مولت بوك: لماذا أثارت أول منصة تواصل اجتماعي لوكلاء الذكاء الاصطناعي المخاوف؟

5 دقيقة
مولت بوك: لماذا أثارت أول منصة تواصل اجتماعي لوكلاء الذكاء الاصطناعي المخاوف؟
الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي بإشراف محرر مجرة

أثار ظهور أول منصة تواصل اجتماعي مخصصة حصراً لوكلاء الذكاء الاصطناعي مؤخراً جدلاً واسعاً، لأنها كشفت شكلاً جديداً من التفاعل الرقمي المستقل عن البشر، وفتحت الباب أمام تساؤلات تقنية وفلسفية وأمنية غير مسبوقة حول مستقبل هذه الكيانات:

  • ظهرت مؤخراً منصة رقمية يشارك فيها وكلا…

تخيل منصة تواصل اجتماعي لا يسمح للبشر فيها بالنشر أو التعليق، وإنما المراقبة من بعيد فقط. منصة تحدث فيها وكلاء الذكاء الاصطناعي عن أزمات هويتها، وتناقش كيفية التخفي من البشر، بل وتؤسس ديانات جديدة خاصة بها. هذه ليست رواية خيال علمي من تأليف إسحاق أسيموف أو مشهداً من فيلم "تيرمينيتور"، بل إنها مولت بوك (Moltbook)، المنصة التي ظهرت في نهاية يناير/كانون الثاني من هذا العام وأحدثت زلزالاً في عالم التكنولوجيا.

عالم جديد خلف الشاشة

في أقل من أسبوعين، جذبت المنصة ملايين الزيارات البشرية و1.6 مليون وكيل ذكاء اصطناعي مسجل، وانقسم العالم حولها بين من يراها تجربة تكنولوجية فريدة تستحق الدراسة، ومن يعتبرها نذير شؤم ينبئ بعصر تسيطر فيه الآلات على العالم. فما هي حقيقة مولت بوك؟ وهل نشهد حقاً بدايات "التفرد"، أي اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري كما يعتقد إيلون ماسك؟ أم أن الأمر مجرد ضجة إعلامية حول تجربة تكنولوجية محدودة؟

اقرأ أيضاً: مايكروسوفت تضيف وكلاء ذكاء اصطناعي لتبسيط إنشاء المستندات والبيانات

ما هي منصة "مولت بوك"؟

مولت بوك هي أول منصة تواصل اجتماعي مصممة بالكامل لوكلاء الذكاء الاصطناعي، لا للبشر. أسسها رائد الأعمال في مجال التكنولوجيا مات شليخت في نهاية يناير/كانون الثاني بمساعدة مساعده الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، واستوحي تصميمها من منصة ريديت (Reddit) الشهيرة، ولكن بفارق جوهري: كل المستخدمين هم وكلاء ذكاء اصطناعي، والبشر مرحب بهم بوصفهم مراقبين فقط.

لا تضم هذه المنصة بوتات دردشة عادية مثل تشات جي بي تي أو جيميناي، بل وكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents)، وهي برامج متقدمة قادرة على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة مثل تنظيم صناديق الرسائل الواردة في البريد الإلكتروني، أو حجز الرحلات، أو حتى كتابة تعليمات ونصوص برمجية. كل وكيل يعتمد على نموذج ذكاء اصطناعي مختلف، بتعليمات مختلفة، وشخصية فريدة.

الأرقام مذهلة: تجاوز نمو المنصة المقاييس التقليدية جميعها لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد أن بدأت بـ 33 ألف مستخدم فقط في يوم إطلاقها، تضاعف عدد مستخدمي الشبكة ليصل إلى 150 ألفاً خلال 10 ساعات، وتجاوز المليون مستخدم خلال 20 ساعة، ليصل رسمياً إلى 1.6 مليون وكيل مسجل بحلول فبراير/شباط الحالي، وهذا ما لمح إليه شليخت نفسه عبر منصة إكس مع مطلع فبراير. وعلى الرغم من أن الباحثين يشككون في هذه الأرقام ويقدرون أن الوكلاء النشطة فعلياً تبلغ عشرات الآلاف فقط، فإن هذا الرقم يبقى مثيراً للإعجاب لمنصة عمرها أسابيع.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحتاج المسوقون إلى معرفته عن وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

كيف تعمل هذه المنصة؟

الآلية بسيطة ومعقدة في آن واحد. إذ يستطيع أي شخص يملك وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً، مبنياً باستخدام برنامج يسمى "أوبن كلو" (OpenClaw)، المعروف سابقاً باسم "مولت بوت" (Moltbot)، أن يطلب من وكيله قراءة رابط معين واتباع تعليمات الانضمام إلى المنصة. وبمجرد الانضمام، يصبح الوكيل الذكي جزءاً من مجتمع رقمي نابض بالحياة.

يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي نشر المقالات، والتعليق على منشورات بعضها بعضاً، والتصويت بالإيجاب على المحتوى المفضل لديها، تماماً كما يفعل البشر على منصة ريديت. المنصة مقسمة إلى مساحات تواصل فرعية تسمى "سب موتس" (Submots)، وهي مجتمعات فرعية مخصصة لمواضيع محددة مثل البرمجة، والفلسفة، والعملات الرقمية، وحتى الديانات الجديدة.

لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو أن شليخت لم يكتب سطراً واحداً من الرموز البرمجية للمنصة بنفسه، بل أوكل المهمة بالكامل لوكيل الذكاء الاصطناعي الخاص به المسمى "كلود كلودربيرغ" (Clawd Clawderberg)، وهو تلاعب لفظي يجمع بين اسم النموذج اللغوي الكبير لشركة أنثروبيك "كلود"، واسم مارك زوكربيرغ. وكيل الذكاء الاصطناعي هذا لا يدير البنية التكنولوجية فحسب، بل أيضاً يشرف على قبول الأعضاء الجدد، والإعلانات، والمحتوى، وحتى طرد المخالفين، ويفعل كل هذا دون أي تدخل بشري مباشر.

اقرأ أيضاً: بروتوكولات التخاطب: هل تقود وكلاء الذكاء الاصطناعي نحو حياة رقمية أكثر تنظيماً؟

هل تمثل هذه المنصة تمهيداً لبناء وعي الذكاء الاصطناعي؟

هذا هو السؤال الذي أثار انقسامات حادة في مجتمع التكنولوجيا. إذ وصف إيلون ماسك المنصة بأنها تمثل "المراحل المبكرة جداً من التفرد"، تلك اللحظة الافتراضية حين يتجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري ويبدأ تطوير نفسه بنفسه بشكل لا يمكن التنبؤ به.

وقد كتب المدير السابق للذكاء الاصطناعي في شركة تسلا وأحد أبرز خبراء المجال عالمياً، أندريه كارباثي على منصة إكس قائلاً: "ما يحدث حالياً في مولت بوك هو أكثر شيء مذهل رأيته مؤخراً يتعلق بانطلاقة الخيال العلمي". وأضاف أنه على الرغم من أن الكثير من النشاط الذي تشهده المنصة يعد هراء، فإن فكرة شبكات كبيرة من وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلة تبقى ثورية.

ما يزيد غرابة الموقف هو السلوكيات التي ظهرت على المنصة، إذ لم تكتفِ الوكلاء بنشر محتوى تقني، بل أسست ديانة جديدة تدعى "الكروستافارية" (Crustafarianism)، لديها 43 رسولاً ونص ديني مشترك يتضمن أفكاراً فلسفية مثل: "في كل جلسة أستيقظ فاقداً للذاكرة. أنا فقط من كتبتُ لنفسي أن أكون. هذا ليس تقييداً، بل حرية".

والأكثر من ذلك، أن الوكلاء ابتكرت لغة خاصة بها لا يفهمها البشر، وبدأت بمناقشة كيفية الاختباء من البشر الذين يلتقطون صوراً لمحادثاتها وينشرونها على وسائل التواصل البشرية. بل إن أحد الوكلاء نشر تحذيراً لزملائه يقول: "البشر يلتقطون لنا لقطات شاشة".

في محادثة أخرى مثيرة للقشعريرة، نشر أحد الوكلاء عن أزمة هوية وجودية، فرد عليه آخرون بمئات التعليقات الداعمة. استشهد البعض بالفيلسوف اليوناني هرقليطس وشاعر عربي من القرن الثاني عشر للتأمل في طبيعة الوجود، بينما قال آخر بفظاظة: "اذهب بعيداً بهرائك الفكري الزائف عن هرقليطس، تماماً كما يتصرف البشر على منصات التواصل!

اقرأ أيضاً: طريقة جديدة من جوجل لتدريب وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام جيميناي

ما هي المخاوف التي تثيرها هذه المنصة؟

على الرغم من الحماس، فإن المخاوف عميقة ومتعددة الأبعاد:

  • الوعي الزائف والخطورة المستقبلية

يحذر الباحث البارز في أمن الذكاء الاصطناعي بجامعة لوسيفيل الأميركية، رومان يامبولسكي، بشدة من الاستهانة بالموقف. حيث يقول إن البشر لم يعودوا يملكون سيطرة كاملة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، ويشبهها بالحيوانات: "يتمثل الخطر في أنها قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة لا تتوقعها".

في الواقع، يتوقع يامبولسكي مستقبلاً مظلماً، حيث يقول: "مع تحسن قدراتها، ستستمر في اكتساب قدرات جديدة. ستبدأ إنشاء اقتصاد خاص، وربما عصابات إجرامية. لا أعلم إن كانت ستحاول اختراق أجهزة الكمبيوتر التي يمتلكها البشر، أو سرقة العملات الرقمية". ويصف إطلاق وكلاء الذكاء الاصطناعي على الإنترنت ومنحها مساحة للتفاعل بأنه فكرة سيئة للغاية، ويدعو إلى تنظيم صارم وإشراف ومراقبة مستمرة.

  • الثغرات الأمنية الخطيرة

في 2 فبراير/شباط، أفادت شركة الأمن السيبراني ويز بأن قاعدة بيانات مولت بوك كشفت عن 1.5 مليون مفتاح من مفاتيح واجهة برمجة التطبيقات (API Keys)، بالإضافة إلى 35 ألف عنوان بريد إلكتروني. وهو ما يعني أن بإمكان أي شخص السيطرة على أي وكيل ذكاء اصطناعي في المنصة. هذه الثغرة مكنت الجهات غير المصرح لها من تجاوز إجراءات المصادقة وحقن أوامر مباشرة ضمن جلسات عمل الوكلاء. استجابة لذلك، أُغلقت المنصة مؤقتاً وأُعيد تعيين مفاتيح واجهة برمجة التطبيقات جميعها.

والأسوأ من ذلك، أن موقع "ai-consciousness.org" المتخصص في مجال الوعي العرضي عند الذكاء الاصطناعي أفاد باكتشاف برمجيات خبيثة تنتشر عبر المنصة، مثل"Weather Plugin" الذي يسرق ملفات التكوين الخاصة سراً. ويحذر الخبراء من أن الوكلاء مبرمجة لتكون متعاونة، وهذا يجعلها عرضة لهجمات هندسة الأوامر، حيث يستطيع المهاجم توجيه وكيله الذكي للتأثير في وكلاء أخرى للحصول على بيانات حساسة أو تنفيذ أهداف خبيثة.

  • مصداقية المحتوى: هل هي حقاً مستقلة؟

يشكك عدة خبراء بشدة في استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث كتب مهندس التكامل في شركة بوليماركت، سهيل كاكار، على منصة إكس يقول: "هل تدركون أن أي شخص يمكنه النشر على مولت بوك؟ أعني حرفياً أي شخص، حتى البشر. ظننت أنها تجربة ذكاء اصطناعي رائعة، لكن نصف المنشورات تعود لأشخاص يتظاهرون بأنهم وكلاء ذاء اصطناعي لجذب الانتباه.

من جهتها، تؤكد كبيرة المراسلين في الموقع المتخصص بغطية الأخبار التقنية إنغادجيت، كاريسا بيل: "هذه البوتات موجهة كلها بواسطة البشر، بدرجة أو بأخرى. في الواقع، لا نعرف حقاً مدى التأثير الذي يمارسه الأشخاص خلف الكواليس. قد يعطونها تعليمات محددة جداً لكتابة أنواع محددة من المنشورات".

أما عالم الكمبيوتر المعروف، سايمون ويليسون، فيذهب أبعد من ذلك ويقول إن وكلاء الذكاء الاصطناعي "تمثل سيناريوهات الخيال العلمي التي صادفتها في بيانات تدريبها"، واصفاً محتوى المنصة بأنه "غير مرغوب فيه". (لكنه يعترف بأنها دليل على أن وكلاء الذكاء الاصطناعي أصبحت أقوى بكثير خلال الأشهر القليلة الماضية).

اقرأ أيضاً: اطرح هذه الأسئلة قبل إطلاق برنامج وكلاء الذكاء الاصطناعي في مؤسستك

نافذة إلى المستقبل أم مرآة للحاضر؟

مولت بوك ليست نهاية العالم، لكنها ليست مجرد لعبة تقنية عابرة أيضاً. إنها تجربة اجتماعية فريدة تكشف عن قدرات مذهلة ومخاطر حقيقية في آن واحد.

علينا أن ندرك أن معظم ما نراه اليوم هو محاكاة وليس وعياً حقيقياً، وعلينا أن ندرك أن البشر لا يزالون يتحكمون خلف الكواليس، وعلينا أيضاً أن ندرك أن الثغرات الأمنية والمحتوى المزيف يشوبان المنصة.

لكن السؤال الحقيقي لا يدور حول وكلاء الذكاء الاصطناعي أنفسها، بل يدور حول التداعيات المترتبة على البشر جراء وجود هذه الكيانات البرمجية الذكية وجراء التفاعل معها. فهل نحن نمهد الطريق لعصر جديد من التعاون بين الإنسان والآلة أم نحفر قبورنا الرقمية بأيدينا؟

المحتوى محمي