ربما شاع مصطلح "الذكاء الاصطناعي العام" منذ أقل من 20 عاماً، لكن صناعة الأساطير التي تقف وراءه كانت موجودة منذ بداية عصر الكمبيوتر، وهي خلفية كونية من الموجات الميكروية من الجرأة والتسويق.
بدايات طموحة
تساءل آلان تورينغ عما إذا كان بإمكان الآلات أن تفكر بعد خمس سنوات فقط من بناء أول كمبيوتر إلكتروني، والذي حمل اسم "إينياك" (ENIAC)، في عام 1945. ولم يمر الكثير من الوقت حتى ظهر تورينغ بعد ذلك في بث إذاعي عام 1951 ليقول: "يبدو من المحتمل أنه بمجرد أن يرى أسلوب التفكير الآلي النور، لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يتفوق على قدراتنا الضعيفة. لن يكون هناك مجال لموت الآلات، وستكون قادرة على التواصل بعضها مع بعض لشحذ ذكائها. لذا يجب علينا أن نتوقع في مرحلة ما أن تتولى الآلات زمام الأمور".
ثم، في عام 1955، تقدم عالم الكمبيوتر جون مكارثي وزملاؤه بطلب للحصول على تمويل من الحكومة الأميركية لإنشاء ما اختاروا أن يطلقوا عليه اسم "الذكاء الاصطناعي"، وهي محاولة ذكية بالنظر إلى أن أجهزة الكمبيوتر في ذلك الوقت كانت بحجم غرفة وغبية مثل منظم الحرارة. ومع ذلك، كما كتب مكارثي في طلب التمويل: "سنجري محاولة لإيجاد طريقة لجعل الآلات تستخدم اللغة، وتستطيع تكوين التجريدات والمفاهيم، وتحل أنواعاً من المشاكل التي هي الآن حكر على البشر، وتحسن قدراتها الذاتية".
هذه الأسطورة هي أساس مؤامرة الذكاء الاصطناعي العام. فالآلة الأذكى من البشر التي يمكنها تنفيذ كل شيء ليست تكنولوجيا، بل حلماً منفصلاً عن الواقع. وبمجرد أن تدرك ذلك، تبدأ أوجه التشابه الأخرى مع نظرية المؤامرة بالظهور.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثّر تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي في إبداعنا البشري؟
من المستحيل دحض فكرة تتخذ أشكالاً مختلفة مثل الذكاء الاصطناعي العام
قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام في بعض الأحيان أشبه بالجدال مع أحد المتحمسين على موقع ريديتور حول ماهية الأدوية (أو الجسيمات في السماء) التي تتحكم في عقلك. فكل فكرة لها وجهة نظر مضادة تحاول تقويض فهمك لما هو صحيح. إنه في النهاية صراع بين وجهات النظر، وليس تبادلاً للمنطق القائم على الأدلة. الذكاء الاصطناعي العام هو كذلك أيضاً، فهو مصطلح غامض.
يكمن جزء من المشكلة في أنه على الرغم من كل الأموال والكلام الكثير، لا أحد يعرف كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي العام. بل أكثر من ذلك: فمعظم الناس لا يتفقون حتى على ماهية الذكاء الاصطناعي العام، وهو ما يساعد على تفسير قدرة الناس على التهرب من القول إنه قادر على إنقاذ العالم وإنهائه في آن واحد. ستجد في صميم معظم التعريفات فكرة الآلة التي يمكن أن تضاهي البشر في مجموعة واسعة من المهام المعرفية. (وتذكر أن الذكاء الفائق يمثل الترقية الجديدة اللامعة للذكاء الاصطناعي الخارق: آلة يمكنها أن تتفوق علينا) ولكن حتى هذا يسهل تحليله: عن أي بشر نتحدث؟ أي نوع من المهام المعرفية نقصد؟ وما مدى اتساع نطاقه؟
يقول كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة ليريو الناشئة في مجال الرعاية الصحية بالذكاء الاصطناعي والرئيس السابق لقسم علوم الكمبيوتر والرياضيات في مختبر أوك ريدج الوطني، كريستوفر سيمونز: "لا يوجد تعريف دقيق له. إذا قلت ’ذكاء يضاهي ذكاء الإنسان‘، فقد يعني ذلك عدداً لا حصر له من مستويات الذكاء، فمستوى الذكاء يختلف قليلاً باختلاف الأشخاص".
اقرأ أيضاً: ما هي الموجة الثانية من البرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي التي نعيشها حالياً؟
وهكذا، يقول سيمونز، نحن منخرطون في هذا السباق الغريب لبناء ماذا تحديداً؟ "ما الذي تحاولون تحقيقه؟"
في عام 2023، عمل فريق من الباحثين في جوجل ديب مايند، بمن فيهم ليغ، على تصنيف التعريفات المختلفة التي اقترحها الناس للذكاء الاصطناعي العام. قال البعض إن الآلة يجب أن تكون قادرة على التعلم؛ وقال البعض الآخر إنها يجب أن تكون قادرة على كسب المال؛ وقال البعض إنها يجب أن يكون لها جسم وتتحرك في العالم الفيزيائي (وربما تصنع القهوة).
أخبرني ليغ أنه عندما اقترح المصطلح على غورتزل ليكون عنواناً لكتابه، كان الغموض جزءاً مقصوداً من الفكرة. "لم يكن لدي تعريف واضح على وجه الخصوص، ولم أشعر بأن ذلك ضروري حقاً"، على حد قوله في ذلك الوقت. وأضاف: "كنت في الواقع أفكر فيه أكثر على أنه مجال للدراسة، لا على أنه كيان محدد".
لذا، أعتقد أننا سنعرفه عندما نراه! المشكلة هي أن بعض الناس يعتقدون أنهم رأوه بالفعل.
في عام 2023، نشر فريق من باحثي مايكروسوفت ورقة بحثية وصفوا فيها تجاربهم في تجربة نسخة تجريبية من نموذج اللغة الكبير جي بي تي 4 من أوبن أيه آي. وقد أطلقوا عليها اسم"لمحات الذكاء الاصطناعي العام"، وقد أحدثت هذه الورقة البحثية جدلاً واسعاً في هذا المجال.
لقد كانت لحظة ذهل فيها الكثير من الباحثين الذين كانوا يحاولون التأقلم مع ما كانوا يرونه. يقول غورتزل: "كانت الأمور تسير على نحو أفضل مما توقعوا، وبدأ مفهوم الذكاء الاصطناعي العام يبدو منطقياً أكثر".
مع ذلك، وعلى الرغم من كل التلاعب اللغوي الرائع الذي برعت به النماذج اللغوية الكبيرة، لا يعتقد غورتزل أنها تحتوي بالفعل على لمحات الذكاء الاصطناعي العام. يقول غورتزل: "من المدهش بعض الشيء بالنسبة لي أن بعض الأشخاص الذين لديهم فهم تقني عميق لكيفية عمل هذه الأدوات لا يزالون يعتقدون أنها يمكن أن تصبح ذكاء اصطناعياً عاماً يضاهي الذكاء البشري. من ناحية أخرى، لا يمكن إثبات عدم صحة ذلك".
اقرأ أيضاً: نأسف لتخييب آمالكم: الذكاء الاصطناعي لن يصلح التغير المناخي
وهذا هو الأمر بوضوح: لا يمكن إثبات عدم صحة ذلك. يقول فالور من جامعة إدنبرة: "إن فكرة أن الذكاء الاصطناعي العام قادم، وأنه قاب قوسين أو أدنى، وأنه أمر حتمي، قد سمحت بالكثير من الانفصال عن الواقع. لكننا في الحقيقة لا نملك أي دليل على ذلك".
يعود التفكير المؤامراتي ليخيم من جديد. يجري طرح التنبؤات بشأن موعد ظهور الذكاء الاصطناعي العام بدقة تشبه دقة تنبؤات المنجمين بنهاية العالم. ونظراً لعدم وجود رهانات حقيقية على الطاولة، فإن المواعيد النهائية تأتي وتذهب بلا مبالاة. تختلق الأعذار وتعدل الجداول الزمنية مرة أخرى.
شهدنا ذلك عندما أطلقت أوبن أيه آي الإصدار جي بي تي 5 الذي حظي بدعاية واسعة هذا الصيف. فقد شعر عشاق الذكاء الاصطناعي بخيبة أمل لأن الإصدار الجديد من تكنولوجيا الشركة الرائدة لم يحدث القفزة المتوقعة. ولكن بدلاً من اعتبار ذلك دليلاً على استحالة تحقيق الذكاء الاصطناعي العام -أو استحالة تحقيقه باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة على الأقل- عمد المؤمنون بالفكرة إلى تأجيل توقعاتهم بشأن مدى قرب ظهور الذكاء الاصطناعي العام. فهو سيظهر في المرة القادمة بالنسبة لهم.
ربما هم على حق، أو ربما سيختار الناس أي دليل متاح للدفاع عن فكرة ما ويتجاهلون الأدلة التي تعتبر ضدها. يسمي جيريمي كوهين، الذي يدرس التفكير التآمري في الأوساط التكنولوجية في جامعة ماكماستر بكندا، ما يجري بأنه قصور في جمع الأدلة، وهو سمة مميزة للتفكير التآمري.
وقد بدأ كوهين مسيرته البحثية في صحراء أريزونا، حيث درس جماعة تدعى "بيبول أنليميتد" كانت تعتقد أن أفرادها خالدون. كانت هذه القناعة عصية على الأدلة المخالفة. وعندما توفي أعضاؤها لأسباب طبيعية (ومنهم اثنان من مؤسسيها)، كان الاعتقاد السائد هو أنهم يستحقون ذلك. يقول كوهين: "كان الإجماع العام هو أن كل وفاة كانت انتحاراً. فإذا كنت خالداً وأصبت بالسرطان ومت، فلا بد أنك ارتكبت خطأ ما".
اقرأ أيضاً: جوجل ديب مايند ترغب في وضع تعريفها الخاص للذكاء الاصطناعي العام
منذ ذلك الحين، ركز كوهين على نظرية ما بعد الإنسانية (فكرة مفادها أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد البشر على تجاوز حدودهم الطبيعية) والذكاء الاصطناعي العام. يقول كوهين: "أرى الكثير من أوجه التشابه. ثمة أشكال من التفكير السحري التي أعتقد أنها جزء من الخيال الشائع حول الذكاء الاصطناعي العام. إنها تتوافق تماماً مع أنواع المعتقدات التي نراها في التفكير التآمري اليوم".
المؤمنون يدركون سر الذكاء الاصطناعي العام
ربما يظن بعضكم أنني أحمق: أنتم لا تفهمون الأمر إطلاقاً. لكن هذه وجهة نظري إلى حد ما. هناك من يعملون داخل الشركات وهناك من هم خارجها. وعندما أتحدث إلى الباحثين أو المهندسين الذين يسعدهم أن يدرجوا الذكاء الاصطناعي العام في النقاش على أنه أمر مسلم به، يبدو أنهم ربما يعرفون شيئاً لا أعرفه. لكن لم يتمكن أحد قط من إخباري بماهية هذه الفكرة.
الحقيقة موجودة، إن عرفت أين تبحث. يخبرني كوهين أن نظريات المؤامرة تهتم في المقام الأول بالكشف عن حقيقة خفية، ويقول: "إنه جزء أساسي من التفكير في المؤامرة، وهذا أمر واضح تماماً في الطريقة التي يتحدث بها الناس عن الذكاء الاصطناعي العام".
في العام الماضي، نشر موظف سابق في شركة أوبن أيه آي يبلغ من العمر 23 عاماً، تحول فيما بعد إلى مستثمر، يدعى ليوبولد أشنبرنر، بياناً مفصلاً من 165 صفحة بعنوان "الوعي السياقي". لا حاجة إلى قراءته لفهم الفكرة: إما أن ترى حقيقة ما هو آت أو لا تراها. ولست في حاجة إلى حقائق مجردة وصارمة أيضاً، يكفي أن تشعر بها. أما من لم يشعر بها، فلم ير النور بعد.
خيمت هذه الفكرة على هامش حديثي مع غورتزل أيضاً. فعندما سألته عن سبب تشكيك الناس في الذكاء الاصطناعي العام، على سبيل المثال، قال: "قبل كل إنجاز تقني كبير، من الطيران البشري إلى الطاقة الكهربائية، كان الكثير من النقاد الحكماء يقولون لك لماذا لن يحدث ذلك أبداً. لكن الحقيقة هي أن معظم الناس لا يصدقون إلا ما يرونه أمامهم".
اقرأ أيضاً: أوبن إيه آي تعمل على مبادرة لمنع الذكاء الاصطناعي الفائق من الخروج عن سيطرة البشر
هذا يجعل الذكاء الاصطناعي العام يبدو كأنه عقيدة راسخة. لقد طرحت ذلك على كروغر، الذي يعتقد أن ظهور الذكاء الاصطناعي العام قد يكون بعد خمس سنوات. فقال ساخراً: "أعتقد أن هذا أمر عكسي تماماً" بالنسبة له، فإن العقيدة الراسخة هي الفكرة التي مفادها أن ذلك لن يحدث، المشككون هم الذين يستمرون في إنكار ما هو بدهي. (ومع ذلك، فهو يبدي تحفظه: لا أحد يعرف على وجه اليقين، كما يقول، ولكن لا يوجد سبب واضح يمنع ظهور الذكاء الاصطناعي العام).
الحقائق الخفية تثير الباحثين عن الحقيقة، العازمين على كشف ما يعتقدون أنهم رأوه منذ البداية. لكن مع الذكاء الاصطناعي العام، لا يكفي مجرد كشف ما هو مستتر؛ فهنا، يتطلب الكشف إبداعاً غير مسبوق. إذا كنت تؤمن بإمكانية تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، فأنت بذلك تؤمن بأن من يصنعونه هم القادرون على تطوير آلات تضاهي الذكاء البشري أو تتجاوزه. يقول فالور: "من الواضح أن فكرة ولادة نوع خارق من الآلات هي فكرة تلامس الغرور البشري بقوة، إنها فكرة شديدة الإغراء أن تعتقد بأنك تضع بنفسك الأساسات الأولى لهذا التفوق".
إنه تداخل آخر مع طريقة تفكير نظريات المؤامرة. فجزء من الجاذبية يكمن في الرغبة بإيجاد معنى وغاية في عالم فوضوي قد يبدو بلا مغزى، أي التوق إلى أن تكون شخصاً ذا تأثير.
يقول كروغر، المقيم في بيركلي، إنه يعرف أشخاصاً يعملون في مجال الذكاء الاصطناعي يرون أن هذه التكنولوجيا هي خليفتنا الطبيعية. ويقول: "إنهم ينظرون إليها على أنها أقرب إلى إنجاب الأطفال أو شيء من هذا القبيل. ملاحظة جانبية: هم عادة لا ينجبون أطفالاً".
اقرأ أيضاً: ماذا سيحدث لو تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟
الذكاء الاصطناعي العام سيكون منقذنا الحقيقي الوحيد (أو سيجلب نهاية العالم)
يرى كوهين أوجه تشابه بين العديد من نظريات المؤامرة الحديثة وحركة "العصر الجديد"، التي وصلت إلى ذروة تأثيرها في السبعينيات والثمانينيات. فقد اعتقد أتباعها أن البشرية كانت على أعتاب حقبة من الرفاهة الروحية والوعي الموسع الذي من شأنه أن يبشر بعالم أكثر سلاماً وازدهاراً. باختصار، كانت الفكرة هي أنه من خلال الانخراط في مجموعة من الممارسات شبه الدينية، بما في ذلك التنجيم والعناية الدقيقة بالبلورات، سيتجاوز البشر حدودهم ويدخلون نوعاً من اليوتوبيا الهيبية.
صناعة التكنولوجيا اليوم مبنية على الحوسبة، لا على البلورات، لكن إدراكها للمخاطر لا يقل عنها أهمية، يقول كوهين: "كما تعلمون، هذه الفكرة مفادها حدوث هذا التحول الجذري، والتحول نحو الألفية الجديدة، حيث سينتهي بنا المطاف في مستقبل تكنولوجي مثالي. إضافة إلى فكرة أن الذكاء الاصطناعي العام سيتيح للبشرية في نهاية المطاف التغلب على المشاكل التي تواجهنا".
في رأي الكثير من الناس، سيظهر الذكاء الاصطناعي العام فجأة. سيتراكم التقدم المتدرج في مجال الذكاء الاصطناعي حتى يأتي يوم يصبح فيه الذكاء الاصطناعي جيداً بما يكفي ليبدأ صنع ذكاء اصطناعي أفضل من تلقاء نفسه. عند هذه اللحظة، التي تعرف باسم "البداية السريعة للتفوق الكاسح" أو "فووم" (FOOM) اختصاراً، سيتسارع التقدم بوتيرة هائلة لدرجة أن الذكاء الاصطناعي العام سيصل إلى ما يسمى غالباً مرحلة انفجار الذكاء، ما يؤدي إلى نقطة اللاعودة المعروفة باسم "التفرد"، وهو مصطلح غريب شاع استخدامه في أوساط الذكاء الاصطناعي العام منذ سنوات. استعار كاتب الخيال العلمي فيرنور فينج فكرة "التفرد التكنولوجي" من مفاهيم الفيزياء، وقدمها أول مرة في الثمانينيات. وقد تخيل فينج أفقاً حدثياً على مسار التقدم التكنولوجي، ستتجاوز الآلات فيه البشر بفضل تطورها الذاتي المتسارع.
يمكننا تسمية هذه اللحظة بـ "الانفجار الكبير للذكاء الاصطناعي"، وهو تشبيه يعيدنا مرة أخرى إلى مفهوم زمني يقسم التاريخ إلى مرحلة سابقة ومرحلة لاحقة، لحظة سامية تتغير فيها البشرية كما نعرفها إلى الأبد (سواء للأفضل أو للأسوأ). تقول غريس من منظمة أيه آي إمباكتس: "يتخيل الناس هذه اللحظة على أنها حدث مصيري".
بالنسبة لفالور، فإن هذا النظام العقائدي يتميز في الطريقة التي حل فيها الإيمان بالتكنولوجيا محل الإيمان بالبشر. وعلى الرغم من هذه الخرافات، فإن التفكير في العصر الجديد كان مدفوعاً على الأقل بفكرة أن الناس يمتلكون القدرة على تغيير العالم بأنفسهم، إذا تمكنوا من استثمارها فحسب. ويقول: "مع السعي وراء الذكاء الاصطناعي العام، تخلينا عن هذه الثقة بالنفس وتبنينا فكرة أن التكنولوجيا وحدها هي القادرة على إنقاذنا".
إنها فكرة مقنعة، بل ومطمئنة لكثير من الناس. يقول فالور: "نحن في عصر يبدو فيه أن السبل الأخرى لتحسين حياة البشر ومجتمعاتنا مادياً قد استنفدت".
اقرأ أيضاً: بيل غيتس يطمئنك: لا تقلق من الذكاء الاصطناعي
لقد وعدت التكنولوجيا ذات يوم بمستقبل أفضل: كان التقدم سلماً نصعده نحو الازدهار الإنساني والاجتماعي. يقول فالور: "لقد تجاوزنا ذروة ذلك. أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمنح الكثير من الناس الأمل والعودة إلى هذا النوع من التفاؤل بشأن المستقبل هو الذكاء الاصطناعي العام".
يقول فالور: "إذا استكشفنا خلاصة هذه الفكرة، يظهر الذكاء الاصطناعي العام مرة أخرى بمثابة تكنولوجيا ذات قدرات خارقة، تكنولوجيا خارقة بإمكانها توفير الخلاص من معاناة حياتنا على الأرض".
ترى عالمة الاجتماع في جامعة نورث كارولينا، التي تدرس كيفية تشكيل المعتقدات الثقافية والسياسية والاقتصادية طريقة تفكيرنا في التكنولوجيا واستخدامنا لها، كيلي جويس، أن هذه التنبؤات الجامحة بشأن الذكاء الاصطناعي العام كلها مجرد أمر عادي: جزء من نمط طويل الأمد من المبالغة في الوعود التي تقدمها صناعة التكنولوجيا. وتقول: "ما يثير اهتمامي هو أننا ننجرف في كل مرة. ثمة اعتقاد راسخ بأن التكنولوجيا أفضل من البشر".
تعتقد جويس أن هذا هو السبب في أن الناس يميلون إلى تصديق ذلك عند تصاعد الضجيج الإعلامي. وتقول: "إنها ديانة. نحن نؤمن بالتكنولوجيا؛ التكنولوجيا تتمتع بقدرات خارقة، ومن الصعب حقاً مقاومتها؛ فالناس لا يريدون سماع ذلك".
اقرأ أيضاً: تعرف على الذكاء الاصطناعي الذي يعرف كل شيء بفضل قراءة الويب بلا توقف
كيف سيطر الذكاء الاصطناعي العام على قطاع بأكمله؟
إن وهم قدرة أجهزة الكمبيوتر على فعل أي شيء يفعله الإنسان تقريباً أمر مغر. ولكن مثل العديد من نظريات المؤامرة المنتشرة، فإن لهذا الوهم عواقب وخيمة. فقد شوه نظرتنا إلى المخاطر الكامنة وراء الطفرة التكنولوجية الحالية (والكساد المحتمل)، بل ربما يكون قد أعاق الصناعة، مستنزفاً الموارد بعيداً عن التطبيق العملي الأكثر إلحاحاً للتكنولوجيا. والأهم من ذلك، أن هذا الأمر يمنحنا حرية التكاسل. إنه يخدعنا ويدفعنا نحو الاعتقاد بأننا قد نكون قادرين على تجنب العمل الشاق اللازم لحل المشاكل العالمية المستعصية، وهي مشاكل تتطلب تعاوناً وتوافقاً دوليين ومساعدات باهظة الثمن. لماذا نهتم بذلك بينما سيكون لدينا قريباً آلات تحلها بالنيابة عنا؟
تأمل الموارد المستثمرة في هذا المشروع الكبير. في الشهر الماضي فقط، أعلنت أوبن أيه آي وإنفيديا عن شراكة تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار ستمكن عملاق الرقاقات من توفير ما لا يقل عن 10 غيغا واط من الطلب المتزايد على تشات جي بي تي. هذا يفوق قدرات محطات الطاقة النووية. قد تطلق صاعقة من البرق هذا القدر من الطاقة. لم يتطلب مكثف التدفق داخل آلة الزمن "ديلوريان" الخاصة بالدكتور إيميت براون سوى 1.2 غيغا واط لإرسال مارتي إلى المستقبل. وبعد ذلك بأسبوعين فقط، أعلنت أوبن أيه آي عن شراكة ثانية مع شركة أيه إم دي لصناعة الرقاقات الإلكترونية لتوفير 6 غيغا واط إضافية من الطاقة.
وفي معرض ترويج ألتمان لصفقة إنفيديا على قناة سي إن بي سي، الذي كان صريحاً في حديثه عن هذه الصفقة، ادعى أنه من دون هذا النوع من بناء مراكز البيانات، سيتعين على الناس الاختيار بين علاج السرطان والتعليم المجاني. وقال: "لا أحد يرغب في اتخاذ هذا الخيار". (بعد أسابيع قليلة فقط، أعلن أن الدردشات الإباحية ستضاف إلى تشات جي بي تي).
أضف إلى هذه التكاليف خسارة الاستثمار في التكنولوجيا الأكثر إلحاحاً التي يمكن أن تغير حياة الناس اليوم وغداً وبعد غد. يقول سيمونز من شركة ليريو: "بالنسبة لي، إن توظيف هذه الموارد كلها في حل مسألة غامضة في حين أننا نعلم بالفعل أن ثمة مشاكل حقيقية يمكننا حلها، يمثل فرصة كبيرة ضائعة".
لكن ليس هذا ما ينبغي لشركات مثل أوبن أيه آي أن تعمل به. يقول سيمونز: "لا يتعين على الشركات فعل ذلك في ظل الأموال الطائلة كلها التي ينفقها الناس عليها. إذا كان لديك مئات المليارات من الدولارات، فلست مضطراً إلى التركيز على مشروع عملي قابل للحل".
على الرغم من إيمان كروغر الراسخ بأن الذكاء الاصطناعي العام في طريقه إلى الظهور، يعتقد أيضاً أن سعي الصناعة الحثيث نحوه يعني تجاهل الحلول المحتملة للمشاكل الحقيقية، مثل تحسين الرعاية الصحية. يقول لي: "هذا الكلام عن الذكاء الاصطناعي العام محض هراء، إنه مجرد تشتيت، إنه مجرد دعاية".
اقرأ أيضاً: هل نحن أمام مخاطر وجودية فعلاً من الذكاء الاصطناعي؟
كما أن ثمة عواقب على الطريقة التي تدعم بها الحكومات التكنولوجيا وتنظمها (أو لا تدعمها). تخشى تينا لو، التي تدرس سياسات التكنولوجيا في جامعة كاليفورنيا ديفيس، أن يتعرض صانعو السياسات لضغوط بشأن الطرق التي سيقضي بها الذكاء الاصطناعي علينا يوماً ما، بدلاً من معالجة المخاوف الحقيقية بشأن كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في حياة الناس بطرق فورية ومادية اليوم. لقد أقصيت مشكلة التفاوت عن مسارها الرئيسي بفعل المخاطر الوجودية.
تقول لو: "الضجيج الإعلامي استراتيجية مربحة لشركات التكنولوجيا. ويكمن جزء كبير من هذا الضجيج في فكرة مفادها أن ما يحدث هو أمر حتمي: إذا لم نطوره نحن، فسيطوره غيرنا. تقول لو: "عندما يصور أمر ما على أنه حتمي، لا يشك الناس في وجوب مقاومته فحسب، بل أيضاً يشكون في قدرتهم على ذلك". ويعلق الجميع في دوامة من الترقب.
يقول ميلتون مولر من معهد جورجيا للتكنولوجيا، الذي يعمل على سياسات التكنولوجيا وتنظيمها، إن مجال تشويه الذكاء الاصطناعي العام لا يقتصر على سياسات التكنولوجيا. ويقول إن السباق نحو الذكاء الاصطناعي العام يشبه السباق نحو تطوير القنبلة الذرية. يضيف مولر: "لذا، من يحصل عليه أولاً سيمتلك السلطة المطلقة على الجميع. هذه فكرة مجنونة وخطيرة ستؤدي حقاً إلى تشويه نهجنا في السياسة الخارجية".
يقول مولر إن ثمة حافزاً تجارياً للشركات (والحكومات) للترويج لأسطورة الذكاء الاصطناعي العام، إذ بإمكانها عندئذ الادعاء بأنها ستكون أول من يتمكن من تحقيقه. ولكن نظراً لأن هذه الشركات تخوض سباقاً لم يتفق فيه أحد على خط النهاية، فإن هذه الأسطورة قابلة للترويج ما دامت مفيدة، أو ما دام المستثمرون على استعداد لتصديقها.
ليس من الصعب أن نتوقع مآل الأحداث، فالمحصلة لن تكون المدينة الفاضلة ولا الجحيم، بل أرباحاً هائلة تجنيها أوبن أيه آي وأقرانها.
اقرأ أيضاً: بوتات الأخبار المزيفة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي: هل تنجح مكافحتها باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه؟
ختاماً: مؤامرة الذكاء الاصطناعي العام الكبرى
ولعل هذا يعيدنا إلى موضوع المؤامرة برمته، وإلى تطور مفاجئ في هذه القصة. لقد تجاهلنا حتى الآن سمة شائعة من سمات التفكير التآمري: وجود مجموعة من الشخصيات النافذة التي تتحكم في زمام الأمور خلف الكواليس، وأنه من خلال البحث عن الحقيقة، يمكن للمؤمنين أن يفضحوا هذه العصابة النخبوية.
بالتأكيد، لا يتهم الناس الذين يشعرون بالذكاء الاصطناعي العام علناً أي قوة شبيهة بالمتنورين أو المنتدى الاقتصادي العالمي بمنع ظهور الذكاء الاصطناعي العام في المستقبل أو حجب أسراره.
ولكن ماذا لو كان ثمة، في الواقع، محركون سريون هنا، وهم الأشخاص أنفسهم الذين روجوا لمؤامرة الذكاء الاصطناعي العام بأقصى ما لديهم من قوة طوال الوقت؟ يكرس ملوك وادي السيليكون كل ما في وسعهم لبناء الذكاء الاصطناعي العام لتحقيق الأرباح. فأسطورة الذكاء الاصطناعي العام تخدم مصالحهم أكثر من أي شخص آخر.
كما قال لنا أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في إحدى شركات الذكاء الاصطناعي مؤخراً، يجب أن يكون ظهور الذكاء الاصطناعي العام على بعد ستة أشهر إلى سنة على الدوام، لأنه إذا كان أبعد من ذلك، فلن تتمكن من توظيف أشخاص من شركة جين ستريت للتداول الكمي، وإذا كان أقرب إلى الظهور في أي لحظة، فما الفائدة؟
كما يقول فالور: "إذا قالت أوبن أيه آي إنها تبني آلة من شأنها أن تجعل الشركات أقوى مما هي عليه اليوم، فلن تحصل على نوع التأييد العام الذي تحتاج إليه".
تذكر: عندما تصنع كياناً خارقاً فإنك تتحول بدورك إلى شبيه بالكيان الخارق. يقول كروغر إن ثمة تياراً فكرياً منتشراً في وادي السيليكون، يرى في بناء الذكاء الاصطناعي وسيلة للاستئثار بقدر هائل من السلطة. (إنه أحد منطلقات كتاب "الوعي السياقي" لأشينبرينر على سبيل المثال) يقول كروغر: "كما تعلمون، سنمتلك هذه القوة الخارقة وسيتعين علينا معرفة ما يجب أن نفعله بها. يعتقد الكثير من الناس أنهم إذا بلغوا هذه المرحلة أولاً، فسيمكنهم عملياً السيطرة على العالم".
اقرأ أيضاً: ذكاء واع أو وهمي: ماذا يعلمنا لامدا حول التصرف البشري عند التفاعل مع الذكاء الاصطناعي؟
ويضيف: "إنهم يبذلون الكثير من الجهد في الترويج لرؤيتهم مستقبلاً يتضمن الذكاء الاصطناعي العام، وهم يحققون قدراً كبيراً من النجاح لأنهم يتمتعون بقدر كبير من النفوذ".
يكاد غورتزل، من ناحيته، يظهر حسرته على مدى نجاح عصابة المتفائلين بالذكاء الاصطناعي العام. حتى إنه بدأ في الواقع يفتقد إلى أيام الحياة على الهامش. يقول: "في جيلي، كنت في حاجة إلى رؤية ثاقبة كي ترغب في العمل على الذكاء الاصطناعي العام، وكان عليك التحلي بالعناد الشديد. أما الآن فقد أصبح الأمر أشبه بما تنصحك به جدتك كي تحصل على وظيفة بدلاً من دراسة إدارة الأعمال".
ويقول: "إنه لأمر مربك أن هذه الأمور قد حظيت بهذا القبول الواسع. إنها تثير في الرغبة حتى في الانتقال للعمل على مجال آخر لا يقبل عليه الكثيرون". ويقول مازحاً (على ما أعتقد): "من الواضح أن وضع اللمسات الأخيرة على الذكاء الاصطناعي العام أهم من إشباع رغبتي الشخصية في أن أخوض مجالات غير مستكشفة".
ولكنني لا أفهم ما الذي يضعون اللمسات الأخيرة عليه بالضبط. ما عواقب انسياقنا وراء هذه الخرافات على هذا النحو في التكنولوجيا عموماً؟ أعتقد، من نواح عديدة، أن فكرة الذكاء الاصطناعي العام برمتها مبنية على نظرة مشوهة لما ينبغي أن نتوقعه من التكنولوجيا، بل حتى لماهية الذكاء نفسه من الأساس. إذا تناولنا صميم الفكرة، نجد أن حجة الذكاء الاصطناعي العام تستند إلى فرضية مفادها أن تكنولوجيا واحدة، وهي الذكاء الاصطناعي، قد تحسنت وتطورت بسرعة هائلة، وستستمر في التحسن. ولكن إذا وضعنا جانباً الاعتراضات التقنية -ماذا لو لم تستمر في التحسن؟- فما يتبقى لديك هو الادعاء بأن الذكاء سلعة يمكنك الحصول على المزيد منها إذا كانت لديك البيانات المناسبة، أو قدرات الحوسبة المناسبة، أو الشبكات العصبونية المناسبة. وهذا ليس صحيحاً البتة.
فالذكاء ليس مقداراً كمياً يمكنك زيادته تدريجياً. قد يكون الأشخاص الأذكياء بارعين في مجال معين، وغير بارعين في مجالات أخرى. فبعض الحاصلين على جائزة نوبل سيئون جداً في العزف على البيانو أو رعاية أطفالهم. ويصر بعض الأشخاص الأذكياء جداً على أن الذكاء الاصطناعي العام سيظهر في العام المقبل.
اقرأ أيضاً: مصطفى سليمان: طورت اختبار تورينغ لمعرفة قدرة الذكاء الاصطناعي على جني مليون دولار
من الصعب ألا نتساءل: ما الذي سيسيطر علينا بعد ذلك؟
قبل أن ننهي مكالمتنا، أخبرني غورتزل عن فعالية كان قد حضرها مؤخراً في سان فرانسيسكو حول وعي الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الماورائي: "الإدراك فوق الحسي والاستبصار وما إلى ذلك".
وقال: "هكذا كان الذكاء الاصطناعي العام قبل 20 عاماً. يعتقد الجميع أنه ضرب من الجنون".
هذا المقال هو الجزء الثاني من المقال عصر المؤامرة الرقمية: كيف أصبح الذكاء الاصطناعي العام أسطورة القرن؟