في إطار الاحتفاء بالعقول العربية المبدعة، فاز البروفيسور المصري الأميركي عباس الجمل بجائزة نوابغ العرب لعام 2025 عن فئة الهندسة والتكنولوجيا. يأتي هذا الفوز تقديراً لمسيرته العلمية والعملية التي امتدت عقوداً، حيث قدم إسهامات رائدة في نظرية معلومات الشبكات التي أرست الأساس للعديد من الشبكات الرقمية الحديثة، وأسهم في تطوير تقنيات مثل مصفوفات البوابات القابلة للبرمجة (FPGA) ومستشعرات الصور (CMOS) المستخدمة في الهواتف الذكية.
وقد هنأه نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتغريدة نشرها على منصة إكس، وقال إن الجمل قدم إسهامات رائدة في نظرية معلومات الشبكات وتطوير تقنيات مثل FPGA ومستشعرات الصور CMOS، وإنه نشر أكثر من 230 بحثاً علمياً وكتاباً مرجعياً عالمياً. وأكد أن هذا الفوز يثبت أن مصر والعالم العربي يملكان عقولاً قادرة على صناعة المستقبل العلمي لا مجرد استهلاك التقنيات.
الإخوة والأخوات،
كما جرت العادة كل عام للاحتفاء بالعقول العربية ضمن جائزة نوابغ العرب وبعد تلقي آلاف الترشيحات…
نعلن اليوم الفائز بجائزة نوابغ العرب عن فئة الهندسة والتكنولوجيا لعام 2025، البروفيسور عباس الجمل من مصر، أستاذ هيتاشي في كلية الهندسة بجامعة ستانفورد، قدّم إسهامات… pic.twitter.com/uhddDZnfbj— HH Sheikh Mohammed (@HHShkMohd) December 10, 2025
النشأة والدراسة
ولد الدكتور عباس الجمل في مدينة القاهرة بتاريخ 30 مايو سنة 1950، ودرس في جامعة القاهرة حتى حصل على درجة الإجازة بمرتبة شرف سنة 1972، لينتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية ويدرس في جامعة ستانفورد، حيث حصل على درجة الماجستير في مجال الهندسة الكهربائية سنة 1975، وأتبعها بدرجة الماجستير في علم الإحصاء سنة 1977، وأخيراً حصل على درجة الدكتوراة سنة 1978.
السيرة العلمية والتقنية
أسهم الجمل خلال سيرته المهنية في إحداث تطورات مهمة على الصعيد التقني، وذلك سواء في أثناء عمله باحثاً جامعياً أو من خلال عمله المهني ضمن العديد من الشركات أو عبر الشركات التي أسسها هو أو ترأسها.
بدأ الجمل العمل مباشرة بعد إنهائه درجة الدكتوراة؛ إذ انضم للكادر التدريسي لجامعة جنوب كاليفورنيا (USC) التي عمل فيها أستاذاً للهندسة الكهربائية مدة سنتين حتى عام 1980، ومن ثم انتقل للعمل في جامعة ستانفورد بدءاً من سنة 1981 حتى يومنا هذا. وخلال هذه الفترة الزمنية، ترقى الجمل ضمن عدة مناصب منها العمل تحت صفة الباحث الرئيسي ضمن برنامج جامعة ستانفورد للكاميرات الرقمية القابلة للبرمجة، وذلك بين عامي 1997 و2002، ومن ثم تولى مسؤولية الإشراف على مخبر أنظمة المعلومات ما بين عامي 2004 و2009، كما تولى منصب رئيس قسم الهندسة الكهربائية ضمن كلية الهندسة في جامعة ستانفورد لمدة خمس سنوات ما بين 2012 و2017. يحمل الجمل في الوقت الحالي لقب أستاذ هيتاشي للهندسة في جامعة ستانفورد.
وبحسب الموقع الرسمي للدكتور الجمل، فإن مجالات عمله البحثي تتركز ضمن نظرية المعلومات والشبكات الذكية، ولكنه بالإضافة إلى ذلك أسهم في تقديم إسهامات مهمة جداً في مجال التقنيات الإلكترونية، وبالتحديد لعب الجمل دوراً بارزاً في تطوير أنظمة مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة (FPGA)، وكذلك تطوير حساسات التصوير الرقمية المصنعة بتقنية سيموس (CMOS).
إلى جانب عمله البحثي والأكاديمي في جامعة ستانفورد، فقد انخرط في المجال العملي التطبيقي؛ حيث انضم سنة 1984 إلى شركة إل إس آي (لم تعد إل إس آي موجودة اليوم كشركة مستقلة، إذ جرى بيعها سنة 2004 لشركة برودكوم العملاقة) وعمل مديراً لأبحاث مخبر الأنظمة الخاص بالشركة، ولكن عمله ضمن هذه الشركة لم يستمر طويلاً؛ إذ قرر سنة 1986 أن يدخل مجالاً تقنياً جديداً، وهو مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة، وذلك عبر المساهمة في تأسيس شركة أكتل (Actel) التي مثلت ثاني شركة في العالم متخصصة بهذا المجال الناشئ. حقق الدكتور الجمل نجاحاً كبيراً مع الشركة عبر تطويره معمارية المسارات (Routing Architecture)، التي يعتمد عليها المصممون عند بناء وتصميم التطبيقات العتادية باستخدام شرائح مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة، ولا تزال الطريقة التي قام الدكتور الجمل بتطويرها هي المعيار المستخدم حتى يومنا هذا.
بعد ذلك، أسهم في تأسيس شركة أخرى تسمى سيليكون أرشيتيكتس (Silicon Architects)، المتخصصة أيضاً في مجال تصنيع شرائح المعالجة الحاسوبية المعروفة باسم الدارات المتكاملة ذات التطبيقات المتخصصة (ASIC). وبشكلٍ مشابه لشركته الأولى أكتل، فإن شركة سيليكون أرشيتيكس هي من أولى الشركات في العالم ضمن مجالها، وبقي الجمل في منصب المدير التقني للشركة حتى جرى الاستحواذ عليها من قبل العملاق التقني ساينوبسيس (Synopsis) التي شغل فيها الدكتور الجمل منصب نائب رئيس الشركة حتى سنة 1997.
استثمر الجمل معارفه الأكاديمية على نحوٍ ممتاز؛ إذ أسهم سنة 1999 في تأسيس شركة بيكسيم (Pixim) المختصة بتطوير شرائح للكاميرات الأمنية الرقمية، وعمل خلال الفترة نفسها باحثاً رئيسياً ضمن برنامج في جامعة ستانفورد متعلق بالحساسات الرقمية القابلة للبرمجة، وعمل مع أعضاء فريقه على تطوير التقنيات التي تتيحها شركة بيكسيم، وبسبب النجاح الذي حققته الشركة، استحوذت شركة سوني عليها سنة 2012. وضمن السياق نفسه -أي من أجل العمل على تسويق التقنيات التي طورت كنتيجة للأبحاث الخاصة ببرنامج جامعة ستانفورد للكاميرات الرقمية القابلة للبرمجة- شارك الجمل في تأسيس شركة إنسبوكيس (Inscopix) سنة 2011، المتخصصة في تطوير تقنيات ووسائل تتيح مراقبة نشاط الدماغ.
القيمة البحثية والمؤلفات الأكاديمية
امتلك الجمل نشاطاً علمياً متميزاً؛ إذ أسهم خلال مسيرته بتأليف أكثر من 230 ورقة بحثية، ويمتلك في رصيده أكثر من 30 براءة اختراع في مجالات علمية مختلفة، ولعل أبرز مؤلفاته الأكاديمية هو كتاب نظرية المعلومات الشبكية (Network Information Theory)، الذي صدر عن جامعة كامبريدج البريطانية سنة 2011، الذي يعتبر اليوم أحد أهم المراجع العلمية الشاملة ضمن مجال نظرية المعلومات وأنظمة الاتصالات. يمكن أيضاً التعرف إلى أهم الأوراق البحثية التي نشرها الدكتور الجمل من خلال صفحته الرسمية على موقع جامعة ستانفورد.
جوائز وتكريمات
تقديراً لإسهاماته وأبحاثه الهامة في مجال نظرية المعلومات الشبكية ومجال مصفوفات البوابات المنطقية القابلة للبرمجة والحساسات الرقمية، حصل الجمل على العديد من التكريمات الأكاديمية، التي كان أبرزها ميدالية ريتشارد و. هامينغ من معهد الهندسة الكهربائية والإلكترونية (IEEE) سنة 2016، وكذلك جائزة كلود شانون في نظرية المعلومات سنة 2012، التي تعتبر من أرقى الجوائز بهذا المجال، والتي تمنح من قبل معهد الهندسة الكهربائية والإلكترونية (IEEE)، كما حصل على جائزة أفضل ورقة بحثية ضمن مؤتمر إنفوكوم سنة 2004.
حصوله على جائزة نوابغ العرب 2025
نال البروفيسور عباس الجمل جائزة نوابغ العرب لعام 2025 عن فئة الهندسة والتكنولوجيا تقديراً لمسيرته العلمية والعملية التي تركت بصمة عالمية في تطوير البنى التحتية الرقمية الحديثة. فقد أسهم في إرساء نظرية معلومات الشبكات التي أصبحت مرجعاً أساسياً في فهم حدود الأداء لشبكات الاتصال، وابتكر تقنيات محورية مثل مصفوفات البوابات القابلة للبرمجة (FPGA) التي أحدثت ثورة في تصميم الأنظمة الرقمية، إضافة إلى تطوير أجهزة استشعار الصور (CMOS) التي باتت جزءاً أساسياً من الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية، كما جمع بين البحث الأكاديمي الرائد والنشاط الصناعي المؤثر عبر تأسيس شركات ابتكرت حلولاً تقنية رائدة، ونشر أكثر من 230 بحثاً علمياً وكتاباً مرجعياً يستفيد منه طلبة الهندسة وكبرى الشركات العالمية. هذه الإنجازات مجتمعة جعلت منه نموذجاً للعقل العربي القادر على صناعة المستقبل العلمي والتكنولوجي، وهو ما أهله للفوز بهذه الجائزة المرموقة.