لقد سيطرت الفكرة التي مفادها أن الآلات ستكون بذكاء البشر، أو أذكى منهم، على قطاع بأكمله. ولكن إذا نظرنا من كثب فسنجد أنها خرافة قائمة بفضل العديد من الأسباب ذاتها التي تجعل نظريات المؤامرة تستمر.
هل تشعر بذلك؟
سمعت أنها ستحقق هذا المستوى من الذكاء خلال مدة وجيزة، قد تكون سنتين، أو خمس سنوات، وربما العام القادم! وأسمع أنها ستغير كل شيء؛ ستعالج الأمراض، وتنقذ الكوكب، وتبشر بعصر الوفرة. ستحل أكبر مشاكلنا بطرق لا يمكننا تخيلها بعد. ستعيد تعريف معنى أن تكون إنساناً.
ولكن مهلاً، ماذا لو كان هذا كله أفضل من أن يكون حقيقة واقعة؟ لأنني سمعت أيضاً أنها ستجلب نهاية العالم وتقتلنا جميعاً.
في كلتا الحالتين، ومهما كان الجدول الزمني الخاص بك، ثمة خطب جلل على وشك الحدوث.
قد نكون نتحدث عن ظهور المخلص الذي تنتظره البشرية أو اليوم الذي يتخيل فيه أتباع حركة بوابة السماء أن طبقاً فضائياً طائراً سيلتقطهم ويتحولون إلى كائنات فضائية مستنيرة. أو اللحظة التي يقرر فيها دونالد ترامب أخيراً تحقيق ما وعد به كيو، الذي يعد أهم مروج لأتباع نظرية المؤامرة كيو أنون. لكن لا، نحن بالطبع نتحدث عن الذكاء الاصطناعي العام، تلك التكنولوجيا الافتراضية في المستقبل القريب التي (سمعت أنها) ستكون قادرة على فعل كل ما يمكن للعقل البشري فعله.
اقرأ أيضاً: أيّهما أخطر: الذكاء الاصطناعي العام أمْ إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي الحالي؟
أكثر من مجرد تكنولوجيا
بالنسبة للكثيرين، يعد الذكاء الاصطناعي العام أكثر من مجرد تكنولوجيا. ففي مراكز التكنولوجيا مثل وادي السيليكون، تتحدث عنه الأوساط بمصطلحات غامضة. يقال إن المؤسس المشارك وكبير العلماء السابق في شركة أوبن أيه آي، إيليا سوتسكيفر، قاد هتافات مثل "اشعروا بالذكاء الاصطناعي العام!" في اجتماعات الفريق. وهو يشعر بذلك أكثر من غيره: ففي عام 2024، ترك أوبن أيه آي، التي تتمثل مهمتها المعلنة في ضمان أن يعود الذكاء الاصطناعي العام بالنفع على البشرية جمعاء، ليشارك في تأسيس شركة سيف سوبر إنتليجنس، وهي شركة ناشئة مكرسة لاكتشاف كيفية تجنب ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العام المتمرد (أو السيطرة عليه عند ظهوره). الذكاء الفائق هو الصيحة الجديدة الرائجة، فهو ذكاء اصطناعي عام لكن بقدرات أفضل! وهي صيحة ظهرت مع شيوع الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام.
يجسد سوتسكيفر أيضاً الدوافع المتضاربة السائدة بين العديد ممن يسمون أنفسهم مبشرين بالذكاء الاصطناعي العام. فقد أمضى حياته المهنية في بناء أسس تكنولوجيا المستقبل التي يجدها الآن مرعبة. قال لي قبل بضعة أشهر من استقالته من أوبن أيه آي: "ستكون تكنولوجيا هائلة ومزلزلة، ستشكل تحولاً مفصلياً يجعل ما قبله ليس كما بعده". وعندما سألته عن سبب إعادة توجيه جهوده نحو كبح جماح تلك التكنولوجيا، قال: "أنا أفعل ذلك من أجل مصلحتي الشخصية. من الواضح أنه من المهم ألا يصبح أي ذكاء خارق يطوره أي شخص خارجاً عن السيطرة. هذا واضح".
وهو ليس الوحيد في تفكيره المتكلف، بل حتى المروع.
فلكل عصر مؤمنون، أناس لديهم إيمان لا يتزعزع بأن شيئاً ضخماً على وشك الحدوث، إذ إنهم محظوظون (أو محكوم عليهم) بأن يعيشوا مرحلة انتقالية.
بالنسبة لنا، هذا هو القدوم الموعود للذكاء الاصطناعي العام. تقول شانون فالور، التي تدرس أخلاقيات التكنولوجيا في جامعة إدنبرة، إن الناس معتادون على سماع أن هذا أو ذاك هو التطور الكبير المقبل. وتضيف: "جاء عصر الكمبيوتر في مرحلة ما، ثم عصر الإنترنت، والآن عصر الذكاء الاصطناعي. من الطبيعي أن يعرض عليك شيء ما ويقال لك إن هذا الشيء هو المستقبل. لكن ما هو مختلف، بالطبع، هو أنه على النقيض من أجهزة الكمبيوتر والإنترنت، فإن الذكاء الاصطناعي العام غير موجود".
لهذا السبب، فإن الشعور بالذكاء الاصطناعي العام مختلف عن دعم التطورات الكبرى المقبلة. ثمة شيء أغرب يحدث. إليك ما أعتقده: إن الذكاء الاصطناعي العام يشبه إلى حد كبير نظرية المؤامرة، وقد يكون الأهم في عصرنا الحالي.
اقرأ أيضاً: لماذا يمثّل النموذج «أو 3» إنجازاً مهماً في الطريق نحو الذكاء الاصطناعي العام؟
الذكاء الاصطناعي العام ونظريات المؤامرة
كنت أغطي موضوع الذكاء الاصطناعي فترة تزيد على عقد من الزمان، وقد شاهدت فكرة الذكاء الاصطناعي العام تتصاعد من الأعماق لتصبح الفكرة السائدة التي تشكل صناعة بأكملها. كان حلماً مستحيلاً في وقت من الأوقات وهو يعزز الآن أرباح بعض من أكثر شركات العالم قيمة، لذا يمكن القول أيضاً إنه يعزز سوق الأسهم الأميركية. يبرر هذا دفع المبالغ الطائلة لمحطات الطاقة ومراكز البيانات الجديدة التي قيل لنا إنها ضرورية لتحقيق هذا الحلم. إن شركات الذكاء الاصطناعي المتشبثة بهذه التكنولوجيا الافتراضية تروج لنا بشراسة.
استمع فقط إلى ما يقوله لنا رؤساء بعض هذه الشركات. سيكون الذكاء الاصطناعي العام بذكاء "دولة كاملة من العباقرة" (داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك)؛ وسيطلق "حقبة من الازدهار البشري الباهر، حيث نسافر إلى النجوم ونستعمر المجرات" (ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ديب مايند)؛ وسوف "يعزز الوفرة والازدهار إلى حد كبير"، بل يشجع الناس أيضاً على الاستمتاع بالحياة أكثر وإنجاب المزيد من الأطفال (سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه آي). يا له من منتج!
أو لا. لا تنس الجانب الآخر بالطبع. عندما لا يروج هؤلاء الأشخاص للمدينة الفاضلة، فإنهم ينقذوننا من الجحيم. في عام 2023، وضع كل من أمودي وهسابيس وألتمان أسماءهم على بيان مكون من 22 كلمة جاء فيه: "يجب أن يكون الحد من مخاطر الانقراض الناجمة عن الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية إلى جانب المخاطر المجتمعية الأخرى مثل الأوبئة والحرب النووية". يقول إيلون ماسك إن احتمالية إبادة الذكاء الاصطناعي للبشر تبلغ 20%.
تقول الباحثة الرئيسية في منظمة أيه آي إمباكتس، وهي منظمة تعنى باستطلاع آراء الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي حول هذا المجال، كاتيا غرايس: "لاحظت مؤخراً أن الذكاء الفائق، الذي كنت أظنه مفهوماً ينبغي أن تتجنب ذكره إن كنت تريد أن تؤخذ على محمل الجد في الأماكن العامة، يتداوله الرؤساء التنفيذيون لشركات التكنولوجيا الذين يخططون على ما يبدو لبنائه. أعتقد أن من السهل الشعور بأن هذا الأمر مقبول. يقولون أيضاً إنه سيقتلنا، لكنهم يضحكون وهم يقولون ذلك".
لا بد من أن تعترف أن الأمر كله يبدو أشبه بقبعة من الألومنيوم. إذا كنت تبني نظرية مؤامرة، فأنت في حاجة إلى بعض العناصر: مخطط مرن بما يكفي لتدعم معتقداتك حتى عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، والوعد بمستقبل أفضل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كشف المؤمنون عن الحقائق الخفية، والأمل في الخلاص من أهوال هذا العالم.
يلبي الذكاء الاصطناعي العام هذه المتطلبات كلها تقريباً. وكلما تعمقت في الفكرة التي تطرحها، بدا الأمر أشبه بمؤامرة. إنها ليست كذلك بالطبع، ليس تماماً. ولا أقصد بهذه المقارنة تجاهل النتائج الحقيقية والمذهلة في كثير من الأحيان التي حققها العديد من الذين يعملون في هذا المجال، بمن فيهم (أو بالأخص) المؤمنون بالذكاء الاصطناعي العام.
ولكن من خلال التركيز على الأشياء المشتركة بين الذكاء الاصطناعي العام والمؤامرات الحقيقية، أعتقد أنه يمكننا أن نركز على المفهوم بأكمله بصورة أفضل ونكشفه على حقيقته: فهو ليس سوى حلم محموم من أحلام اليوتوبيا التكنولوجية (أو الديستوبيا التكنولوجية، اختر ما شئت) تشبث ببعض المعتقدات المتأصلة بعمق، ما جعل التخلص منه أمراً صعباً.
هذه ليست مجرد تجربة فكرية استفزازية. من المهم أن نتساءل عما يقال لنا عن الذكاء الاصطناعي العام، لأن تصديق هذه الفكرة ليس بالأمر الهين. في الوقت الحالي، يعد الذكاء الاصطناعي العام أهم سردية في مجال التكنولوجيا، وإلى حد ما، في الاقتصاد العالمي. لا يمكننا أن نفهم ما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي دون أن نفهم من أين أتت فكرة الذكاء الاصطناعي العام، ولماذا هي مقنعة للغاية، وكيف تشكل الطريقة التي نفكر بها في التكنولوجيا عموماً.
أتفهم تماماً أن وصف الذكاء الاصطناعي العام بالمؤامرة ليس تشبيهاً مثالياً، كما أنه سيغضب الكثير من الناس. ولكن تعالوا معي في هذه الرحلة الشائكة لأريكم الحقيقة.
اقرأ أيضاً: هل سنصل إلى الذكاء الاصطناعي العام الذي سيتجاوز قدرات البشر خلال 5 سنوات؟
كيف استحوذت فكرة الذكاء الاصطناعي العام على وادي السيليكون؟
كان لها وقع خاص
عادة ما تبدأ نظريات المؤامرة التقليدية على الهامش. ربما مجرد بضعة أشخاص ينشرون على منتدى رسائل، يجمعون "الأدلة". ربما يكونون بضعة أشخاص في الصحراء مع مناظيرهم في انتظار رصد بعض الأضواء الساطعة في السماء. لكن بعض نظريات المؤامرة يحالفها الحظ إذا صح التعبير؛ فهي تبدأ بالانتشار على نطاق أوسع، وتبدأ باكتساب قبول أكبر، وتبدأ بالتأثير في أصحاب السلطة. ربما تناقش الأجسام الطائرة المجهولة (المعذرة: "ظواهر جوية مجهولة الهوية") التي تجري مناقشتها الآن رسمياً وعلنياً في جلسات الاستماع الحكومية. ربما هي شكوك تحيط باللقاحات (نعم، مثال أخطر بكثير) التي أصبحت سياسة رسمية. ومن المستحيل تجاهل أن الذكاء الاصطناعي العام قد اتبع مساراً مشابهاً إلى حد كبير لنظريات المؤامرة الأخرى الأكثر صراحة.
لنعد إلى عام 2007، عندما لم يكن الذكاء الاصطناعي جذاباً ولا رائعاً. كانت شركات مثل أمازون ونتفليكس (التي كانت لا تزال ترسل أقراص الفيديو الرقمية بالبريد) تستخدم نماذج التعلم الآلي، وهي نماذج أولية بالنسبة لعمالقة النماذج اللغوية الكبيرة اليوم، لترشيح الأفلام والكتب للعملاء. ولكن كان هذا كل شيء تقريباً.
كان لدى الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، بن غورتزل، خطط أكبر بكثير. قبل نحو عقد من الزمان، أسس غورتزل شركة ناشئة على الإنترنت تدعى ويب مايند لتدريب ما كان يعتقد أنه نوع من دماغ الطفل الرقمي على الإنترنت في بداياته. وسرعان ما أفلست شركة ويب مايند من دون أن يكون لديها "أطفال".
لكن غورتزل كان شخصية مؤثرة في مجتمع هامشي من الباحثين الذين حلموا سنوات ببناء ذكاء اصطناعي شبيه بالذكاء البشري، وهو برنامج حاسوبي متعدد الأغراض قادر على إنجاز العديد من المهام التي يمكن للبشر إنجازها (بل يتفوق فيها على البشر). لقد كانت رؤية تتجاوز بكثير ذلك النوع من التكنولوجيا التي كانت نتفليكس تختبرها.
أراد غورتزل إصدار كتاب يروج لتلك الرؤية، وكان في حاجة إلى اسم يميزه عن الذكاء الاصطناعي الممل في ذلك الوقت. اقترح موظف سابق في ويب مايند يدعى شين ليغ اسم "الذكاء الاصطناعي العام". كان له وقعه في ذلك الحين.
اقرأ أيضاً: ما حقيقة الضجيج الإعلامي حول اقتراب أوبن إيه آي من تطوير الذكاء الاصطناعي العام؟
وبعد بضع سنوات، شارك ليغ في تأسيس شركة ديب مايند مع ديميس هاسابيس ومصطفى سليمان. ولكن بالنسبة لمعظم الباحثين الجادين في ذلك الوقت، كان الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي سيحاكي القدرات البشرية في يوم من الأيام مجرد مزحة. وقد أخبرني سوتسكيفر أن الذكاء الاصطناعي العام كان مصطلحاً مسيئاً. أخبرني مؤسس جوجل براين وكبير العلماء السابق في شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة بايدو، أندرو نغ، أنه كان يعتقد أنها كلمة مجنونة.
فماذا حدث إذاً؟ التقيت بغورتزل الشهر الماضي لأسأله: كيف تحولت فكرة هامشية من فكرة غريبة إلى فكرة شائعة؟ أجاب غورتزل: "أنا رجل متخصص في الأنظمة الفوضوية المعقدة، لذا لدي تقدير ضعيف بأنني أعرف بالفعل ماهية الدينامية غير الخطية في عالم المذكرات. (الترجمة: الأمر معقد).
يعتقد غورتزل أن بعض العوامل أسهمت في انتشار الفكرة. أولها هو مؤتمر الذكاء الاصطناعي العام، وهو اجتماع سنوي للباحثين ساعد على تأسيسه في عام 2008، أي بعد عام من نشر كتابه. وكان المؤتمر ينسق غالباً مع أبرز الملتقيات الأكاديمية السائدة، مثل مؤتمر جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي والمؤتمر الدولي المشترك للذكاء الاصطناعي. يقول غورتزل: "لو أنني نشرت كتاباً يحمل اسم ’الذكاء الاصطناعي العام‘، لربما مر دون أن يترك أثراً. لكن المؤتمر كان يعاود الانعقاد كل عام، مع تزايد عدد الطلاب الذين يأتون إليه".
العامل التالي هو ليغ، الذي نقل المصطلح معه إلى شركة ديب مايند. يقول غورتزل: "أعتقد أنهم كانوا أول كيان مؤسسي رئيسي يتحدث عن الذكاء الاصطناعي العام. لم يكن هذا هو الموضوع الرئيسي الذي كانوا يركزون عليه، لكن شين وديميس كانا يتحدثان عنه بين الحين والآخر. كان ذلك بلا شك مصدراً لإضفاء الشرعية".
عندما تحدثت إلى ليغ أول مرة عن الذكاء الاصطناعي العام قبل خمس سنوات، قال: "كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام في أوائل القرن الحادي والعشرين يضعك في خانة المهووسين. حتى عندما أطلقنا ديب مايند في عام 2010، تلقينا قدراً مذهلاً من التهكم في المؤتمرات". لكن بحلول عام 2020 تغير الوضع. قال لي: "لا يزال بعض الناس غير مرتاحين له، لكنه بدأ يخرج من عزلته".
العامل الثالث الذي يشير إليه غورتزل هو التداخل بين المبشرين الأوائل للذكاء الاصطناعي العام ووسطاء التكنولوجيا الكبار. في السنوات الفاصلة بين إغلاق ويب مايند ونشر كتاب الذكاء الاصطناعي العام، عمل غورتزل مع بيتر ثيل في صندوق التحوط "كلاريوم كابيتال" الذي يملكه ثيل. يقول غورتزل: "لقد تحدثنا كثيراً". ويتذكر قضاء يوم مع ثيل في فندق فور سيزونز بمدينة سان فرانسيسكو. يقول غورتزل: "كنت أحاول إقناعه بأهمية الذكاء الاصطناعي العام. لكنه كان يسمع أيضاً من إليعازر كيف أن الذكاء الاصطناعي العام سيقضي على الجميع".
اقرأ أيضاً: متاهة المصطلحات: الذكاء الاصطناعي التوليدي والعام والفائق تحت المجهر
ماذا عن المتشائمين؟
إليعازر هذا هو إليعازر يودكوفسكي، وهو شخصية مؤثرة أخرى، بذل جهوداً لا تقل عن جهود غورتزل، إن لم تكن أكثر، في الترويج لفكرة الذكاء الاصطناعي العام. ولكن على عكس غورتزل، يعتقد يودكوفسكي أن ثمة احتمالاً كبيراً جداً -99.5% هو أحد الأرقام التي يطرحها- بأن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي العام كارثياً.
في عام 2000، شارك يودكوفسكي في تأسيس مؤسسة بحثية غير ربحية تدعى "معهد التفرد للذكاء الاصطناعي" (سمي لاحقاً بمعهد أبحاث الذكاء الآلي)، والذي سرعان ما كرس جهوده لمنع السيناريوهات الكارثية، وكان ثيل من أوائل المتبرعين.
في البداية، لم تلق أفكار يودكوفسكي الكثير من الاهتمام. تذكروا أنه في ذلك الوقت كانت فكرة وجود ذكاء اصطناعي قوي للغاية -فضلاً عن أنه خطير- محض خيال علمي. ولكن في عام 2014، نشر الفيلسوف في جامعة أكسفورد، نيك بوستروم، كتاباً بعنوان "الذكاء الخارق".
يقول غورتزل: "لقد طرح مسألة الذكاء الاصطناعي الخارق. أعني أن بيل غيتس وإيلون ماسك -والكثير من خبراء الذكاء الاصطناعي في صناعة التكنولوجيا- قرؤوا هذا الكتاب، وسواء اتفقوا مع وجهة نظره المتشائمة أم لا، فقد أخذ نيك مفاهيم إليعازر ولخصها بطريقة مقبولة للغاية".
يضيف غورتزل: "كل هذه الأمور منحت الذكاء الاصطناعي العام طابع القبول. بدلاً من أن يكون مجرد هراء يتفوه به مجموعة من المتمردين في مجال التكنولوجيا".
لا يزال يودكوفسكي يردد الزعم نفسه منذ 25 عاماً؛ فقد نشأ العديد من المهندسين في أكبر شركات الذكاء الاصطناعي اليوم وهم يقرؤون آراءه عبر الإنترنت ويناقشونها، خاصة على موقع "ليس رونغ" (LessWrong)، وهو مركز شهير لمجتمع العقلانيين المتحمسين في صناعة التكنولوجيا ومحبي الإيثار الفعالين.
اقرأ أيضاً: هل أصبحنا قريبين حقاً من تطوير الذكاء الاصطناعي العام؟ وماذا ستجني البشرية منه؟
واليوم، أصبحت هذه الآراء أكثر شيوعاً من أي وقت مضى، حيث استحوذت على خيال جيل شاب من المتشائمين مثل الباحث في جامعة مونتريال، ديفيد كروغر، الذي شغل سابقاً منصب مدير الأبحاث في معهد أمن الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة. يقول لي كروغر: "أعتقد أننا نسير على الطريق الصحيح لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي خارقة ستقضي على الجميع. وأعتقد أن هذا أمر مروع وعلينا أن نتوقف فوراً".
يحظي يودكوفسكي بتغطية صحفية من أمثال نيويورك تايمز، التي وصفته بأنه "نسخة وادي السيليكون من واعظ يوم القيامة". وكتابه الجديد بعنوان "إذا طوره أحد، سيموت الجميع" (If Anyone Builds It, Everyone Dies)، الذي ألفه بالاشتراك مع رئيس معهد أبحاث الذكاء الآلي، نيت سواريس، يطرح ادعاءات جامحة، دون أدلة كافية، مفادها أنه ما لم نوقف تطوير الذكاء الاصطناعي العام، فسيؤدي في المستقبل القريب إلى كارثة عالمية. يتخذ هذا الثنائي موقفاً متطرفاً: إذ يجادلان بضرورة فرض حظر دولي مهما كلف الأمر، حتى لو وصل الأمر إلى حد الرد النووي. يقول يودكوفسكي وسواريس إنه في نهاية المطاف، "يمكن لمراكز البيانات أن تقتل عدداً أكبر من البشر مقارنة بالأسلحة النووية".
لم يعد هذا النوع من الكتب محصوراً بفئة معينة. فقد أصبح الكتاب من أكثر الكتب مبيعاً في صحيفة نيويورك تايمز، ويحظى بتأييد خبراء في الأمن القومي، مثل المسؤولة السابقة في وزارة الأمن الداخلي الأميركية، سوزان سبولدينغ، والمديرة السابقة لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، فيونا هيل، التي تعمل الآن مستشارة لدى الحكومة البريطانية، وعلماء مشهورين مثل ماكس تيغمارك وجورج تشيرش، وأسماء أخرى مألوفة، بما في ذلك ستيفن فراي ومارك روفالو وغرايمز. أصبح لدى يودكوفسكي الآن صوت عال.
ومع ذلك، قد تكون تلك الكلمات الهادئة المبكرة في آذان بعض الأشخاص هي الأكثر تأثيراً. يعود الفضل إلى يودكوفسكي في تعريف ثيل بمؤسسي شركة ديب مايند، وبعد ذلك أصبح ثيل من أوائل المستثمرين الكبار في الشركة. وبعد اندماج ديب مايند مع جوجل، أصبحت الآن مختبر الذكاء الاصطناعي الداخلي لشركة التكنولوجيا العملاقة، ألفابيت.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تحقيق المصلحة العامة؟
إلى جانب ماسك، كان لثيل أيضاً دور فعال في تأسيس شركة أوبن أيه آي في عام 2015، حيث استثمر الملايين في شركة ناشئة تأسست على طموح واحد هو بناء الذكاء الاصطناعي العام وجعله آمناً. في عام 2023، نشر سام ألتمان على منصة إكس قائلاً: "لقد فعل إليعازر في رأيي الكثير لتسريع الذكاء الاصطناعي العام أكثر من أي شخص آخر. لقد جعل الكثيرين منا مهتمين بالذكاء الاصطناعي العام بالتأكيد". وأضاف ألتمان أن يودكوفسكي قد يستحق جائزة نوبل للسلام يوماً ما لقاء ذلك. ولكن بحلول هذه المرحلة، يبدو أن ثيل قد أصبح حذراً من "الأشخاص المسؤولين عن سلامة الذكاء الاصطناعي" والقوة التي يكتسبونها. ويقال إنه قال لألتمان في حفل عشاء أقيم في أواخر عام 2023: "أنت لا تفهم كيف تمكن إليعازر من برمجة نصف الأشخاص في شركتك ليؤمنوا بهذه الأشياء. عليك أن تأخذ هذا الأمر على محمل الجد". ووفقاً لمراسل صحيفة وول ستريت جورنال، كيتش هاجي، فإن ألتمان "حاول ألا يظهر ازدراءه تجاه ما سمع".
أصبحت أوبن أيه آي الآن الشركة الخاصة الأكثر قيمة في العالم، حيث تبلغ قيمتها نصف تريليون دولار.
وقد اكتمل التحول: فكما هي الحال مع أقوى نظريات المؤامرات، تسلل الذكاء الاصطناعي العام إلى التيار السائد وترسخ فيه.