يزداد اعتمادنا على هواتفنا الذكية، وإذا كنت تقود سيارتك بانتظام، لا بد وأنك قد وصلت إلى المرحلة التي تضع فيها هاتفك أمامك ليرشدك إلى الطريق الأفضل لتصل إلى وجهتك باستخدام خرائط جوجل. ما نود إعلامك به الآن هو أن خرائط جوجل ليست الوحيدة، لكنها قد تكون الأشهر. إذ ظهرت خدمات وتطبيقات كثيرة غيرت سلوكياتنا اليومية دون ضوضاء إعلامية هائلة أو حملات تسويقية جارفة. أحد أبرز هذه التطبيقات هو ويز Waze، تطبيق الملاحة وحركة المرور الذي دخل حياة الملايين من السائقين حول العالم بهدوء نسبي، ليفرض نفسه خياراً أساسياً للتنقل في الطرق.
عندما ظهر ويز في الأسواق، لم يصاحبه أي ضجيج أو وعود خارقة، فقد بدأ كمشروع صغير يعتمد على بيانات السائقين أنفسهم ليكون خريطة حركة مرورية اجتماعية وتعاونية، أي أن المستخدمين هم من يقدمون المعلومات في الوقت الفعلي عن حالة الطريق والازدحام والحوادث أو غيرها من الأحداث.
وباستخدام نموذج يعتمد على التعهيد الجماعي (crowdsourcing)، نما التطبيق تدريجياً من مجرد أداة للتوجيه إلى منصة ضخمة لجمع البيانات بكل سلاسة، حتى وصل إلى ما يشبه أكبر شبكة رصد جماعي في العالم دون أن يكون الغالبية العظمى من مستخدميه واعين تماماً لطبيعة ونطاق استخدام هذه البيانات.
يمكننا مقارنة انتشار ويز بما حدث مع خدمات أخرى كانت متواضعة في بداياتها لكنها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. مثال على ذلك واتساب خدمة الرسائل النصية التي أصبحت خلال سنوات قليلة أحد أكثر تطبيقات التراسل استخداماً في العالم، حيث تجاوز عدد مستخدميها 3 مليارات شخص، وذلك لسهولة استخدامها واعتمادها على احتياج بسيط للمستخدمين دون حملة تسويقية ضخمة من بدايتها.
اقرأ أيضاً: ما الذي سيعود علينا عندما نرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد للعالم من حولنا؟
ما هي ميزات ويز وكيف يعمل؟
تطبيق ويز هو تطبيق ملاحة ونظام خرائط اجتماعي يعتمد على بياناتك أنت وسائقي السيارات الآخرين لتقديم معلومات لحظية عن حالة الطريق. أهم الميزات التي جعلته ينتشر بسرعة تشمل:
- الملاحة في الوقت الفعلي: يقترح لك التطبيق أسرع طريق ممكن للوصول إلى وجهتك بناءً على ظروف الطريق المتغيرة باستمرار مثل الازدحام أو الحوادث.
- التنبيهات والتحديثات المباشرة من المستخدمين: يمكن لأي سائق مشاركة تنبيهات حول الازدحام والحوادث والمخاطر ومسائل الشرطة، وحتى مواقع كاميرات السرعة، وهذه البيانات تظهر للمستخدمين الآخرين لحظياً أين تواجه مشكلات في الطريق.
- مجتمع مستخدمي الخرائط وتحريرها: إلى جانب الإبلاغ اللحظي، هناك مجتمع من المحررين الذين يعدلون الخرائط ويحسنونها (مثل إضافة طرق جديدة أو تصحيح الأخطاء)، ما يجعل الخريطة أكثر دقة مع الوقت.
- التخطيط الذكي للرحلات: يسمح التطبيق بتحديد أوقات الانطلاق المثالية وتقديم اقتراحات متغيرة حسب حركة المرور المتوقعة، بل ويمكن ربط ذلك مع تقويم الهاتف.
- التوافق والتكامل: يدعم ويز التكامل مع ميزات السيارة وأنظمة أخرى مثل أوتو أندرويد Android Auto لهواتف أندرويد أو كار بلاي CarPlay لهواتف آيفون، وهما منصتان لربط الهاتف الذكي بنظام السيارة وجعل التطبيقات تعمل على شاشة السيارة بطريقة آمنة في أثناء القيادة، وكذلك يمكنه المزامنة مع تطبيقات تشغيل الموسيقى وغيرها.
بهذه الميزات، استطاع التطبيق أن يلبي احتياجات السائقين بسرعة وكفاءة، ما جعله شائعاً لدى جمهور واسع دون ضجيج ترويجي كبير.
اقرأ أيضاً: وسطاء بيع بيانات الموقع الجغرافي: مَن هم وماذا يفعلون ببياناتك التي حصلوا عليها؟
لكن ماذا عن النظام الكبير للتعهيد الجماعي؟
ما يوصف بأنه أكبر نظام تعهيد جماعي في العالم تستفيد منه ويز ليس مجرد مراقبة المستخدمين، بل جمع كميات هائلة من بيانات الموقع والسلوك المروري عبر ملايين الأجهزة حول العالم، وتحديث الخرائط في الوقت الفعلي بناءً على هذه البيانات. فالنظام لا يقتصر على التنقل فحسب، بل يمكن أن يستخدم لالتقاط معلومات حساسة مثل:
- مسارات القيادة الدقيقة لكل مستخدم.
- أين يتجه السائقون ومتى يتوقفون.
- أين تحدث مشكلات مرورية متكررة.
بموجب سياسة الخصوصية الخاصة بويز، يجمع التطبيق معلومات منك لتقديم الخدمة، بما في ذلك بيانات الموقع ومسار الرحلات وغيرها من المعلومات التي ترتبط بحسابك (مثل بريدك الإلكتروني أو اسمك إذا أنشأت حساباً). هذه البيانات تستخدم لتحسين توجيهات الطرق، وتحديث حركة المرور، وحتى تقديم إعلانات مخصصة داخل التطبيق.
لكن ما يجعل النقاش أكثر حساسية هو أن مثل هذه البيانات -خاصة المعلومات المتعلقة بموقعك وسلوكك في التنقل- يمكن أن تكون حساسة للغاية إذا سربت أو أُسيء استخدامها. ففي عام 2025 تداولت تقارير مزاعم حول تسريب بيانات من ويز تضم ملايين سجلات المستخدمين مع تحديد المواقع المرتبطة بها، بما في ذلك أسماء المستخدمين ومعرّفاتهم، وقد أعلنت هذه البيانات في أسواق الإنترنت المظلم. إذا تأكدت صحة هذه المطالبات، فإنها تفتح الباب أمام مخاطر تتضمن تتبع المستخدمين في الوقت الفعلي أو استهدافهم استناداً إلى أنماط تنقلهم الشخصية.
هذه القضية ليست فريدة من نوعها في تطبيقات تتبع الموقع، لكنها تسلط الضوء على التوتر بين الفائدة العملية التي يقدمها ويز (تحسين التنقل الفوري) وبين مخاوف الخصوصية طويلة الأمد. مع أن ويز توفر إعدادات خصوصية يمكن للمستخدم تعديلها لتقليل جمع البيانات أو مشاركتها، فإن الكثير من المستخدمين ربما لا يفهمون كمية البيانات التي يوافقون على مشاركتها عند تثبيت التطبيق أول مرة ونوعيتها.
ويعتبر بعض الخبراء أن وقوع مثل هذه البيانات في أيدي غير مسؤولة يمكن أن يحول التطبيق إلى شبكات مراقبة ضخمة غير مراقَبة، خاصة عند دمجها مع قواعد بيانات أخرى أو تحليلات خارجية، وهو جوهر الجدل الدائر حول ما يصفه البعض بأنه نظام مراقبة جماعي يعتمد على المستخدم نفسه في جمع بياناته.
في المقابل، يؤكد المدافعون عن التطبيق أن جمع هذه البيانات يصب في تحسين الخدمة للجميع، وأن ويز يتبع ممارسات قياسية لحماية الخصوصية، وأن معظم الأنظمة الرقمية اليوم تعتمد اعتماداً مشابهاً على بيانات المستخدم لتقديم تجربة أفضل.
اقرأ أيضاً: 5 من ميزات خرائط جوجل المدعومة بالذكاء الاصطناعي
ويز مقابل تطبيقات الخرائط الأخرى
مقابل خرائط جوجل Google Maps
على الرغم من أن جوجل تمتلك ويز منذ 2013، فإن التطبيقين يختلفان في:
- النهج: يعتمد ويز بشكل أساسي على التقارير المباشرة من المستخدمين في الوقت الفعلي، بينما تجمع خرائط جوجل بيانات من عدة مصادر بما في ذلك ويز وبعض مصادر أخرى.
- التحديثات: تظهر تنبيهات حركة المرور في ويز مباشرة من تقارير المستخدمين، بينما قد تحتاج في خرائط جوجل إلى عتبة معينة لتعرض.
- التجربة: تقدم جوجل خرائط شاملة تشمل بيانات الأماكن والصور والاتجاهات العامة والخرائط غير المتصلة، بينما يركز ويز بشكل أكبر على حالة المرور الحالية والتوجيه الديناميكي.
مقابل خرائط آبل Apple Maps
على الرغم من أن خرائط آبل تنافس تحت أنظمة آبل، لكن:
- قلما توفر خرائط آبل بمستوى التنبيهات اللحظية نفسه الذي يعتمد عليه مجتمع ويز في تقديم تقارير مفصلة عن الأحداث في الطريق.
- بشكل عام، تركز خرائط آبل أكثر على الرؤية العامة للخرائط والتوجيه الأساسي، بينما يعتمد ويز على مساهمات المستخدمين في الوقت الفعلي.
اقرأ أيضاً: خرائط جوجل وخرائط آبل وويز: أي تطبيق ملاحة هو الأفضل؟
الجانب الإيجابي والسلبي في التعهيد الجماعي
في الوقت الذي أتاح فيه التعهيد الجماعي عبر تطبيقات مثل ويز تحسيناً غير مسبوق في إدارة حركة المرور واتخاذ القرارات اللحظية، فتح الباب أيضاً أمام أسئلة حساسة تتعلق بخصوصية المستخدمين وحدود جمع بياناتهم. وبين الفائدة العامة والمخاطر الفردية، يقف هذا النموذج الرقمي في منطقة رمادية تستحق التوقف عندها.
الجانب الإيجابي
- يمكن أن تساعد البيانات المجموعة من المستخدمين على تحسين التخطيط المروري على مستوى المدينة.
- يمكن للسلطات استخدام البيانات لتحسين استجابات الحوادث أو حالات الطوارئ.
- تقلل زمن الوصول للمعلومات الحية مقارنة بالطرق التقليدية.
المخاوف
- الخصوصية: جمع بيانات الموقع والسلوك يمكن أن يكون حساساً، ولا يفهم بعض المستخدمين بالكامل كيفية استخدام هذه البيانات، ومن يمكنه الوصول إليها.
- التحليل اللاحق: إذا دمجت هذه البيانات مع مصادر أخرى، يمكن أن تكشف أنماطاً أكبر في تحركات السكان.
- الاعتماد: الاعتماد الشديد على تقارير المستخدم يجعل جودة البيانات تختلف باختلاف عدد المستخدمين ومشاركاتهم.
اقرأ أيضاً: ما هي السياحة الإلكترونية؟ وكيف تعزّز تجربة السياح؟
ربما يبقى السؤال الأكبر حول كيفية توازن فوائد هذه الشبكات الجماعية مع حقوق المستخدمين وخصوصيتهم، وهو موضوع ستستمر فيه النقاشات مع تطور التكنولوجيا وتوسع استخدامها في حياتنا اليومية.