوقت الضائع، وسجل حتى المهام الصغيرة، إذ تظهر هذه المراجعة المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم فيها.
- لا تحاول تخصيص كل شيء بشكل مثالي قبل الاستخدام، بدلاً من ذلك استخدم الأداة في وضعها الافتراضي أولاً ثم خصصها لاحقاً بعد أن تلمس أثرها.
- راجع مخرجات الذكاء الاصطناعي كلها للتأكد من دقتها وتحقق من الحقائق يدوياً، ولا تثق ثقة عمياء في مخرجاته، فأفضل الأدوات قد تدرج معلومات خاطئة.
- تأكد من عدم إدخال معلومات الشركة الحساسة -إلا في حالة الحصول على الموافقة الصريحة- وحافظ على الرقابة البشرية على القرارات الحساسة.
- اتبع دائماً نهج "الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان"، ودع الذكاء الاصطناعي يجري معظم العمل الشاق، بينما أضف أنت لمساتك ورؤيتك الشخصية على المخرجات.
اقرأ أيضاً: هل يمكن للمدير أن يثق بتوصيات الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن الحصول على توصيات أكثر دقة؟
التحول الحقيقي: أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح الخيارات لكنها لا تحدد النتائج
إن وعد "عشر ساعات إضافية أسبوعياً والذي يعني 40 ساعة في الشهر" حقيقي ولكنه ليس سوى جزء من الحكاية، إذ يكمن التحول الأعمق في أسلوب قيادتك، فمن خلال تفويض مهام التنسيق الروتينية إلى الذكاء الاصطناعي، يمكنك تخصيص المزيد من الوقت للقيادة، وتوجيه فريقك، واتخاذ قرارات جريئة، وتعزيز الابتكار.
هذا الوعد لا يضاعف إنتاجيتك فحسب، بل يحررك من قيود الإدارة لتتمكن من ممارسة فنها، وهذه الحرية تستحق النضال من أجلها، وهذا التحول يستحق التخطيط الدقيق له. كما أن إمكانية أن تكون قائداً حاضراً، استراتيجياً، وإنسانياً تستحق تجربة الحصول على العشر ساعات هذه.