قال العلماء إنهم طوّروا نموذجاً جديداً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي لتوأم رقمي يتمتّع بالقدرة على التكيُّف مع قرينه المادي والتحكم فيه بصورة فورية.
وفقاً للمؤلفين، يُضيف الاكتشاف الذي نشرته مجلة معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات "آي إي إي إي إكسبلور" (IEEE Xplore)، بُعداً جديداً للنسخ الرقمية للآلات في العالم الحقيقي، مثل الروبوتات والطائرات المُسيّرة أو حتى السيارات الذاتية القيادة.
التوائم الرقمية هي نسخ طبق الأصل عن أشياء في العالم المادي، وهي تُشبه نسخ ألعاب الفيديو من الآلات الحقيقية التي تقترن بها رقمياً وتخضع للتحديث باستمرار ببيانات فورية.
يستخدم المهندسون والعلماء التوائم الرقمية لمراقبة الآلات واختبارها دون لمس النظام المادي، ما يزيد الصناعات المختلفة ذكاءً وكفاءة.
مع ذلك، تؤدي أغلبية التوائم الرقمية اليوم دور مراقب فقط؛ إذ إنها قادرة على التحليل والتنبؤ بما قد يحدث، لكنها غير قادرة على التصرف باستقلالية.
هنا يدخل نموذج المؤلفين الجديد المعادلة؛ إذ قدّموا مفهوم "التوائم الرقمية الذكية الفاعلة" (IADT)، التي لا تكتفي بالمراقبة وحسب، على عكس التوائم الرقمية التقليدية.
يقول المؤلف الرئيسي للبحث الجديد، الدكتور إحسان بونصير: "تخيل طائرة مُسيّرة تطارد طائرة معادية. يُحاكي التوأم الرقمي التقليدي سيناريوهات مختلفة ويقترح تحركات محتملة. لكن التوأم الرقمي الذكي الفاعل يستطيع التحكم بالطائرة المُسيّرة على نحو مستقل والتعلم من الطيارين البشر واتخاذ قراراته بنفسه في النهاية".
يقول الدكتور بونصير، وهو أستاذ في كلية الحوسبة والمعلوماتية في جامعة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، إن التوائم الرقمية الذكية الفاعلة قد تكون لها تطبيقات واسعة في قطاع التصنيع والعديد من المجالات الأخرى ذات التأثير المباشر في حياة البشر.
ويقول أيضاً: "من خلال سد الفجوة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، إلى جانب التعلم من البشر والعمل على نحو مستقل، يمكن أن يكون التوأم الرقمي الذكي الفاعل الجديد مفيداً في العديد من المجالات، مثل الرعاية الصحية والمدن الذكية والسيارات الذاتية القيادة وتحسين الاستجابات الفورية حتى في حالة وقوع كارثة".
وقد أكد الدكتور بونصير أن هذا النموذج سيكون له "تأثيرات عملية كبيرة في العديد من القطاعات"، ويعتقد أن تقديمه سيفتح الباب "لتطبيقات واقعية يتجاوز فيها دور التوائم الرقمية مجرد المراقبة والمحاكاة وصولاً إلى التصرف والتكيُّف مع أنظمة العالم الحقيقي والتحكم على نحو مستقل بها بصورة فورية".
بالإضافة إلى ذلك، يؤكد الدكتور بونصير أن النموذج قد يتمتّع بتطبيقات عملية في مختلف القطاعات الرئيسية، مثل المدن الذكية وإدارة البنية التحتية والمركبات الذاتية القيادة وعلم الروبوتات والرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية والدفاع والفضاء الجوي، ما يُحدِث تغييراً جذرياً في طرق استخدام العالم للذكاء الاصطناعي في تكنولوجيا التوائم الرقمية.
يقول المؤلف المشارك للدراسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية، مصطفى قارا: "يجب ألّا يحاكي التوأم الرقمي الفعلي العالم الحقيقي فحسب، بل ينبغي أن يتفاعل معه ويتكيف معه بل ويتحكم به أيضاً. وهذا ما حققناه في تطوير نموذجنا الجديد.
لن يقتصر مستقبل الآلات على الأتمتة، بل إنه سيشمل الذكاء. نحن نصمم أنظمة لا تتبع الأوامر فحسب، بل تفهم بيئتها وتتخذ القرارات وتتصرف فوراً".
أعلن المؤلفون في بحثهم أن التوأم الرقمي الذكي الفاعل الذي طوّروه يتمتّع "بقدرة رائدة"؛ إذ أكد الدكتور قارا أن النموذج "يدمج الذكاء الاصطناعي مع التوائم الرقمية ويمهّد الطريق لعالم لا تساعد فيه الآلات البشر فحسب، بل تتعاون وتتكيف وتتصرف من تلقاء نفسها".
يقول الدكتور قارا: "كانت التوائم الرقمية مجرد مراقب غير فاعل على مدى زمن طويل؛ تراقب وتضع التنبؤات دون أن تشارك في العمل الفعلي. لكننا غيرنا ذلك مع تطوير التوأم الرقمي الذكي الفاعل، وأصبحت التوائم الرقمية الآن قادرة على التفكير والتعلم واتخاذ الإجراءات الفورية".
قال المؤلفون إن مفهوم التوأم الرقمي الذكي الفاعل الذي طوّروه "يمثّل تقدماً ملحوظاً من حيث الاستفادة من تكنولوجيا التوائم الرقمية"، وأضافوا: "يُمكّن هذا المفهوم الأفراد من استخدام توأم رقمي للتحكم في أنظمة العالم الحقيقي، ويهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق استقلالية يتمتّع ضمنها التوأم الرقمي من إدارة النظام الحقيقي على نحو مستقل، ما يُلغي الحاجة إلى التدخل البشري المباشر.
حددنا نوعين متميزين من التوائم الرقمية، يركّز الأول فقط على سلوك الجهاز بينما يشمل الثاني سلوك النظام بأكمله".
يقول المؤلفون إنهم أثبتوا جدوى مفهومهم من خلال التطبيقات العملية باستخدام منصة كاب كاربون (CupCarbon).
وقال الباحثون: "تُبيّن هذه التطبيقات كيف يدمج التوأم الرقمي الذكي الفاعل المكونات الافتراضية والمادية لإنشاء إطار عمل موحد وفعّال، ما يمثّل تقدماً كبيراً في تطبيق تكنولوجيا التوائم الرقمية في مختلف المجالات".
يصفُ البحث هذا النموذج بأنه خطوة جريئة نحو تطوير أنظمة ذاتية التشغيل بالكامل، ويقول الباحثون: "من خلال الجمع بين التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية، فإننا نقترب من مستقبل تستطيع فيه الآلات العمل والتكيُّف دون تدخل بشري. هذه القدرة ضرورية للاستجابة للطوارئ والأتمتة والقطاعات العالية المخاطر التي تتطلب إجراءات سريعة وذكية".
أكد المؤلفون في ختام بحثهم أن "تصميم التوأم الرقمي الذكي الفاعل الذي طرحوه لا يمكّن فقط من دمج الميزات والسلوكيات الجديدة في الأنظمة الحقيقية، بل يقدّم أيضاً منهجية تصميم جديدة لمصممي الدارات الكهربائية الذين يعملون على تطبيقات التوائم الرقمية.
"نتصور من خلال هذا البحث مستقبلاً تؤدي فيه التوائم الرقمية دوراً محورياً في تحقيق الاستقلالية والتحسين عبر مختلف المجالات، وإحداث ثورة في طريقة تفاعلنا مع أنظمة العالم الحقيقي وتحكمنا بها".
التوأم الرقمي الذكي الفاعل. المصدر: مجلة معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، آي إي إي إي إكسبلور (IEEE Xplore)، 2025. معرف الكائن الرقمي: 10.1109/ACCESS.2025.3532545