ماذا تكشف أسئلة القادة للذكاء الاصطناعي عن أسلوب قيادتهم؟

5 دقيقة
ماذا تكشف أسئلة القادة للذكاء الاصطناعي عن أسلوب قيادتهم؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً أساسياً في التفكير القيادي، وليس مجرد أداة تقنية، ما دفع القادة إلى التعامل معه بجدية فكرية عالية.

  • يلاحظ أن القادة يطرحون على أنظمة الذكاء الاصطناعي أسئلة أكثر عمقاً وتنظيماً مما يطرحونه على فرقهم البشرية.
  • يعود ذلك إلى الانضباط الذهني في صيا…

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي في كل مكان، حقيقة لا نملك مقاومتها أبداً، فهي تشبه حقيقة القول إن الماء مؤلف من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين. ومع هذا الانتشار الواسع يبرز سلوك لافت داخل غرف القيادة؛ فكثير من القادة يطرحون على أنظمة الذكاء الاصطناعي أسئلة أكثر عمقاً وتنظيماً ودقة مما يطرحونه على فرقهم البشرية. هذه الظاهرة لا تعكس فقط تحولاً تقنياً، بل تكشف عن تحول أعمق في طريقة التفكير القيادي وأنماط التواصل والثقافة التنظيمية.

فهل الذكاء الاصطناعي أذكى من الموظفين أم أن القادة يبذلون جهداً فكرياً أكبر عند مخاطبة الآلة مقارنة بتفاعلهم مع البشر؟ والأهم: ما الذي نخسره أو نكسبه نتيجة ذلك؟

في البداية وقبل الغوص في تفاصيل الموضوع، نطرح جميعنا أسئلة أكثر على أنظمة الذكاء الاصطناعي مما نطرح على الآخرين، لكن تبرز أهمية الأمر على مستوى القادة من باب أن لديهم فرقاً كاملة يجب أن تشاركهم اتخاذ القرارات.

اقرأ أيضاً: هل تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي على البشر في كشف الكذب؟

الذكاء الاصطناعي شريك جديد في التفكير القيادي

لا يقف استخدام الذكاء الاصطناعي عند كونه مجرد أداة تقنية لتحليل البيانات أو أتمتة المهام، بل تحول إلى شريك ذهني يساعد القادة على بلورة الأفكار واختبار السيناريوهات وصياغة الاستراتيجيات. في كثير من المؤسسات، أصبح الذكاء الاصطناعي هو "المستشار الصامت" الذي يستشار قبل الاجتماعات الكبرى أو قبل اتخاذ قرارات حساسة.

هذا التحول شجع القادة على التعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي بجدية عالية لأنها:

  •  سريعة الاستجابة ولا تستهلك وقتاً اجتماعياً، ونعني به الوقت الذي كان يصرف على التواصل الإنساني حتى لو بدوافع مهنية.
  • لا يجادل بدوافع شخصية، فأحياناً تحتل الدوافع الشخصية جانباً لا بأس به في سير عملية اتخاذ القرارات ودراستها.
  • لا يخشى السلطة ولا يحابيها: حسناً لنتوقف عند هذه النقطة، ففي مرحلة ما من حياتنا المهنية، لا بد وأننا أجبرنا أنفسنا على الضحك لنكتة سمجة ألقاها أحد المدراء من باب المجاملة فحسب، فما بالك بعملية اتخاذ القرارات أو تبريرها.
  • يقدم إجابات متسقة، حتى وإن كانت قابلة للنقاش، حيث تكون الإجابة متماسكة. قد تكون مختصرة، لكن باب الاستطراد فيها مفتوح لا يحده مكان ولا زمان.

مع نهاية التعدادات هذه سنصل إلى سؤال حتمي: إذا كان الذكاء الاصطناعي شريكاً قيادياً حقيقياً، فما هو المزعج في أن يسأل أو يستشار الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة في بروز مفارقة كبيرة، وهي أن هذا الاحترام الفكري الذي يمنحه القادة للآلة، لا يمنح دائماً للإنسان.

اقرأ أيضاً: ما أبرز الأساليب والاختبارات التي طوِّرت لتقييم ذكاء أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

لماذا تكون أسئلة القادة للذكاء الاصطناعي أفضل؟

حسناً، قد تبرر المزايا المذكورة أعلاه جودة أسئلة القادة المطروحة على الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى:

الانضباط الذهني في صياغة الأسئلة (Prompt Discipline)

عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، يتعلم القادة بسرعة أن جودة الإجابة تعتمد على جودة السؤال. لذلك:

  • يحددون السياق بدقة.
  • يوضحون الهدف من السؤال.
  • يذكرون القيود والمعايير.
  • يطلبون أنماطاً محددة من المخرجات (تحليل، ومقارنة، وسيناريوهات، ومخاطر).

أما عند التعامل مع الفرق، فكثيراً ما تطرح أسئلة عامة مثل:

  • ما هو رأيكم؟
  • هل نحن على المسار الصحيح؟
  • أين وصلنا؟

هذه الأسئلة لا تحفز التفكير، بل غالباً ما تنتج إجابات حذرة وسطحية أو دفاعية. وقد لا يدرك القادة انعدام جدواها أو قلة فائدتها سوى متأخرين، لذا نجد القائد يفكر بعمق مع الذكاء الاصطناعي، ويفكر بشكل اختزالي مع البشر.

2. غياب العبء العاطفي عند مخاطبة الآلة

الحوار مع البشر محمل بطبقات نفسية تتضمن:

  • الخوف من الإحراج.
  • القلق من فقدان الهيبة.
  • محاولة إدارة مشاعر الآخرين.
  • حساب ردود الفعل السياسية داخل المؤسسة وخارجها أحياناً.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو مساحة آمنة نفسياً، فهو:

  • لا يحكم.
  • لا يتأذى.
  • لا يتذكر الزلات.
  • لا يفسر السؤال على أنه ضعف.

لهذا السبب، يجرؤ القادة على طرح أسئلة أكثر صدقاً وجرأة على الذكاء الاصطناعي، مثل:

  • ما هو أسوأ سيناريو أو تبعات لهذا القرار؟
  • ما هي الافتراضات الخاطئة التي قد نغفل عنها وتمر في الخطة؟
  • ما الذي قد يؤدي بنا إلى الفشل عند اتباع هذه الخطة؟

هذه الأسئلة، على الرغم من منهجيتها القيادية، فهي من اختصاص صاحب القبعة السوداء الذي ذكره إدوارد دي بونو في قبعات التفكير الست، ومهمته التركيز على السلبيات المحتملة كلها، إلا أن القادة في كثير من الأحيان قد يحرجون من طرح هذه الأسئلة على الرغم من وعيهم بأهميتها، وقد يكون السبب عدم بث أي روح سلبية في الفريق. كما أن الفرق ذاتها قد تنظر إلى من يسأل هذه الأسئلة على أنه غراب الفريق.

3. ضغط الوقت وتبسيط التفاعل

الوقت هو العملة الأندر لدى القادة. ومع ازدحام الجداول، يصبح الذكاء الاصطناعي خياراً مغرياً لأنه:

  • يختصر ساعات من النقاش في دقائق.
  • لا يحتاج إلى اجتماعات.
  • لا يتطلب توافقاً جماعياً.

لكن هذا الاختصار يأتي بثمن: إضعاف دور الفريق كمصدر للتفكير، لا مجرد التنفيذ.

اقرأ أيضاً: 3 مخاطر حقيقية موثقة لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي

ماذا يحدث عندما يتراجع دور الأسئلة البشرية؟

لا يوجد حتى الآن شركة أوكلت قراراتها الإدارية بالمجمل إلى الذكاء الاصطناعي، وسيؤدي تكرار المدراء والقادة لجوئهم لطرح الأسئلة على الذكاء الاصطناعي بدلاً من فرقهم إلى:

تآكل الشعور بالمشاركة والملكية

عندما لا يُسأل الموظفون بعمق، سيتحولون من شركاء إلى أدوات تكتفي بتنفيذ التعليمات، وسيخفون أفكارهم غير التقليدية لعدم وجود بيئة تشجعهم على طرحها، كما سيفقدون الإحساس بالتأثير الحقيقي ليتحولوا إلى مجرد أدوات تؤدي عملها بشكل أتوماتيكي دون التمعن فيه.

كما سينعكس ذلك على الشركات بانخفاض الابتكار، وتراجع الولاء، وارتفاع الدوران الوظيفي.

تحول الفرق إلى أيد عاملة ذكية بدل أن تكون عقولاً مفكرة

الذكاء الاصطناعي قد يقدم تحليلات ممتازة، لكنه لا يعيش الواقع اليومي ولا يشعر بثقافة الفريق، ولا يلتقط الإشارات غير المعلنة، كما أنه لا يفهم التاريخ العاطفي للقرارات السابقة.

إقصاء البشر من الأسئلة العميقة يعني فقدان المعرفة الضمنية التي لا تكتب في التقارير.

اقرأ أيضاً: التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن للآلة أن تكون متحيزة؟

المفارقة الكبرى: الذكاء الاصطناعي يكشف عن ضعف القيادة الإنسانية

المفارقة اللافتة أن الذكاء الاصطناعي لا يفضح قصور الفرق بقدر ما يفضح قصور أسلوب القيادة، فعندما يقول قائد: "الذكاء الاصطناعي يعطيني أفكاراً أفضل من فريقي"، عليه أن يطرح على نفسه السؤال الحقيقي التالي: "هل أطرح على فريقي الأسئلة نفسها التي أطرحها على الذكاء الاصطناعي؟"

إذا كانت الإجابة لا، فعلى القائد أن يعيد التفكير بأسلوبه القيادي، وباستخدامه الذكاء الاصطناعي.

الميزة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي امتلاكها

على الرغم من تطوره، يظل الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن الفهم الأخلاقي العميق لطبيعة الأسئلة المطروحة وقراءة المشاعر الجماعية وتقدير التبعات الإنسانية للقرارات وبناء الثقة والانتماء. هذه المجالات هي جوهر القيادة الحقيقية، ولا يمكن تفعيلها دون أسئلة إنسانية ذكية مثل:

  • ما الذي يقلقكم حقاً في هذا القرار؟
  • ما الذي لا يقال في هذا النقاش أو تفكرون فيه ولا تطرحونه؟
  • كيف سيؤثر هذا فينا كفريق، لا فقط كمؤشرات أداء؟

كيف يوازن القائد الذكي بين الذكاء الاصطناعي والفرق؟

لا يختار القادة الأكثر نضجاً بين الإنسان والآلة، بل يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة التفكير، ويستخدمون الفرق البشرية لإثراء المعنى والسياق.

وكقائد عليك تبني ممارسات قيادة فعالة تتجلى بهذه الخطوات الأربع:

  1. اسأل فريقك كما تسأل الذكاء الاصطناعي بوضوح وعمق وسياق متكامل لعرض المسألة.
  2. أشرك الفريق في صياغة السؤال، لا فقط في الإجابة.
  3. شارك مخرجات الذكاء الاصطناعي مع الفريق للنقاش، لا للتنفيذ العملي الأعمى.
  4. كافئ التفكير النقدي، لا الامتثال الهادئ.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد القيادة تعريف أصولها في عصر الذكاء الاصطناعي؟

كما أن على القادة أن يدركوا أنه في المستقبل القريب لن يكون تميزهم القيادي قائماً على من يمتلك أفضل أدوات ذكاء اصطناعي، بل على من يطرح أفضل الأسئلة وعلى من يطرحها عليه. القائد الحقيقي هو من يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع أفقه، ويستخدم البشر لتعميق حكمته.

 

المحتوى محمي