الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: بين شبح البطالة الجماعية وفرص التمكين الوظيفي

5 دقيقة
الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: بين شبح البطالة الجماعية وفرص التمكين الوظيفي
الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي بإشراف محرر مجرة

تتباين التقديرات حول تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل بين تحذيرات من بطالة جماعية وتفاؤل بإمكاناته في رفع الإنتاجية وإعادة تشكيل طبيعة الوظائف.

  • تشير آراء مسؤولين وخبراء تقنيين إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء نسبة كبيرة من الوظائف المكتبية للشباب خلال سنوات…

خلال الأيام الأولى من عام 2026، أطلق عمدة لندن، صادق خان، تصريحات قاتمة حذر فيها من أن الذكاء الاصطناعي قد "يبشر بعصر جديد من البطالة الجماعية". وفي اليوم التالي مباشرة، أبدى وزير العلوم البريطاني، باتريك فالانس، نظرة أكثر تفاؤلاً ترى في التقدم بمجالي الذكاء الاصطناعي والروبوتات بوابة لـ "آفاق جديدة بالكامل، تزيد الإنتاجية وتغير طبيعة الوظيفة البشرية"، مضيفاً أن هذه التقنيات ستؤدي إلى تحول شامل في سوق العمل. وبعد ذلك بأيام قليلة، حذر كل من الرئيس التنفيذي لشركة "جوجل ديب مايند"، ديميس هاسابيس، والرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، داريو أمودي، من مؤشرات مبكرة على تأثير متسارع للذكاء الاصطناعي في سوق العمل، مع ترجيحات باختفاء ما يقرب من نصف الوظائف المكتبية المخصصة للشباب خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز الخمسة أعوام، في ظل استجابة بطيئة من سوق العمل لا تواكب هذه القفزات التقنية المتلاحقة.

الذكاء الاصطناعي بين الإحلال والتمكين في بيئة العمل

تجسد الأمثلة السابقة التباين الواسع في الرؤى بين الخبراء وصناع السياسات، حتى ضمن الحكومة أو المؤسسة الواحدة، بشأن مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، وهو تباين يرتبط بطبيعة هذه التقنيات المتسارعة وربما غير القابلة للتنبؤ. فالذكاء الاصطناعي ينظر إليه كفرصة وكتهديد في آن واحد، ويبرز كفرصة واحتمال مقلق معاً. ففيما يرى البعض أن الآلة ستحل في النهاية محل العنصر البشري وتخلق حالة "بطالة جماعية"، ترى مقاربات أخرى في الذكاء الاصطناعي شريكاً داعماً للإنسان في بيئة العمل، وأداة لتعزيز قدرات البشر وفتح آفاق جديدة للتعلم والتطوير المهني.

ترتبط هذه الآراء المتباعدة بوجود نمطين من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، أحدهما يهدف إلى الإحلال التام للعنصر البشري، وآخر مصمم لدعم الإنسان وتعزيز كفاءته. فمثلاً، قد تؤدي السيارات ذاتية القيادة إلى الاستغناء عن الملايين من وظائف السائقين بشكل كامل. وفي المقابل توجد أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل مساعداً شخصياً أو صناعياً تقدم إرشادات لحظية للعاملين، ما يساعدهم على أداء مهام أكثر تعقيداً لم يستطيعوا القيام بها بسهولة وحدهم.

ويؤكد باحثون اقتصاديون أنه يمكن للمجتمع أن يوجه دفة الابتكار نحو النوع الثاني من التقنيات -تلك التي تزيد إنتاجية العمال وتتكامل مع جهودهم- بدلاً من الانجراف خلف التقنيات الاستبدالية. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي قوة تمكينية للإنسان: يزيد فاعليته ويوسع نطاق قدراته ويحسن جودة الخدمات والمنتجات التي يقدمها.

اقرأ أيضاً: طرق أتمتة التقارير وتوفير عدة ساعات من العمل كل أسبوع

صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي وتراجع الأدوار الروتينية

في الوقت الحالي، يتوقع 4 من كل 5 موظفين أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في مهامهم اليومية داخل أماكن العمل، في ظل توسع الشركات في الاعتماد على بوتات الدردشة وحلول الأتمتة، وفقاً لتقرير صادر عن شركة "راندستاد". 

وأظهر تقرير الشركة، التي تعد إحدى أكبر وكالات التوظيف في العالم، قفزة بنسبة 1587% في عدد الوظائف التي تتطلب مهارات التعامل مع "وكلاء الذكاء الاصطناعي"، في مؤشر واضح على تسارع استبدال الأدوار منخفضة التعقيد والمعاملات الروتينية بتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وبينما برز الدور الأساسي للذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية في أتمتة المهام المتكررة والروتينية، تشير دراسات حديثة إلى مسار مختلف يقودنا إليه الذكاء الاصطناعي، يتمثل في الانتقال من عصر الأتمتة البحتة إلى عصر الذكاء المعزز (Augmented Intelligence)، حيث لا تلغي الخوارزميات دور الإنسان، بل تتولى عنه الأعباء المعرفية الروتينية ومعالجة الكميات الضخمة من البيانات، ما يفسح المجال أمام ما يعرف بـ "الشراكة المهارية" التي تعيد الاعتبار للقدرات البشرية.

وبدلاً من التنافس مع الآلة، تزداد قيمة الموظف بقدرته على توظيف هذه الأدوات كـ "مساعد" لتعزيز مهارات التفكير النقدي والحكم الأخلاقي المعقد والذكاء العاطفي والقيادة الاستراتيجية، وهي مجالات لا تزال عصية على الأتمتة الكاملة. ومن ثم، يصبح الموظف الناجح هو القادر على دمج حدسه البشري مع القدرة الحوسبية الفائقة للآلة، محققاً بذلك إنتاجية وجودة تتفوق بمراحل عما يمكن أن يحققه أي طرف منهما منفرداً.

اقرأ أيضاً: 5 أسباب لفشل مبادرات أتمتة الأعمال وكيفية تجنبها

قطاعات قد تشهد تحولات كبرى بفعل الذكاء الاصطناعي

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف عبر مختلف القطاعات، ومن أبرز هذه القطاعات والوظائف المرشحة للتحول بشكل كبير:

  • تطوير البرمجيات والهندسة التقنية: يعد مطورو البرمجيات من أكثر الفئات استفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ تظهر بيانات حديثة صادرة عن منصة البرمجة "ستاك أوفرفلو" أن 84% من مطوري البرمجيات يستخدمون حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي أو يخططون لاستخدامها، كما أن 51% من المطورين المحترفين يعتمدون على هذه الأدوات بشكل يومي ضمن سير عملهم، ما يعكس تحولاً تدريجياً من الاستخدام التجريبي إلى الدمج العملي المنتظم في بيئات التطوير.

وتسهم هذه الأدوات في رفع إنتاجية مطوري البرمجيات عبر تسريع كتابة التعليمات البرمجية من خلال الإكمال التلقائي واقتراح الحلول، فضلاً عن قدرتها على اكتشاف الأخطاء البرمجية وإصلاحها بسرعة، بل وحتى توليد الوثائق التقنية تلقائياً، ما يمنح المطورين وقتاً أطول للتفرغ للمشاريع الأعقد والأبدع.

  • النقل وخدمات التوصيل: بدأت الشركات بالاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحسين تخطيط مسارات التوصيل ورفع الكفاءة التشغيلية وتقليل التدخل اليدوي في مهام تقليدية مثل الجدولة والتتبع والتسليم. قد يقلل هذا التحول الحاجة إلى بعض الوظائف اليدوية التقليدية المرتبطة بقيادة المركبات أو إدارة العمليات الروتينية، لكنه في المقابل يفتح المجال أمام وظائف جديدة ذات طابع تقني واستراتيجي، تشمل تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير الخوارزميات وتحليل البيانات اللوجستية وصيانة الأنظمة الذكية داخل المستودعات.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتطبيقات الذكية مساعدة السائقين على اختيار أفضل المسارات لتسليم الشحنات بسرعة وكفاءة، وتقديم تنبيهات سلامة تنبه السائق عندما يشعر بالتعب، وكذلك التحذير من المخاطر المحتملة على الطريق لتجنب الحوادث. بهذه الطريقة، تعزز هذه التقنية سلامة وإنتاجية السائقين بدلاً من أن تستبعدهم تماماً من المشهد.

  • الزراعة: يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متغيراً في طبيعة الوظائف في قطاع الزراعة؛ فمن جهة يدفع استخدام التقنيات الذكية، مثل الروبوتات والمركبات الزراعية الذاتية وأنظمة التحليل البياني، إلى أتمتة العديد من المهام اليدوية الروتينية مثل الزراعة والحصاد، ما يقلل الاعتماد على الأيدي العاملة التقليدية في الحقول. ومن جهة أخرى يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً لوظائف جديدة تتطلب مهارات تقنية متقدمة؛ فهناك طلب متزايد على مشغلي الطائرات المسيرة وفنيي الذكاء الاصطناعي ومحللي البيانات الزراعية ومستشاري الزراعة الدقيقة، ما يعيد تشكيل القوى العاملة بحيث تنتقل من الوظائف اليدوية إلى أدوار أكثر تقنية واستراتيجية.

ومن اللافت أن التحول نحو الزراعة الذكية والمستدامة قد يسهم في زيادة فرص العمل في قطاع الزراعة بدلاً من تقليصها؛ إذ توقع تقرير نشره المنتدى الاقتصادي العالمي العام الماضي ظهور 34 مليون وظيفة إضافية في القطاع الزراعي عالمياً بحلول نهاية العقد الحالي.

  • الإعلام وصناعة المحتوى: يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث تحول متسارع في الوظائف داخل قطاع الإعلام، مع توسع استخدامه في إنتاج الأخبار الأولية والتحرير الآلي والترجمة وتحليل البيانات. يسهم هذا الأمر في تغير طبيعة الأدوار التقليدية للعاملين في هذا المجال، حيث تشير تقارير صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن المؤسسات الإعلامية باتت تعتمد بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع إنتاج المحتوى وخفض التكاليف التشغيلية.

وعلى الرغم من تراجع الطلب على بعض المهام الروتينية في هذا القطاع، تزداد الحاجة إلى مهارات جديدة مرتبطة بالإشراف التحريري والتحقق من المخرجات وصياغة المحتوى التحليلي المتقدم. كما يخلص تحليل أجرته شركة ماكنزي إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف الإعلامية بالكامل بقدر ما يعيد تشكيلها، عبر نقل التركيز من الإنتاج اليدوي إلى الإبداع والتفسير واتخاذ القرار التحريري، ويفرض على العاملين في القطاع التكيف مع أدوات وتقنيات جديدة للحفاظ على تنافسيتهم المهنية.

اقرأ أيضاً: كيف حولتني أدوات ويندوز من مستخدم عادي إلى محترف في أثناء العمل من المنزل؟

إعادة تشكيل سوق العمل عبر تعزيز المهارات والتعلم المستمر

تكشف النماذج السابقة نمطاً متكرراً عبر قطاعات متعددة، فبينما تؤدي الأتمتة إلى تقليل الطلب على وظائف تقليدية ذات مهام روتينية، فإنها ترفع الطلب على وظائف أكثر تقدماً تتطلب مهارات تحليلية وتقنية أعلى. ومع هذا التحول الجوهري في طبيعة الوظائف، تبرز حاجة ملحة إلى تنمية المهارات والتعلم المستمر لضمان جاهزية القوى العاملة للعصر الجديد.

ولحسن الحظ، فإن نفس التقنيات التي تحدث هذا التغيير يمكن أن تصبح أدوات فعالة لإعادة تأهيل وتطوير الموظفين. على سبيل المثال، يمكن للمنصات التعليمية المعززة بالذكاء الاصطناعي تصميم برامج تدريب شخصية لكل فرد، بحيث تحدد بشكل ذكي المهارات التي يحتاج إلى تطويرها وتقدم له المحتوى والتدريبات المناسبة لمساره المهني.

تشير التوقعات العالمية، من جهة أخرى، إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي، رغم ما قد يسببه من إزاحة لبعض الوظائف التقليدية، سيولد في المحصلة فرص عمل جديدة تفوق ما يفقد. على سبيل المثال، يقدر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير "مستقبل الوظائف" لعام 2025 أن الذكاء الاصطناعي قد يتسبب في إلغاء نحو 92 مليون وظيفة على مستوى العالم، لكنه في الوقت ذاته سيخلق ما يقارب 170 مليون وظيفة جديدة خلال الفترة نفسها.

اقرأ أيضاً: مغالطة البواب: الوجه الإنساني المفقود في سباق الأتمتة

وإجمالاً، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة تحولية ستعيد رسم خارطة سوق العمل خلال السنوات القادمة، غير أن القراءة المتأنية لهذا التحول تتجاوز فكرة "استبدال البشر" لتؤكد إمكانات التكامل بين الإنسان والآلة. والمسار الحالي لا يشير إلى اندثار الوظيفة البشرية، بقدر ما يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة قوامها إعادة الابتكار وتحول الأدوار وارتفاع قيمة المهارات التي لا يمكن للتقنيات وحدها أن تحل محلها.

المحتوى محمي