ما الذي لا تخبرك به تطبيقات اشترِ الآن وادفع لاحقاً؟

7 دقيقة
ما لا تخبرك به تطبيقات اشترِ الآن وادفع لاحقاً؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

هل سألت نفسك يوماً لماذا تشعر بالتردد عند إخراج ورقة نقدية كبيرة من محفظتك بغرض الدفع بينما لا تشعر بشيء عند الضغط على زر "تقسيط" في تطبيق ما؟ هذا ليس صدفة، بل هو استهداف مباشر لدفاعاتك الدماغية التي تمكنت خدمات اشترِ الآن وادفع لاحقاً من استغلالها بنجاح.

  1. عقلك تحت التخد…

تشهد المنطقة العربية ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي ثورة في التمويل الرقمي مدفوعة بالنمو الهائل لخدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" المتوقع أن يصل حجم سوقها إلى نحو 11.74 مليار دولار بحلول عام 2030. ويعود هذا التحول بشكل كبير إلى التغير الديموغرافي، حيث يستحوذ جيل الألفية وجيل زد الآن على النسبة الأكبر من الاستخدام وهم يفضلون حلول الدفع المرنة على الخدمات المصرفية التقليدية لتمويل نمط حياتهم.

وقد برزت المملكة العربية السعودية قائدة إقليمية بلا منازع في هذا المجال، حيث شهدت عام 2024 ارتفاعاً هائلاً بنسبة 164% في أقساط خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، ويعزى هذا النمو إلى الإقبال الكبير من المستهلكين، حيث يفضل أكثر من 40% من السكان هذه الخدمات، ما يشير إلى تحول جذري في كيفية تفاعل الجمهور السعودي مع قطاع التجزئة.

فما هي أسباب صعود هذه الخدمات؟ وما هو العلم الكامن وراء التأثير النفسي لها في إقبال المستهلكين عليها؟ وكيف تعمل أنماط التصميم الخادعة المدمجة فيها على تشجيع المستهلك على الإنفاق دون ضوابط؟ وكيف يمكن للوائح والقوانين الجديدة أن تعمل على حماية المستهلكين من الوقوع في فخ الديون؟

كيف تتجاوز تصاميم تطبيقات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" دفاعات الدماغ الطبيعية ضد الإنفاق؟

تعرف ذلك الشعور الغريب الذي يراودك وأنت تخرج محفظتك لتخرج منها ورقة من فئة الـ 500 ريال؟ ذلك الضيق الطفيف في صدرك أو التردد الذي يجعلك تفكر مرتين قبل أن تدفع؟

هذا ليس مجرد بخل أو حرص، بل ميكانيكية دفاعية قديمة جداً في أدمغتنا. إذ يقول علماء الأعصاب إن عقولنا تتعامل مع خروج المال من أيدينا كأنه جرح جسدي حقيقي يسمى علمياً باسم "ألم الدفع". لكن، لنتأمل ما تفعله بنا تطبيقات (اشترِ الآن وادفع لاحقاً).

إنها تعمل كمخدر موضعي لهذا الألم تماماً، فهي لا تبيع لك منتجاً فحسب، بل تبيع لدماغك خدعة بصرية. فعندما ترى هاتفاً يبلغ سعره 3,799 ريالاً سعودياً قد يصاب دماغك بالذعر فوراً، لكن عندما تقول لك شاشة الدفع: "ادفع 100 ريال فقط الآن" فإنه يبتلع الطعم.

هذه الشركات لا تقدم خدمات مالية فقط، إذ إن وراءها في الحقيقة مهندسين نفسيين يعرفون أننا كبشر نقدس 'الآن' ونستخف بـ 'الغد'. إنهم يفككون تلك اللحظة المقدسة التي كان فيها (ألم الدفع) يحمينا من الإفلاس، ويستبدلونها بجرعة سريعة من الدوبامين، لنستيقظ بعد أشهر ونحن نتساءل: كيف تراكمت هذه الديون التافهة كلها لتصبح جبلاً يهدد استقرارنا المالي؟"

ظاهرياً، تبدو الخدمة بمثابة ابتكار مالي رائع يتمثل في: دفعات دون فوائد، وموافقة سريعة، وإشباع فوري دون الوقوع في فخ الديون المفرطة، لكن وراء واجهة المستخدم المصقولة وخطابات التسويق البراقة تكمن عوامل مثيرة للقلق.

فعند الشراء عبر منصات الشراء الآن والدفع لاحقاً يتغير التسلسل العصبي، حيث تحصل على المنتج فوراً (ما يحفز إفراز الدوبامين في مراكز المكافأة في دماغك)، لكن الدفع مؤجل وغير ملموس ومجزأ، هذا الأمر لا يأتي صدفة.

بل يجرى تجريدك من آليات الدفاع البيولوجية المتمثلة في عبء دفع المبلغ كاملاً ومرة واحدة، من خلال ما يعرف في علم الاقتصاد السلوكي باسم "خصم التأخير"، وهي ظاهرة تتناقص فيها القيمة المدركة للمكافأة مع ازدياد التأخير في الحصول عليها.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟

وقد استغلت خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" هذه الظاهرة بطريقة مدروسة للغاية، حيث غالباً ما يعطي مصممو المنتجات في مجال التكنولوجيا المالية الأولوية لمفهوم "السلاسة"، وهو مصطلح يترجم في سياق الديون إلى إزالة علامات الموافقة الواعية من خلال أنماط تصميمية خادعة لاتخاذ قرارات قد لا تتخذها عادةً في الوضع الطبيعي.

إحدى الأدوات الرئيسية في هذا التلاعب هو مفهوم "التسلسل الهرمي البصري"، حيث يعرض الإجراء المستهدف -اختيار خيار الدفع المجزأ- بألوان عالية التباين، وفي مكان بارز. بينما يوضع خيار الدفع الكامل في مكان غير واضح أو يخفى ضمن قوائم فرعية.

كما تستخدم العديد من المنصات نمط ما يعرف باسم "فندق الصراصير" الذي يجعل الدخول في اتفاقية أقساط أمراً في غاية السهولة، بينما يصعب الخروج منها هيكلياً، مثال: في حين أن المستخدم قد يشترك في خطة دفع بنقرة واحدة، فإن عملية إلغاء تلك الخطة غالباً ما تتطلب التنقل عبر واجهات معقدة ومربكة عمداً.

هذه الأساليب كلها مجتمعة تشجع المستهلك على سلوك "عمى المنفعة" الذي يحدث عندما يفقد القدرة على تتبع إجمالي التزاماته المالية المتراكمة عبر منصات متعددة، حيث ينظر إلى كل قسط صغير ذهنياً على أنه مصروف ضئيل ومعزول بدلاً من كونه جزءاً من عبء ديون أكبر.

إذ تشير دراسة أجراها البنك المركزي الأيرلندي إلى أن مستخدمي هذه الخدمات ينفقون 4.39% أكثر عند استخدام الدفع المؤجل مقارنة بالشراء ببطاقة الخصم، والأمر الأكثر إثارة للقلق: يزداد احتمال إجرائهم عمليات شراء غير ضرورية بنسبة 22.2% عندما يعتقدون بتوفر رصيد "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" في المستقبل.

اقرأ أيضاً: لماذا 27% من خروقات البيانات عالمياً تستهدف شركات التكنولوجيا المالية؟ وكيف يمكن تجنبها؟

إلى أي مدى يغذي دمج التكنولوجيا المالية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي "ديون الطموح"؟

يتقاطع دمج التكنولوجيا المالية مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي في منصات التواصل الاجتماعي ليخلق بيئة استهلاكية تغذي ما يعرف باسم "ديون الطموح"، التي تنشئ شعوراً زائفاً بالقدرة على تحمل التكاليف، وتغري المستهلكين لشراء المزيد من السلع -أو أغلى- مما يحتاجون إليه أو يرغبون فيه.

وتعتمد هذه المنظومة على استغلال الضعف السلوكي للمستخدمين، لا سيما من خلال ظاهرة "الخوف من تفويت الفرص (فومو)"، حيث ترصد الخوارزميات الحالات العاطفية كالملل أو التوتر عبر تتبع أنماط التفاعل، ثم تروج لمحتوى "مريح" -مثل فيديوهات مشتريات المؤثرين- التي تبرز خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" كبوابة سهلة لنمط حياة مثالي ما يحفز الدماغ للحصول على جرعة فورية من الدوبامين دون الشعور بمرارة الدفع الكامل.

ومع تكرار هذه العملية، يقع المستخدم في فخ دوامة استهلاكية تعرف بـ "تأثير ديدرو"، حيث يؤدي اقتناء قطعة فاخرة واحدة عبر الدفع المجزأ إلى شعور بعدم كفاية الممتلكات الحالية، فيسعى المستهلك لشراء المزيد من السلع التكميلية للحفاظ على صورة جمالية أو هوية رقمية تتناسب مع معايير التواصل الاجتماعي.

هذا الاندفاع نحو الاستهلاك لا يتوقف عند الرغبة النفسية فقط، بل تدعمه ممارسات تصميم معينة في واجهات التطبيقات لتسهيل الوصول إلى أزرار تقسيط الدفع بجعلها أكثر بروزاً وجاذبية بصرياً من خيار الدفع الفوري، ما يوجه المستخدمين لا إرادياً نحو الضغط عليها في سبيل إرضاء طموحات استهلاكية وهمية.

كيف أحدثت خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" تغييراً جذرياً في "المحاسبة الذهنية" لدى البشر؟

يقع تأثير خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقاً" على منظومة المحاسبة الذهنية، حيث نصنف الأموال في فئات ذهنية (الإيجار، البقالة، الإنفاق التقديري) ونراقب كل فئة على حدة لدى المستهلك الرقمي، من خلال استغلال محدودية الذاكرة البشرية عبر تفتيت المبالغ الكبيرة إلى التزامات صغيرة متفرقة.

فعندما تتوزع المشتريات على منصات متعددة بتواريخ سداد مختلفة، ينهار نظام المراقبة المالية الداخلي للدماغ، ما يجعل المستهلك يدرك حجم إنفاقه رقمياً، لكنه لا يشعر بوطأته فعلياً، وهو أمر تعززه واجهات التطبيقات التي تتعمد إظهار الدفعة الحالية القليلة وتتجاهل كشف إجمالي الديون المتراكمة عبر المنصات المختلفة.

هذا التجزؤ المتعمد يخلق ما يسمى "وهم القدرة على تحمل التكاليف"، حيث يعتمد النظام على ثغرة نفسية تعرف بالخصم الزمني، وهي الميل لتمجيد المنفعة الفورية وتجاهل الأعباء المستقبلية.

فبدلاً من تقييم القدرة على دفع المبلغ كاملاً، ينحصر تفكير المستخدم في إمكانية توفير قسط بسيط بعد أسبوعين، ما يسهل عملية اتخاذ القرار ويجعل المستقبل يبدو بعيداً وغير مؤثر، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تراكم ديون غير مرئية تفوق القدرة الحقيقية على السداد.

هذا التراكم الخفي يضع المستهلك في حالة من الهشاشة المالية الحادة، حيث يجد نفسه عاجزاً عن تغطية أي حالة طارئة بسيطة قد تتطلب 100 ريال فقط ما يجعله عالقاً مالياً في دوامة من الديون غير المرئية، التي تبدأ بأقساط تافهة لا تشكل خطراً وتنتهي بانهيار الاستقرار المادي للأسرة.

اقرأ أيضاً: %84 من المدفوعات في دول الخليج رقمية: كيف أصبحت البنوك التقليدية أمام منافسة جديدة غير متوقعة؟

لماذا تعد القوانين واللوائح التنظيمية السبيل الوحيد لحماية المستهلكين؟

كان قطاع خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" سريع النمو غير خاضع للتنظيم إلى حد كبير، لكن هذا الوضع يتغير بسرعة، إذ يتجه المنظمون في معظم الدول إلى وضع قواعد طوعية وحتى قواعد صارمة ملزمة لسد الثغرات في حماية المستهلك، حيث تعمل هذه القواعد الجديدة كشبكة أمان أو تحديث للنظام، ولكنها في الوقت نفسه لا تمنع الابتكار بل ترسخ الضوابط اللازمة لحماية المستهلك.

على سبيل المثال، ألزم مصرف الإمارات المركزي بألا يتجاوز سقف الدين 20 ألف درهم أو دخل ثلاثة أشهر على الأقل، مع تقديم متطلبات صارمة للشفافية تلزم الشركات بالإفصاح المسبق عن الرسوم كافة وغرامات التأخير ومنع تراكم الالتزامات الخفية التي تهدد الاستقرار المالي للأفراد.

وبالمثل، أصدر كل من مصرفي السعودية وقطر المركزيين لوائح تحدد متطلبات الترخيص وفحوص القدرة على السداد ومعايير الإعلان لمقدمي خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، بما يضمن توسعاً مستداماً للخدمة من خلال حماية المقترضين من الإفراط في الاقتراض بدلاً من ترك الديون الخفية تتفاقم دون رادع.

ما الذي يمكنك فعله لتجنب الوقوع في فخ خدمات اشترِ الآن وادفع لاحقاً؟

بدأت بعض خدمات اشترِ الآن وادفع لاحقاً بالإبلاغ إلى مكاتب الائتمان، ما يعني أن التأخر في السداد قد يلحق ضرراً مباشراً بتصنيفك الائتماني. ولتجنب الوقوع في فخ هذه الخدمات ينبغي لك التعامل معها كديون رسمية، وليست مجرد خيار للدفع، بالإضافة الى اتباع عادات إنفاق استراتيجية، مثل:

  • قبل إتمام عملية الشراء أجّل القرار مدة 24 - 48 ساعة، للمساعدة على تحديد ما إذا كان المنتج يلبى حاجة حقيقية أم مجرد رغبة عابرة.
  • تجنب امتلاك خطط متعددة لدى مزودين مختلفين في الوقت نفسه، لتجنب الوقوع في فخ ديون يصعب سدادها.
  • لا تستخدم الخدمة أبداً للضروريات الأساسية مثل البقالة أو الإيجار أو فواتير الخدمات أو النفقات الطبية، إذ يعد الاعتماد عليها لتلبية الاحتياجات الأساسية مؤشراً رئيسياً على الهشاشة المالية.
  • تحقق من التكلفة الإجمالية، وقارن دائماً السعر النقدي مع إجمالي الأقساط جميعها لتحديد التكاليف الخفية.
  • فعل الدفع التلقائي من خلال مزود الخدمة لتجنب رسوم التأخير، والتي تعد مصدراً رئيسياً لإيرادات هذه الشركات.
  • راجع ميزانيتك المتوقعة للشهر ونصف القادمين قبل الاشتراك، للتأكد من قدرتك على سداد الأقساط كلها حتى في حال ظهور نفقات غير متوقعة.
  • إذا كنت من أصحاب الدخل المحدود وتحتاج إلى سلع أساسية، فابحث عن برامج مجتمعية محلية تقدم قروضاً مشروعة دون فوائد.
  • إذا كنت تعاني بالفعل ديون الشراء الآن والدفع لاحقاً، يمكنك التواصل مع مقدمي الخدمة لمناقشة برامج الصعوبات أو تمديدات الدفع، قد تقدم خيارات لتخفيف العبء الفوري عليك.

اقرأ أيضاً: ما هي التوجهات العالمية التي لا يمكن للبنوك تجاهلها في المال والتكنولوجيا؟

مفهوم الاحتكاك: ترددك قبل الشراء هو عقلك الذي يحاول حمايتك

هذه الضوابط كلها ضرورية لحماية المستهلك، ولكن الأهم هو إعادة مفهوم الاحتكاك كضرورة نفسية، والذي يعرف بأنه المقاومة الداخلية التي تواجهها عند اتخاذ قرار مالي، وبمعنى آخر هو لحظة التردد عند إدخال بيانات بطاقتك المصرفية.

وهو يعمل بمثابة درع حماية عند الإنفاق غير المدروس ويمنع القرارات المتهورة ويجبرك على التفكير ملياً وربط رغباتك قصيرة الأجل بالعواقب طويلة الأجل، والتي قضت عليها التكنولوجيا المالية بشكل منهجي من خلال نماذج الشراء الآن والدفع لاحقاً.

فهذه التغييرات لم يعد ينظر إليها على أنها ازدهار بشري، بل هي ضغوط مالية أكبر وسلوكيات تسوق قهرية متزايدة تفاقم عدم المساواة، ما جعل الملايين يعانون مالياً، خاصة في المجتمعات الضعيفة التي لا تشملها الجدارة الائتمانية أو شروط الاقتراض.

ومن ثم يعيد التنظيم الفعال من خلال اللوائح والقوانين الملزمة لخدمات الشراء الآن والدفع لاحقاً العوائق بطريقة صحية، فهو لا يمنع الشراء، بل يمنع الشراء دون تفكير. إذ يتطلب الأمر لحظة وجيزة من التفكير -التحقق من القدرة على السداد ومراجعة إجمالي الالتزامات- قبل اتخاذ قرار الشراء.

قد تبدو هذه اللحظات وكأنها عقبات، لكنها ليست كذلك إنها بمثابة ضوابط وتصحيحات ضرورية وتحديث للنظام يمنع استغلال المنصات، وفي الوقت نفسه يتيح استم

المحتوى محمي