كنت أفكر في أمر أشار إليه كبير محرري الذكاء الاصطناعي لدينا، ويل هيفن، قبل فترة وجيزة: يبدو أن الجهات الفاعلة الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي تتحرك كلها في الاتجاهات نفسها وتتقارب كلها نحو الأهداف نفسها؛ المنظومات الوكيلة (Agents)، والبحث العميق (Deep research)، وإصدارات النماذج المنخفضة التكلفة والتي تتطلب موارد محدودة، وما إلى ذلك.
يبدو جزء من هذه الاتجاهات منطقياً من حيث أن هذه الجهات الفاعلة ترى أشياء متشابهة وتحاول إيجاد الحلول لمشاكل متشابهة. لكن عندما تحدثت إلى ويل حول هذا الأمر، قال: "يبدو الأمر وكأنه ينطوي على افتقار للإبداع، أليس كذلك؟" أجل، إنه كذلك.
سباق يفتقر إلى الإبداع
ما دفعني للتفكير في هذا الأمر مجدداً، هو إعلانان من شركة جوجل خلال النصف الأول من شهر مارس/آذار، وكلاهما يتعلقان بطرق تقارب البحث مع نماذج لغة الذكاء الاصطناعي، وهو أمر قضيت الكثير من الوقت في إعداد التقارير عنه خلال العام الماضي. استهدفت جوجل هذا التقاطع بصورة مباشرة من خلال إضافة ميزات ذكاء اصطناعي جديدة مستمدة من نموذجها جيميناي (Gemini) إلى خدمة البحث، وأيضاً من خلال إضافة ميزات البحث إلى جيميناي. عندما استخدمت كلاً منهما، ما أدهشني أكثر من مدى جودة أدائهما هو أنهما على وشك الاقتراب من إمكانات تشات جي بي تي من شركة أوبن أيه آي. وظهورهما المتأخر في مارس/آذار من عام 2025 لا يبدو مؤشراً جيداً بالنسبة إلى جوجل.
اقرأ أيضاً: كيف يُمكن للبحث باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يُفسد عملية البحث؟
لنأخذ وضع الذكاء الاصطناعي (AI Mode) على سبيل المثال، الذي أعلنت عنه جوجل في 5 مارس/آذار. إنه رائع بلا شك، ويعمل بكفاءة عالية، لكنه أشبه باتباع النهج الذي اتبعته أوبن أيه آي من قبل إلى حد كبير. (تذكر أيضاً ألا يختلط عليك الاسم، فقد كان لدى جوجل من قبل ميزة متاحة ضمن عملية البحث تسمى "أيه آي أوفرفيوز" [AI Overviews]، لكن وضع الذكاء الاصطناعي مختلف وأعمق). كما أوضحت الشركة في منشور على مدونتها: "يوسع وضع البحث الجديد هذا نطاق قدرات الميزة أيه آي أوفرفيوز من خلال إتاحة مستوى متقدم من قدرات الاستدلال والتفكير والتفاعل المتعدد الوسائط، ما يمكّنك من الحصول على المساعدة حتى في أصعب الأسئلة التي تطرحها".
سيتعمق الذكاء الاصطناعي في البحث ويقدم إجابات أدق وأكثر متانة، بدلاً من تقديم لمحة عامة موجزة مع روابط تشعبية. يمكنك أيضاً طرح أسئلة المتابعة، وهو أمر لا تدعمه ميزة أيه آي أوفرفيوز. يبدو الأمر وكأنه تطور طبيعي تماماً، لدرجة أن من الغريب عدم توفره على نطاق واسع. في الوقت الحالي، يقتصر الأمر على الأشخاص الذين لديهم حسابات مدفوعة، وحتى في هذه الحالة، فإنه متاح فقط عبر صندوق الاختبارات (sandbox) التجريبي لخدمة مختبرات البحث (Search Labs). ولكن الأهم من ذلك، لماذا لم تكن هذه الميزة متاحة في الصيف الماضي مثلاً؟
لماذا تتأخر جوجل عن أوبن أيه آي؟
التغيير الثاني هو أن جوجل أضافت سجل البحث إلى بوت الدردشة جيميناي، وتعد بتوفير المزيد من التخصيص في المستقبل. في هذا الصدد، تقول جوجل إن "التخصيص يتيح لجيميناي الاتصال بتطبيقات جوجل وخدماتها الخاصة بك، بدءاً من خدمة البحث، لتقديم إجابات غنية بالمعلومات المعمقة على نحو فريد وتلبي احتياجاتك مباشرةً".
يبدو أن الكثير مما تفعله هاتان الميزتان الجديدتان، وخاصةً قدرة وضع الذكاء الاصطناعي على طرح أسئلة المتابعة والتعمق في البحث، يضاهي الميزات التي يقدمها تشات جي بي تي منذ شهور. إضافة إلى أن هناك من قارن هاتين الميزتين أيضاً بالميزات التي طرحتها الشركة الناشئة في مجال محركات البحث القائمة على الذكاء الاصطناعي بيربليكسيتي (Perplexity).
لكن، لا يبدو أي من الميزتين جديداً أو مبتكراً. فتشات جي بي تي يعمل منذ فترة طويلة على بناء سجلات مخصصة للمستخدمين واستخدام المعلومات المتوفرة لديه لتقديم النتائج. ومع أن جيميناي يستطيع أيضاً أن يتذكر بعض المعلومات المتعلقة بك، فإنني مندهش بعض الشيء من أن جوجل استغرقت كل هذا الوقت الطويل للحصول على معلومات من منتجاتها الأخرى. من الواضح أن ثمة مخاوف تتعلق بالخصوصية في هذا المجال، ولكننا نتحدث هنا عن منتج اختياري.
الأمر الآخر هو أن تشات جي بي تي، كما وجدت حتى الآن على الأقل، أفضل من جيميناي في هذه الجوانب. إليك مثالاً صغيراً: حاولت أن أسأل كليهما: "ماذا تعرف عني؟ أجابني تشات جي بي تي بلمحة تعريفية عامة غنية بالمعلومات حقاً، بل ومدروسة، بناءً على تفاعلاتي معه. هذه المعلومات لا تقتصر فقط على الأشياء التي طلبت منه صراحةً أن يتذكرها عني، فالكثير منها مستمد من سياق الأوامر المختلفة التي قدمتها له. لقد اكتشف نوع الموسيقى التي أحبها، ويعرف بعض التفاصيل القليلة عن ذوقي في الأفلام. ("أنت لست من عشاق أفلام الرعب عموماً") وبعضها يبعث على السرور على نحو غريب؛ على سبيل المثال: "لقد بنيت سقيفة صغيرة لصناديق القمامة بسقف خشبي مزود بالمفاصل وكنت في حاجة إلى حل لإبقائها مفتوحة".
اقرأ أيضاً: تحذير: لا تشارك هذه المعلومات مع تشات جي بي تي
أما خدمة جوجل، فعلى الرغم من امتلاكها حرفياً سجلاً تاريخياً يعود إلى عقود من الزمن عن بريدي الإلكتروني وعمليات البحث والتصفح التي أجريتها، ونسخة من كل صورة رقمية التقطتها في حياتي، ومعلومات مرعبة عن أعماق شخصيتي الحقيقية أكثر مما أعرف أنا شخصياً، فإنها غالباً ما تقدم لمحة تعريفية عامة من النوع الذي ترغب فيه الشركات الإعلانية، خلافاً لما ينتظره شخص يأمل في الحصول على نتائج مخصصة ومفيدة. ("أنت تستمتع بالكوميديا والموسيقى والبودكاست وتهتم بكل من وسائل الإعلام الحديثة والكلاسيكية")
هل تقولين إنني أستمتع بالموسيقى؟ يا للروعة!
أتذكر أيضاً شيئاً قاله لي أحد المسؤولين التنفيذيين في أوبن أيه آي في أواخر العام الماضي، بينما كانت الشركة تستعد لطرح ميزة البحث: إن أوبن أيه آي تتمتع بحرية أكبر في الابتكار، ومردّ ذلك على وجه التحديد هو أنها لا تمتلك الإرث الهائل من المشاريع التجارية التي تمتلكها جوجل. صحيح أن أوبن أيه آي تبذر الأموال بينما تجني جوجل الأرباح، لكنها (أي أوبن أيه آي) تتمتع برفاهية القدرة على التجربة (على الأقل حتى نفاد رأس المال) دون أن تقلق بشأن القضاء على منتج بمثابة بقرة حلوب مثلما هي حال جوجل مع خدمة البحث التقليدية.
ما زالت جوجل قادرة على المنافسة!
وبالطبع، من الواضح أن جوجل وشركتها الأم ألفابت (Alphabet) قادرتان على الابتكار في العديد من المجالات، انظر إلى إعلان شركة جوجل ديب مايند (Google DeepMind) عن النموذج "جيميناي روبوتيكس" (Gemini Robotics) مؤخراً، على سبيل المثال. أو ركوب سيارة "وايمو" (Waymo) ذاتية القيادة! ولكن هل يمكن لجوجل فعل ذلك فيما يتعلق بمنتجاتها وأعمالها الأساسية؟ إنها ليست شركة التكنولوجيا العريقة الوحيدة التي تعاني هذه المشكلة. فقد اعتمدت استراتيجية مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي حتى الآن إلى حد كبير على شراكتها مع أوبن أيه آي. وفي الوقت نفسه، يبدو أن شركة آبل فاقدة للبوصلة تماماً، كما يوضح هذا النقد اللاذع من أحد الخبراء المخضرمين في الشركة.
لدى جوجل مليارات المستخدمين وأموال طائلة، ويمكنها الاستفادة من أساساتها الحالية بطرق غير متاحة لكل من أوبن أيه آي أو أنثروبيك (Anthropic) -التي تمتلك جوجل أيضاً جزءاً كبيراً منها- أو بيربليكسيتي. ولكنني مقتنع تماماً أيضاً أنها ما لم تتمكن من ريادة السوق في هذا المجال، بدلاً من أن تكون تابعة، فإن ذلك ينذر بأيام عصيبة مقبلة. لكن مهلاً، فالمنظومة الوكيلة المتعددة الوسائط أسترا قادمة. لنتابع ما سيحدث.