تعد استقالات الموظفين نزيفاً مستمراً في الكفاءات يضع الشركات أمام تحديات كبيرة، وفي معظم الحالات، لا تكتشف الأسباب الحقيقية للاستقالة، ما يجعل الموظفين الجدد يواجهون البيئة نفسها التي دفعت غيرهم للاستقالة، هنا تبرز الحاجة إلى أدوات دقيقة تساعد الشركات على استباق قرار الاستقالة قبل حدوثه وفهم أسبابه. لذلك، طورت عدة نماذج ذكاء اصطناعي تتنبأ باحتمال استقالة الموظف، ما يمنح الشركات فرصة للتدخل في الوقت المناسب.
إن القدرة على التنبؤ بالاستقالات لا تعني فقط تقليل تكاليف التوظيف والاستبدال، بل تفتح المجال أمام تحسين رضا الموظفين ومعالجة الأسباب الجوهرية، سواء كانت مرتبطة بالأجور أو بيئة العمل أو فرص التطور الوظيفي. بهذه الطريقة، يتحول تحليل البيانات إلى أداة استراتيجية تمكن الشركات من الحفاظ على مواردها البشرية وقدرتها على النمو والازدهار.
اقرأ أيضاً: كيف يستفيد القادة من الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل؟
البيانات الضخمة يمكن أن تتنبأ باستقالة الموظف
في عام 2019، طور باحثان أميركيان هما بروكس هولتم من جامعة جورجتاون وديفيد ألين من جامعة تكساس كريستيان خوارزمية أطلقوا عليها اسم خوارزمية الإقلاع The Quitting Algorithm، وذلك بالاعتماد على تحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي. تهدف هذه الخوارزمية إلى رصد المؤشرات المبكرة لاحتمالية استقالة الموظف قبل أن يتخذ قراره فعلياً.
اعتمدت الخوارزمية على عاملين رئيسيين:
- أحداث مفاجئة تدفع الموظفين للتفكير في ترك الشركة، مثل تغييرات القيادة أو عمليات الاستحواذ أو المشكلات القانونية، وتقاس من خلال متابعة الأخبار المتعلقة بالشركة وحركة الأسهم والإجراءات القضائية.
- مدى ارتباط الموظف بمكان عمله استناداً إلى بيانات عامة مثل عدد الوظائف السابقة ومدة الخدمة والمهارات والتعليم والجنس والموقع الجغرافي.
عند اختبارها، أثبتت الخوارزمية دقتها، إذ أظهرت أن الموظفين المصنفين ضمن الفئة "الأكثر عرضة للمغادرة" كانوا بالفعل أكثر احتمالاً للاستقالة بنسبة 63%.
اليوم، لم تعد هذه الخوارزمية الوحيدة، فقد ظهرت العديد من الخوارزميات الأكثر تقدماً التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية. على سبيل المثال، طورت شركة آي بي إم IBM الأميركية نماذج تنبؤية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تتنبأ باستقالة الموظفين بدقة عالية. هذه النماذج متوفر على منصة آي بي إم واتسون IBM Watson وتستطيع تحليل بيانات ضخمة تشمل الأداء والمشاركة وسجل الموظف. ووفقاً للشركة، تمكنت هذه النماذج من تحقيق دقة تصل إلى 95% في توقع حالات استقالة موظفيها الذين يبلغ عددهم نحو 280 ألف موظف، ما ساعدها على تقليل تكاليف التوظيف بشكل كبير وتوفير ملايين الدولارات بفضل التدخل المبكر وتحسين بيئة العمل والاحتفاظ بالكفاءات.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في جودة اتخاذ القرارات؟
هل من الجيد التنبؤ باستقالة الموظفين؟
استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي للتنبؤ باستقالة الموظفين قد يبدو للبعض تجاوزاً لصلاحيات إدارة الموارد البشرية، لكنه يحمل في طياته فوائد ملموسة للشركات والموظفين على حد سواء. فمن الناحية الاقتصادية، تشير الدراسات إلى أن تكلفة استبدال موظف ذي مهارات عالية قد تصل إلى ضعف راتبه، نتيجة ما ينفق على الاستقطاب والاختيار والتدريب، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة مثل تراجع جودة الخدمة أو تعطل بعض العمليات. لذلك، فإن القدرة على التنبؤ بالاستقالات تمنح الشركات فرصة للتدخل مبكراً ومعالجة أسباب عدم الرضا قبل أن تتحول إلى قرار نهائي بالمغادرة.
بالنسبة للموظفين، يمكن أن يكون للتنبؤ أثر إيجابي أيضاً، إذ يساعدهم على تجنب التنقل بين وظائف لا تناسبهم أو لا توفر لهم الاستقرار المطلوب، ويتيح لهم بيئة عمل أكثر استجابة لاحتياجاتهم الحقيقية. لكن في المقابل، هناك مخاطر لا يمكن تجاهلها، مثل احتمال أن تستخدم هذه التنبؤات بشكل خاطئ لإقالة موظفين لمجرد أن البيانات أشارت إلى احتمال مغادرتهم، أو أن يؤدي نقص في البيانات أو خطأ في عمل الخوارزميات إلى قرارات غير عادلة.
كما يثير هذا النهج مخاوف تتعلق بالخصوصية، خاصة إذا استندت التنبؤات إلى بيانات شخصية منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي أو معلومات خارج سياق العمل، ما يفتح الباب أمام مشكلات أخلاقية وقانونية.
نستنتج مما سبق أن التنبؤ باستقالة الموظفين يعتبر أداة قوية إذا استخدمت بحكمة، فهو لا يغني عن الحوار المباشر وثقافة الاستماع داخل الشركة، بل يكملها. فالشركات التي تستثمر في فهم موظفيها وتحسين بيئة العمل ستجني فوائد حقيقية، لكن الاستخدام غير المسؤول لهذه الأدوات قد ينعكس سلباً على الثقة والعدالة في بيئة العمل.