هل يقدم الذكاء الاصطناعي نصائح مالية أفضل من مستشارك البشري؟

7 دقيقة
هل يقدم الذكاء الاصطناعي نصائح مالية أفضل من مستشارك البشري؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على إتاحة الاستشارات المالية المخصصة التي كانت حكراً على الأثرياء للجميع.

  • يتوقع الخبراء أن يصبح الذكاء الاصطناعي المصدر الرئيسي للمشورة بحلول عام 2028، نظراً لقدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات، وتشغيل سيناريوهات معقدة فورياً، وتقديم…

على مدى التاريخ، كانت الاستشارات المالية والمخصصة حكراً على من يستطيع تحمل تكاليف الرسوم المرتفعة المرتبطة بالخبراء الاستشاريين البشريين، أما اليوم فأصبح التقدم التكنولوجي يتيح للجميع الحصول على نصائح واستشارات مالية بكفاءة عالية وتكلفة أقل.

من المتوقع أن تصبح أدوات الاستثمار المدعومة بالذكاء الاصطناعي المصدر الرئيسي للمشورة المالية للمستثمرين الأفراد وفقاً لاستطلاع أجرته شركة أكسنتشر للأبحاث، مع توقعات بوصول استخدامها بحسب شركة ديلويت إلى نحو 78% بحلول عام 2028، وهو تحول ملحوظ عن الاتجاهات الحالية التي تعتمد بصورة أساسية على نصائح أفراد العائلة والأصدقاء ثم المستشارين البشريين.

تخيل هذا: في صباح أحد الأيام وبدلاً من الذهاب لمقابلة مستشار مالي بشري بعد تحديد موعد مسبقاً، تفتح هاتفك وتجري محادثة فورية مع إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي حول أهدافك التقاعدية. مباشرة تقدم لك استراتيجية استثمارية مخصصة، وتشرح لك الأسباب بلغة بسيطة وتعدل التوصيات بناءً على ظروف حياتك. لا رسوم مرتفعة ولا فترة انتظار طويلة.

هذا السيناريو لم يعد ضرباً من الخيال بل حقيقة واقعة، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي إعادة تشكيل مشهد الاستشارات المالية، والسؤال ليس ما إذا كان مستمراً أم لا، فهو موجود بالفعل. ولكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكنك الاعتماد على خوارزميات التعلم الآلي في اتخاذ القرارات التي تؤثر في أمنك المالي؟

ما الذي يجعل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على تقديم النصائح المالية؟

على عكس أدوات الاستشارات المالية التقليدية التي تتبع قواعد محددة مسبقاً، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي المدرب مسبقاً على كميات هائلة من البيانات المالية، وبيانات السوق، والوثائق التنظيمية، وتقارير الأرباح، وأبحاث الاستثمار، معالجة الاستفسارات المعقدة والتواصل بلغة طبيعية، تماماً كما يفعل المستشار البشري.

على سبيل المثال، يمكن تزويد مساعد الذكاء الاصطناعي التوليدي بسجل معاملاتك وحساباتك الاستثمارية، وبيانات السوق ثم الطلب منه نصائح متعلقة بالاستثمار، في هذه الحالة يمكنه تشغيل آلاف عمليات المحاكاة وسيناريوهات "ماذا لو" بشكل فوري تقريباً، وهو أمر لا يستطيع المستشارون البشريون فعله ببساطة.

يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تقديم إجابات مخصصة للغاية؛ فقد يصمم خطة ادخار فريدة، أو يشرح مخاطر تخصيص 30% من مدخراتك للأسهم بما يتناسب مع عمرك، أو يحاكي أداء مدخراتك التقاعدية في حال انهيار السوق وتقديم النتائج بلغة طبيعية.

والأهم من ذلك، قدرته على تكييف أسلوبه وطريقة شرحه مع كل فرد، إذ يمكنك ضبط إعداداته للتحدث ببساطة أو بلغة تقنية حسب فهمك. على سبيل المثال، يمكنك إعداده لشرح كيفية استعدادك للتقاعد بناءً على البيانات التي تقدمها له بلغة بسيطة إذا لم تكن لديك خلفية مالية كبيرة، أو استخدام لغة أكثر احترافية إذا كنت بارعاً في فهم المصطلحات المعقدة.

هذه الخصوصية في إخراج النتائج هي ميزة يجيدها الذكاء الاصطناعي التوليدي بطبيعته، إذ يمكنه المشاركة في حوار السياق وفهمه، وتعديل التوصيات بناءً على الفروق الدقيقة، أي أنه لا يتبع القواعد فحسب، بل يحلل وضعك منطقياً.

اقرأ أيضاً: 84% من المدفوعات في دول الخليج رقمية: كيف أصبحت البنوك التقليدية أمام منافسة جديدة غير متوقعة؟

هل يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يتفوق على المستشارين الماليين البشريين؟ 

لا يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر بشكل مطلق، ولكنه يتفوق في جوانب محددة أهمها:

  • السرعة: تعد استجابته الفورية في تقديم توصيات استثمارية بسرعة ميزة حقيقية، على عكس المستشار البشري الذي قد يحدد لك موعداً للأسبوع القادم، ويستغرق 30 دقيقة لفهم وضعك، ثم يقضي أياماً في البحث قبل تقديم النصيحة.
  • الحياد العاطفي: قد يتأثر المستشار البشري بأداء السوق الأخير أو قد يكون متفائلاً أو متشائماً بشكل مفرط تبعاً لحالته المزاجية وتجاربه الأخيرة. في المقابل، تطبق أنظمة الذكاء الاصطناعي منطقاً ثابتاً بغض النظر عن المؤثرات الخارجية، فإذا دعمت البيانات توصية ما فسيقدمها دون تردد أو شكوك عاطفية.
  • كفاءة التكلفة: عادة يتقاضى المستشارون البشريون ما بين 0.5% و1.5% من الأصول المدارة سنوياً، بالإضافة إلى رسوم المعاملات المحددة. وعلى مدى 30 عاماً قد تتجاوز هذه التكلفة مليون دولار لمحفظة استثمارية قيمتها مليون دولار، بعكس أدوات الاستشارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي يمكنها تقديم تحليلات مماثلة أو أفضل بتكلفة أقل بكثير.
  •  عمق تحليل البيانات: لا يستطيع المستشار البشري معالجة حجم المعلومات الهائل الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليله يدوياً في إطار زمني معقول، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي مراعاة وضعك المالي الشخصي، وظروف السوق، والاتجاهات الاقتصادية العالمية، وأساسيات الشركات، وتحليل المشاعر من الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، ومطابقة الأنماط التاريخية في آن واحد.

هل هذا يجعل نصائح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المالية أفضل؟

على الرغم من مزاياه فإنه يفتقر إلى العديد من الجوانب التي تتطلب لمسة إنسانية. علاوة على ذلك، فإن التخطيط المالي ليس مجرد أرقام في جداول البيانات، بل هو نقاش عاطفي حول أهداف الشخص في الحياة. وتتمثل أبرز أوجه القصور لدى الذكاء الاصطناعي التوليدي في المشورة المالية في:

التعاطف وبناء علاقات طويلة الأمد

النصائح المالية ليست منطقية بحتة. فعندما يسألك جدك البالغ من العمر 80 عاماً: "هل سينفد مالي قبل وفاتي؟"، فإن إجابتك هنا ليست مجرد نموذج احتمالي، بل هي محادثة تتطلب فهم مخاوفه وقيمه المتعلقة بالإرث ودعم العائلة، وعلاقته العاطفية بالمال. إذ يستطيع المستشار البشري الذي يعرفه منذ عقود أن يطمئنه ويعزز ثقته بطريقة تعالج مخاوفه الحقيقية بصدق وإنسانية تجعل الإجابة ذات مغزى.

الفهم السياقي المعقد

تعتمد النصائح المالية على السياق. فمعرفة أن شخصاً ما يكسب 100 ألف دولار سنوياً لا يفيد كثيراً دون معرفة مكان إقامته (تكاليف المعيشة تختلف اختلافاً كبيراً)، ووضعه العائلي (هل يعيل أطفالاً أم والدين مسنين؟)، وحالته الصحية (هل لديه أمراض مزمنة تستهلك دخله في العلاج؟) وظروفه الشخصية (هل يخطط لبدء مشروع تجاري أو الانتقال إلى مكان آخر أو التقاعد المبكر؟).

الحكم الأخلاقي والعاطفي

تخيل السيناريوهات التالية:

  • وصلك ميراث غير متوقع بقيمة 50 ألف دولار، هل تستثمره لتحقيق النمو أم تستخدمه لسداد قرضك العقاري الذي يمنحك راحة البال الحقيقية، ولكنه يحقق عوائد أقل على المدى الطويل؟
  • يطلب منك أحد أفراد عائلتك إقراضه مالاً بضمان عقاره، قد يجيب الذكاء الاصطناعي بالنفي، لكن علاقتك به وثيقة ولديك تاريخ مشرف بينكما، فهل تستمع للخوارزميات أم إلى ضميرك؟
  • يأتي عرض عمل بزيادة في الراتب بنسبة 30%، لكنه يتطلب الانتقال إلى مكان آخر، وستفقد شبكة دعمك، فما الذي يجب أن تعطيه الأولوية؟

يساعدك المستشارون البشريون عندما يكونون متقنين لعملهم على فهم هذه الأسئلة، إذ إنهم لا يتخذون القرارات نيابة عنك، لكنهم يطرحون الأسئلة الصحيحة ويساعدونك على توضيح قيمك، بعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي التي مهما بلغت من التطور فإنها غير مجهزة بشكل كافٍ لاتخاذ قرارات لا توجد لها إجابة رياضية صحيحة واحدة.

اقرأ أيضاً: ما بعد كوفيد-19: كيف يبدو مستقبل التكنولوجيا المالية؟

ما هو مدى موثوقية النصائح المالية التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم؟

تعد الهلوسة أحد أبرز المخاطر عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقديم المشورة المالية، حيث تولد معلومات تبدو منطقية ظاهرياً لكنها في الواقع مختلقة تماماً. على سبيل المثال، عند سؤاله عن سعر سهم تاريخي قد يقدم رقماً مختلقاً يناسب نمطاً منطقياً، لكنه لا يمت بصلة إلى بيانات السوق الفعلية.

إذ أظهرت الأبحاث التي قيمت موثوقية تشات جي بي تي 4 أو في الاستشهادات المالية معدلاً من التخمينات الخاطئة بنسبة 20%، بينما أظهر نموذج جيميناي أدفانسد مشكلات مماثلة. وعندما تتعلق هذه الأخطاء بالحقائق المالية، تكون العواقب غالباً وخيمة، إذ قد يتكبد العميل الذي يتخذ قرارات استثمارية بناءً على بيانات متخيلة خسائر فادحة.

علاوة على ذلك، إذا درب النظام بشكل أساسي على بيانات من الأسواق المتقدمة، فقد يكون أداؤه ضعيفاً في الأسواق الناشئة، وإذا ركزت بيانات التدريب على فئات الأصول التقليدية مثل الأسهم والسندات، فقد تكون النصائح المتعلقة بالعملات المشفرة، أو الأسهم الخاصة، أو الاستثمارات البديلة غير كافية.

بالإضافة إلى افتقارها لقابلية التفسير، وهو أمر بالغ الأهمية لثقة المستشار وفهم العميل، حيث ينبغي لك أن تفهم ليس فقط ما يوصي به بل لماذا يوصي به، والأكثر أهمية هو أن المشهد التنظيمي للذكاء الاصطناعي في الاستشارات المالية غير واضح، حيث إن المستشار المالي البشري يخضع لقوانين صارمة تلزمه بتقديم أفضل مصلحة للعميل، وهو مسؤول قانونياً عن الأخطاء.

في المقابل، تفتقر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى هذه المساءلة الواضحة حالياً، فإذا تسببت الخوارزمية في خسارة، يصبح السؤال: هل المسؤول هو المطور أم مزود البيانات أم العميل الذي استخدمه؟ وهو ما يمثل مخاطرة كبيرة في حالة الاعتماد عليها فقط للحصول على النصائح المالية.

اقرأ أيضاً: قوة التكنولوجيا: السر وراء صعود شركات التكنولوجيا المالية

إذا قدمت للأداة بياناتك المالية كلها فماذا يحدث لخصوصيتك؟

عند تزويد نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي بكامل تاريخك المالي ومعاملاتك وأهدافك، يصبح أمن وخصوصية هذه البيانات مسألة بالغة الأهمية. لذا ينبغي لك الانتباه إلى كيفية تخزينها للبيانات، ومن يمكنه الوصول إليها، وما هي سياسات الخصوصية المتبعة، خاصة وأن تسريب البيانات المالية قد تكون له عواقب وخيمة على الأمن الشخصي.

نصائح عملية: كيفية دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخطيطك المالي بفاعلية

إذا كنت تفكر في استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح مالية، فتعامل معها بحذر لا بتفاؤل مفرط ولا بشك تلقائي، واسأل نفسك هذه الأسئلة:

  • هل يشرح النظام منطقه بوضوح؟ هل يمكنك فهم سبب توصياته؟ إن لم يكن كذلك، فابحث عن خيارات أخرى.
  • هل تتوافق هذه التوصية مع قيمي وأولوياتي في الحياة؟ فإذا أوصى بشيء مثالي من الناحية الرياضية، ولكنه يثير لديك شعوراً بعدم الارتياح، فانتبه لهذا الشعور. قد يكون غير منطقي، أو قد يكون حكمة لم يستوعبها عقلك الواعي تماماً.
  • هل أفهم المخاطر؟ كل توصية مالية تنطوي على افتراضات ومخاطر هل وضحها بشكل صحيح؟ هل تفهمها؟
  • هل يمكنني التحقق من صحة المعلومات؟ بالنسبة للحقائق المحددة حول الشركات أو الأسواق أو اللوائح، هل يمكنك التحقق منها بشكل مستقل؟
  • ماذا يحدث إذا ساءت الأمور؟ إذا أدت توصية النظام إلى خسائر أو نتائج سيئة، فما هي سبل تدارك الأمر؟ ومن المسؤول؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الصين الرائدة في التكنولوجيا المالية؟ ولماذا يعجز الغرب عن اللحاق بها؟

لا تتجاهل المستشار المالي البشري: الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس كل شيء

يشهد قطاع الاستشارات المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً، وهو في مراحله الأولى وفي طريقه لإعادة تشكيل مشهد وطريقة تقديم النصائح المالية، حيث من المرجح أن تصبح الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي مصدرك الرئيسي للتوجيه الاستثماري سواء اخترتها صراحة أم لا.

ولكن هذا لا يعني اختفاء المستشارين الماليين البشريين، بل يعني أن دورهم سيتغير باستمرار، إذ سيكون أفضل مستشاري المستقبل البشريين هم الذين يفهمون كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة، مع الحفاظ على المهارات الإنسانية كالتعاطف والحكمة وبناء العلاقات، والمسؤولية التي لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها.

بالنسبة لك، يكمن التطبيق العملي في التالي: ثقف نفسك وافهم قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده وتعرف إلى نقاط قوته (السرعة، وتحليل البيانات، والاتساق، والتكلفة) ونقاط ضعفه (الافتقار إلى التفكير السياقي الحقيقي، وخطر الهلوسة، وغياب التعاطف الحقيقي)، واستخدمه فيما يجيده، بينما حافظ على علاقاتك الاستشارية مع المستشارين البشريين للحصول على حكمة بشرية.

إذ لا يعتمد أمنك المالي على الاختيار بين الذكاء الاصطناعي والمستشارين البشريين، بل على فهم كليهما واستخدام كل منهما بالشكل الأمثل، والمشاركة الواعية في القرارات المالية المهمة، ومن ثم بدلاً من طرح سؤال: "هل سيقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي نصائح مالية أفضل من البشر؟" ينبغي أن تسأل نفسك: "كيف يمكنني استخدام الذكاء الاصطناعي والمستشارين البشريين معاً للحصول على نصائح مالية أفضل؟"

المحتوى محمي