هل ستحل الروبوتات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي محل الأطباء في المستقبل؟

4 دقيقة
هل ستحل الروبوتات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي محل الأطباء في المستقبل؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

في غضون 10 دقائق فقط، تمكن الحاسوب العملاق آي بي إم واتسون (IBM Watson) الذي طوّرته شركة آي بي إم (IBM) الأميركية من تحديد العلاج المناسب لورم سرطاني، يعتبر ذلك إنجازاً يبرز القوة الهائلة للذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الطبية. ورغم أنه لا يزال في مرحلة التطوير، فإن النتيجة لا تدع مجالاً للشك، فعندما يتعلق الأمر بمعالجة كميات هائلة من البيانات، يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر.

نتيجة لذلك، يواجه الأطباء اليوم تحديات غير مسبوقة، حيث تتزايد مخاوفهم من الدور المتنامي للتكنولوجيا في الرعاية الصحية. حيث يجد العديد منهم أنفسهم أمام سؤال جوهري: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي والروبوتات يوماً ما محلهم؟

اقرأ أيضاً: تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وتشخيص الأمراض

الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي والروبوتات في الرعاية الصحية

يؤدي الذكاء الاصطناعي والروبوتات دوراً متزايداً في تعزيز جودة الرعاية الصحية وتطويرها. تتجلى هذه الأدوار في عدة مجالات، أبرزها:

  • التشخيص الطبي: يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية مثل الأشعة السينية والرنين المغناطيسي للكشف المبكر عن الأمراض. على سبيل المثال، طوّرت مؤسسة مايو كلينك (Mayo Clinic) الأميركية خوارزمية قادرة على تحليل أكثر من 60 ألف صورة أشعة للكشف عن علامات ما قبل السرطان، أثبتت هذه الخوارزمية دقتها بنسبة 91%، متفوقة على الأطباء البشر الذين يحققون دقة تبلغ 69%، كما بيّنت دراسة أن نموذج الذكاء الاصطناعي أو 1-بريفيو (o1-preview) من شركة أوبن أيه آي تفوق على الأطباء في تشخيص الحالات الطبية المعقدة، وحقق دقة تصل إلى 88.6%.
  • الجراحة الروبوتية: أصبحت الروبوتات الجراحية، مثل نظام دافنشي (da Vinci)، أدوات حيوية في غرف العمليات، حيث توفّر دقة عالية وتحكماً أفضل، وتقلل مضاعفات العمليات وتسرّع من تعافي المرضى.
  • المساعِدات الافتراضية: طُوِّرت مساعِدات افتراضية مثل ميدي (Medi)، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لقراءة وصفات الأدوية وفهمها، وتقديم إجابات فورية للمستخدمين عبر تطبيقات مثل واتساب، ما يسهّل على المرضى فهم تعليمات الأدوية والالتزام بها.

اقرأ أيضاً: 6 أدوار يؤديها الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالنوبات القلبية

هل توجد روبوتات يمكن أن تعمل بشكلٍ مستقل في غرف العمليات؟

شهدت الروبوتات الجراحية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك إلى تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وخاصة طرق جمع البيانات والرؤية الحاسوبية وتحليلها، ونجحت بعض الروبوتات في إجراء عمليات جراحية بشكلٍ مستقل دون تدخل بشري، لكن ذلك كان في بيئات تجريبية على الحيوانات.

في عام 2022، نجح فريق بحثي من جامعة جونز هوبكنز الأميركية في تطوير روبوت ذكي مستقل يُدعى ستار (STAR)، الذي أجرى بنجاح عملية جراحية على الأنسجة الرخوة لخنزير دون أي توجيه بشري. ستار مدعوم بنظام رؤية ثلاثي الأبعاد عالي الدقة، وقدرة على التصوير بالأشعة تحت الحمراء، ويمكنه تنفيذ جراحات طفيفة التوغل بدقة عالية. 

وفي نوفمبر 2024، أعلن باحثون من جامعتي جونز هوبكنز وستانفورد الأميركيتين، تطوير روبوت قادر على تنفيذ مهام جراحية معقدة بعد تعلمها من مشاهدة مقاطع الفيديو لجراحين محترفين

نجح الروبوت في تعلم بعض المهارات الجراحية بسرعة مثل إعطاء الإبر وخياطة الجروح بشكلٍ مستقل، وتمكن من تصحيح أخطائه ذاتياً دون تدخل بشري. على سبيل المثال، تمكن من التقاط الإبر الساقطة وإكمال المهمة المطلوبة بكفاءة. تُعرف هذه الطريقة في تدريب الروبوتات باسم "التعلم بالتقليد" (Imitation Learning)، وهي مفيدة كونها تلغي الحاجة إلى برمجة الروبوتات على كل حركة فردية مطلوبة.

هذه النجاحات تشير إلى إمكانية اعتماد الروبوتات المستقلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في بعض الإجراءات الطبية، ما قد يسهم في تقليل الأخطاء البشرية وتحسين جودة الرعاية الصحية. لكن لا تزال هناك تحديات تقنية وأخلاقية يجب معالجتها قبل الاعتماد الكامل عليها في الممارسات الطبية اليومية.

اقرأ أيضاً: لماذا يصعب استخدام الذكاء الاصطناعي في تشخيص السرطان؟

ما الذي يقوله الخبراء والأطباء؟

في دراسة عالمية شملت 791 طبيباً نفسياً من 22 دولة، أعرب 3.8% فقط عن اعتقادهم بأن الذكاء الاصطناعي قد يحل محل الأطباء في تقديم الرعاية التعاطفية. ومع ذلك، توقع أغلبهم أن التكنولوجيا قد تستبدل الأطباء في مهام مثل توثيق السجلات الطبية والتشخيص. 

من جهة أخرى، أشار الدكتور آدم رودمان، مختص الطب الباطني في كلية هارفارد للطب، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيداً في تحسين الكفاءة والوصول إلى الرعاية، لكنه لا يمكن أن يحل محل التفاعل البشري في الطب

بناءً على هذه النتائج، يمكننا استنتاج أن التكنولوجيا ستؤدي دوراً متزايداً في دعم الأطباء ببعض المهام، لكنها لا تستطيع استبدال الدور الإنساني والتعاطفي الذي يقدمه الأطباء للمرضى.

الذكاء الاصطناعي والروبوتات كأداة مساعدة وليس بديلاً عن الأطباء البشر

يتفق الخبراء على أن التكنولوجيا وحدها لا يمكن أن تحل محل الأطباء البشر. فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات واتخاذ قرارات سريرية بسرعة، وتعمل الروبوتات بدقة كبيرة وتسهم في تقليل الأخطاء، فإن كلاً من الذكاء الاصطناعي والروبوتات يفتقر إلى الحكم البشري والقدرة على التكيُّف والتعاطف. فهي تعمل على أساس المعرفة المبرمجة عليها مسبقاً، لكن الطب الحقيقي يتطلب الحدس واتخاذ القرارات الأخلاقية وفهم مشاعر المريض، وهي مهارات لا تستطيع الآلات تكرارها.

يساعد الذكاء الاصطناعي اليوم الأطباء بالفعل في مجالات مثل التشخيص والتوصيات العلاجية، لكنه لا يحل محل خبرتهم. تظل العلاقة بين المريض والطبيب محورية في الرعاية الصحية، حيث تؤدي الثقة والتواصل دوراً حيوياً في العلاج الناجح. وفي حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز الكفاءة، يجب على الأطباء الإشراف على النتائج التي يولّدها الذكاء الاصطناعي وتفسيرها لضمان الدقة وتوفير الرعاية الشخصية.

لا تزال الروبوتات الجراحية المستقلة تماماً بعيدة كل البعد عن الواقع. وحتى لو كانت متوفرة، فإن الجراحين سيظلون ضروريين. فالقدرة على التكيُّف مع التحديات الجراحية غير المتوقعة واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي والتفاعل مع المرضى قبل وبعد العمليات الجراحية يؤكد أن الخبرة البشرية لا يمكن الاستغناء عنها.

اقرأ أيضاً: كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي مع البشر لمستقبل أفضل في الرعاية الصحية؟

مستقبل الطب: شراكة بين الإنسان والآلة

لذلك، لا يتعلق مستقبل الرعاية الصحية باستبدال الأطباء، بل بخلق تعاوناً بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. سيستمر الذكاء الاصطناعي في التقدم وسيسهم في تحسين التشخيص وتخطيط العلاج والتحليلات التنبؤية، وستعمل الروبوتات على تحسين الدقة في الجراحة والإجراءات الطبية الأخرى. لكن الرعاية الصحية لا تقتصر على البيانات والخوارزميات فحسب، بل تتعلق برعاية المرضى واتخاذ القرارات الأخلاقية والتواصل الإنساني.

الخلاصة أن التكنولوجيا ستُغيّر الطب بشكلٍ جذري، لكن الأطباء سيظلون في قلب الرعاية الصحية، وستبقى اللمسة الإنسانية ضرورية دائماً.

المحتوى محمي