في عالم الأعمال اليوم أصبحت التقنية جزءاً لا ينفصل عن استراتيجيات الشركة وعملياتها اليومية. ليس مطلوباً من كل مدير أن يصبح مبرمجاً محترفاً، لكن امتلاك فهم عملي للبرمجة ولغات البرمجة البسيطة يسهل التواصل مع الفرق التقنية، ويختصر الوقت ويقلل المخاطر عند اتخاذ القرار.
لماذا تعد مهارات البرمجة ضرورية لغير المبرمجين؟
قد يتفاجأ البعض، لكن نعم، مهارات البرمجة ضرورية لغير المبرمجين؛ أولاً، تعلم البرمجة يعزز التفكير الحاسوبي، وهو أسلوب تفكير ينطوي على تفكيك المشكلة إلى أجزاء وتحديد المدخلات والمخرجات وصياغة خطوات واضحة (خوارزميات)، وهي مهارات قابلة للتطبيق على التخطيط الاستراتيجي وتحليل العمليات. هذا الجانب من التعلم له أهمية عملية تتجاوز كتابة السطور البرمجية.
ثانياً، الطلب على المهارات الرقمية آخذ بالارتفاع، إذ تشير تقارير عالمية، كتقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن المهارات التكنولوجية (مثل تحليل البيانات وإدارة الذكاء الاصطناعي) ستزداد أهميتها في الوظائف خلال السنوات القليلة المقبلة، ومن ثم فإن قدرة المدراء على فهم هذه الأدوات تمنحهم ميزة تنافسية.
ثالثاً، يقلل وجود معرفة التقنية اختناقات التواصل مع فرق الهندسة والبيانات، فالمدير الذي يفهم أساسيات الكود والبيانات يكتب متطلبات أو يسأل أسئلة أدق، ما يوفر وقت التطوير ويقلل إعادة العمل.
اقرأ أيضاً: ما وظائف الذكاء الاصطناعي التي لا تتطلب معرفة بالبرمجة؟
ما الذي يجب أن يتعلمه المدراء من مهارات البرمجة؟
هناك العديد من المهارات البرمجية التي يجب أن يكون كل مدير على اطلاع عليها، وأهمها:
1. القراءة الأساسية للبيانات عبر لغة الاستعلام الهيكلية: إس كيو إل SQL
تعد لغة الاستعلام الهيكلية Structured Query Language اختصاراً لـ SQL اللغة القياسية عالمياً للتعامل مع قواعد البيانات في الشركات، سواء كانت بيانات مبيعات أو مستخدمين أو عمليات أو أداء الموظفين. لا يتوقع من المدير كتابة استعلامات معقدة، لكن تعلم الأساسيات مثل
SELECT، WHERE، GROUP BY، ORDER BY يغير جذرياً طريقة تعامله مع البيانات.
امتلاك هذه المهارة يمكن المدير من إجراء ما يعرف بفحوص صحة البيانات sanity checks ويتضمن التحقق السريع من الأرقام قبل اعتماد تقرير والتأكد من صحة فرضية أو مقارنة أداء فترات زمنية مختلفة دون انتظار فريق التحليل أو تقنية المعلومات. هذا يقلل الاعتماد الكامل على التقارير الجاهزة، ويمنح المدير استقلالية تحليلية عالية.
تشير برامج التعليم التنفيذي في الجامعات الأميركية إلى أن لغة الاستعلام الهيكلية من أكثر المهارات "ذات العائد السريع" للمدراء، لأنها تُستخدم مباشرة في العمل دون تعقيد تقني.
2. التحليل والأتمتة البسيطة: استخدام بايثون Python خصوصاً مكتبة بانداس pandas
بايثون ليست لغة للمبرمجين فقط، بل أداة قوية للمدراء الذين يتعاملون مع البيانات والتقارير المتكررة. باستخدام مكتبات مثل بانداس، يستطيع المدير أو فريقه الصغير:
- تنظيف بيانات غير مرتبة.
- دمج ملفات متعددة سواء إكسل أو بصيغة CSV في ملف واحد.
- إجراء تحليل وصفي سريع.
- أتمتة تقارير أسبوعية أو شهرية.
القيمة الحقيقية هنا ليست في "البرمجة"، بل في تقليل الزمن بين السؤال والجواب. بدل انتظار تقرير مخصص، يمكن اختبار سيناريوهات مختلفة بسرعة، ما يدعم قرارات مرنة في بيئات متغيرة.
لهذا السبب بدأت جامعات كبرى بتقديم برامج بعنوان صريح مثل Python for Executives، تركز على الاستخدام العملي لا الأكاديمي.
اقرأ أيضاً: ما هي لغات البرمجة التي ستكون مطلوبة للعمل عام 2026؟
3. معرفة الصورة العامة لكيفية عمل المواقع والتطبيقات معاً وكيف تتبادل البيانات فيما بينها
لا يحتاج المدير إلى كتابة أكواد بلغة جافا سكريبت أو بناء تطبيق ويب، لكن الجهل بكيفية اتصال الأنظمة ببعضها يضعف جودة قراراته التقنية. يجب عليه فهم مفاهيم مثل:
- ما هي واجهة برمجة التطبيقات API؟
- ماذا يعني أن الأنظمة "تتكامل".
- الفرق بين REST وJSON، بكلمات أخرى الفرق بين قواعد التواصل وشكل البيانات.
- لماذا تفشل بعض المشاريع بسبب التكامل لا البرمجة.
يساعد ذلك المدير على:
- تقييم عروض الشركات التقنية.
- تقدير الوقت والتكلفة الواقعية للمشاريع.
- فهم أسباب التأخير أو التعقيد التقني.
تؤكد شركات استشارية عالمية أن كثيراً من إخفاقات التحول الرقمي لا تعود للتقنية نفسها، بل لسوء فهم القيادات كيفية تدفق البيانات والقيمة عبر الأنظمة.
4. أدوات لا برمجية ذات أثر عالٍ: معرفة متقدمة في استخدام جداول البيانات ولغة الاستعلام الهيكلية
قبل القفز إلى لغات البرمجة، يحقق كثير من المدراء قيمة كبيرة من إتقان أدوات مألوفة لكنها غير مستغلة بالكامل، مثل:
- الجداول المحورية Pivot Tables: وهي طريقة ذكية وسريعة لتلخيص وفهم البيانات الكبيرة في إكسل، خاصة للمدراء وغير المختصين.
- استخراج وتحميل البيانات عبر Power Query، وهي أداة وميزة ضمن منتجات مايكروسوفت مثل إكسل وباور بي آي Power BI مخصصة لاستخراج البيانات، وتحويلها وتحميلها. تتيح للمستخدمين جمع البيانات من مصادر متعددة وتنظيفها ودمجها، وتشكيلها دون كتابة كثير من الأكواد.
- صيغ التحليل الشرطي.
- ربط الإكسل بمصادر بيانات عبر لغة الاستعلام الهيكلية.
هذه الأدوات تتيح بناء نماذج أولية سريعة لتحليل الأداء واختبار مؤشرات، أو دعم قرارات استراتيجية دون استثمار تقني كبير.
تشير أبحاث ماكنزي إلى أن تحسين استخدام الأدوات الموجودة أصلاً داخل المؤسسات يسبق في الأهمية تبني أدوات جديدة، خصوصاً في المراحل الأولى من التحول الرقمي.
اقرأ أيضاً: منصات مجانية لتعلم استخدام التكنولوجيا وتعزيز مهاراتك الرقمية
5. مبادئ أمنية وأساسية لإدارة الذكاء الاصطناعي
مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم يعد مقبولاً أن يكون فهم مخاطره حكراً على الفرق التقنية. يحتاج المدراء إلى معرفة أساسية بـ:
- خصوصية البيانات وحوكمتها.
- تحيز النماذج الخوارزمية.
- مخاطر الاعتماد الأعمى على مخرجات الذكاء الاصطناعي
- أهمية وجود إشراف بشري (Human-in-the-loop).
هذا الفهم لا يهدف إلى التدخل التقني، بل لاتخاذ قرارات تنظيمية وأخلاقية مسؤولة، خاصة في مجالات مثل الموارد البشرية والتسويق والتمويل.
تؤكد أطر الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي أن دور الإدارة العليا محوري في ضبط الاستخدام الآمن والمسؤول، وليس مجرد قرار تقني.
كيف تتعلم هذه المهارات عملياً؟
- ابدأ بلغة الاستعلام الهيكلية: وذلك بدورات قصيرة وتمارين على قواعد بيانات حقيقية (أسئلة مبيعات/عملاء). تعلم كتابة استعلام واحد يجيب سؤالاً عملياً، فهذا يعطي قيمة فورية.
- انتقل إلى بايثون للأتمتة والتحليل: اتبع دورات تطبيقية تركز على استخدام مكتبة بانداس وقراءة ملفات CSV ودمج مصادر بيانات. اختر أمثلة من عملك اليومي (تقارير شهرية، تجميع سجلات).
- تعلم المفاهيم: مثل صيغ الملفات وطرق ارتباط وتكامل التطبيقات ومفهوم البنية التحتية السحابية بطريقة سطحية كافية لفهم تقديرات التكاليف والوقت.
- استثمر في ورشة داخلية لفريق الإدارة مع مهندس أو محلل بيانات لعمل حالات استخدام فعلية (التقليل من التعلم النظري وزيادة التطبيق)، وحاول إعداد تقارير استشارية توصي بربط التعلم بنتائج أعمال واضحة لنجاح استراتيجيات التعلم.
اقرأ أيضاً: 3 مهارات أساسية لتصبح خبيراً في البيانات الضخمة دون تغيير مسارك الوظيفي الحالي
كيف تساعد المهارات التقنية المدراء على اتخاذ قرارات أفضل؟
لا يعني امتلاك المدير فهماً أساسياً للبرمجة والبيانات مجرد معرفة تقنية، بل يمنحه أدوات قوية لاتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، وتقليل المخاطر، وتعزيز التواصل مع الفرق التقنية؛ حيث تمنح المهارات التقنية المدراء القدرة على التعامل مع المعلومات بشكل مباشر وتحويلها إلى رؤى عملية. ومن أبرز مجالات التأثير:
1. قرارات أسرع وأدق قائمة على البيانات
تمنح القدرة على استخراج المقاييس مباشرة من قواعد البيانات المدير فرصة التحقق من صحة الأرقام والفروض قبل الاعتماد على تقارير جاهزة أو جداول قديمة. هذا يقلل الأخطاء الناتجة عن المعلومات الوسيطة، ويختصر دورة اتخاذ القرار، ويضمن أن القرارات مبنية على بيانات حديثة وموثوقة.
2. تقييم أفضل للمخاطر والتكاليف الفنية
فهم ما يتطلبه بناء ميزة برمجية -مثل تعقيد تكامل البيانات واجهات برمجة التطبيقات (APIs) ومتطلبات الحماية- يساعد المدير على تقدير الوقت والتكلفة بدقة أكبر، كما يمكنه التفاوض بوعي مع الفرق التقنية أو موردي الحلول، ما يقلل المخاطر المالية ويزيد فرص نجاح المشروع.
3. التواصل الأنجع مع الفرق التقنية
عندما يكون المدير ملماً بمفردات البرمجة والمصطلحات التقنية الأساسية، يمكنه بناء ثقة أكبر مع المهندسين وتقليل سوء التوقعات. هذا التواصل الفعال يؤدي إلى تحقيق أهداف المشاريع بكفاءة أكبر وتقليل الخلافات بين الإدارة والفرق التقنية.
4. التحكم في الأولويات وتعزيز الابتكار
فهم حدود الأدوات التقنية وقدراتها يمكن المدير من توجيه الاستثمارات والجهود نحو مشاريع ذات قيمة فعلية. على سبيل المثال، يمكن اختيار أتمتة المهام المتكررة بدلاً من بناء نظام معقد من الصفر، ما يوفر الوقت والمال ويعزز الابتكار ضمن حدود عملية قابلة للتنفيذ.
اقرأ أيضاً: ما هي المهارات التقنية التي يجب أن يكتسبها كل مدير في 2025؟
إذا كنت مديراً فتذكر: لا تحتاج إلى أن تصبح مبرمجاً محترفاً؛ ابدأ بما يعطي أكبر قيمة بأقل وقت: تعلم لغة الاستعلام الهيكلية لقراءة بياناتك، ثم بايثون لأتمتة وتحليل أعمق، وتعلم المفاهيم التقنية الأساسية، واعمل على ربط التعلم بحالة عمل حقيقية لتحول الفائدة إلى حالة فورية وملموسة.