لماذا يحتاج القادة إلى التواضع الرقمي اليوم؟

6 دقيقة
لماذا يحتاج القادة إلى التواضع الرقمي اليوم؟
حقوق الصورة: envato.com/ hiv360

في بيئات العمل اليوم، لم يعد من الممكن (ولا من المتوقع) أن تمتلك الإجابات جميعها، فالحقيقة أن كثيراً من القادة اليوم لم يتلقوا تدريباً على قيادة عالم تحكمه الخوارزميات، وهنا يكمن سر قوتك الجديدة: "التواضع الرقمي". هذا المفهوم ليس مجرد صفة نبيلة بل هو "نظام تشغيل" حديث ي…

يتصدر الرئيس التنفيذي ذو الخبرة الكبيرة في شركتك قاعة الاجتماعات، ويبدو مركزاً في الاستماع لشرح مفصل لمشروع ما ويومئ برأسه، بينما يقدم أحد موردي حلول الذكاء الاصطناعي اعرضاً تقديمياً مليئاً بالمعلومات عن الذكاء الاصطناعي الكمومي التي لا يفهمها تماماً.

وفي الجانب الآخر من الغرفة، يجلس أصغر شخص عمراً -عالم بيانات يبلغ من العمر 33 عاماً- يراقب الموقف ويرى الفجوة الدقيقة بين إيماءاته المؤكدة والجدوى التقنية الفعلية للعرض، ويعلم أن فيه بعض الثغرات ويمكنه التدخل لإنقاذ الشركة من المخاطر، لكنه يلتزم الصمت. لماذا؟

لأن لغة جسد الرئيس التنفيذي تقول: "أنا أعرف كل شيء"، وفي الوقت نفسه ثقافة الشركة تخبر الجميع بأن الأقدمية مرادفة للعصمة من الخطأ، وبصفتك قائداً ومديراً ربما قد مررت بهذا الموقف من قبل أو كنت قريباً منه، حيث يفترض الجميع أنك تعرف كل شيء لأن منصبك يوحي بذلك.

لكن الحقيقة هي: لم يعلم أحدٌ جيلك كيفية القيادة في عالم تحكمه الخوارزميات والتغيير المستمر، وفي بيئة الأعمال الحديثة المتسارعة، قد يكون التظاهر بالمعرفة خطأً استراتيجياً مكلفاً، وهنا تبرز أهمية ممارسة مهارة التواضع الرقمي والتحلي بالقدرة على "الاعتراف بما لا تعرفه"، والاستعداد للتعلم والاستماع والسماح لأفراد الفرق بتشكيل مستقبل مؤسستك معرفياً وتقنياً.

ما هو التواضع الرقمي؟

التواضع الرقمي في مفهومه القيادي هو أحد أكثر المواقف شجاعة التي يمكن أن يتخذها القائد، هو اعتراف صادق بأن العالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة أي عقل بشري على استيعابه، والرغبة الصادقة في الوقوف أمام الفريق والقول: "لا أعرف، لكنني مستعد للتعلم".

في جوهره، هو نقطة التقاء الثقة العالية والانفتاح الكبير والقدرة على الحفاظ على سلطتك قائداً استراتيجياً، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن موظفاً مبتدئاً قد يمتلك فهماً أفضل للأدوات الرقمية اللازمة لتنفيذ تلك الرؤية.

في السياق العربي، حيث تتجذر قيم "الكرم" و"الحياء" و"التواضع الأخلاقي" بعمق، يعد التواضع الرقمي امتداداً لجزء من ثقافتنا، والتطبيق الحديث لمفهوم أن القيادة خدمة وليست مكانة، وعندما تمارس التواضع الرقمي فأنت لا تقلل قوتك بل توسع القوة الجماعية لفريقك لرؤية المستقبل بوضوح.

فخ الأنا: لماذا يعد التظاهر بمعرفة كل شيء قيداً يكبل قدرتك على الابتكار؟

لنكن صريحين: في بيئة الأعمال العربية اليوم نجد أن الغالبية العظمى من القادة في هرم قيادة المؤسسات والشركات المختلفة قد تلقوا تدريبهم في عالم كانت فيه السلطة تعني اليقين، فعندما يتحدث الرئيس التنفيذي يوافقه الجميع بلا نقاش.

حيث أنتج هذا النموذج الاستقرار والولاء، وأحياناً نمواً باهراً، لكن في الاقتصاد الرقمي يصبح النمط نفسه نقطة ضعف تتجلى في:

خطر شخصية "المعصوم عن الخطأ"

عندما يتظاهر القائد بمعرفة كل شيء ولديه الإجابات جميعها، فإنه ينشئ ثقافة "العمى التنظيمي" التي تؤدي إلى توقف الفريق عن طرح الأسئلة عليه. وفي بيئة الأعمال المتغيرة اليوم، غالباً ما تبدأ المخاطر الأكثر أهمية مثل التهديدات السيبرانية أو تحيزات الذكاء الاصطناعي كإشارات صغيرة في أسفل الهرم الوظيفي، ومن ثم إذا لم تكن متواضعاً بما يكفي للاستماع إلى تلك الإشارات، فلن ترى الأزمة إلا بعد أن تتحول إلى كارثة.

اقرأ أيضاً: الإدمان الرقمي: تختلف المسببات وتتعدد المسميات لكن النتائج تتشابه

"الاستسلام الصامت" للجيل الرقمي

ربما يكون الخطر الأكبر هو "الاستسلام الصامت" للموظفين الشباب أصحاب الكفاءة التقنية العالية، حيث يتمتع هؤلاء بالطموح المتدفق باستمرار، وعندما تتجاهل خبراتهم من قبل قائد يصر على القيام بالأشياء بطريقة يراها صحيحة على الرغم من ثغراتها المتعددة، فإنهم قد يتوقفون عن تقديم أفكار مبتكرة ويجرون الحد الأدنى من العمل، وفي النهاية ينقلون مواهبهم إلى شركات أخرى حيث يكون التواضع الرقمي هو القاعدة.

تحولات "الغرور" المكلفة

دون التواضع الرقمي، يميل القادة إلى التحول الرقمي بدافع الغرور، وهو الميل إلى الاستثمار في تقنيات باهظة الثمن وذات شهرة عالية مثل البلوك تشين، ليس لأنها تحل مشكلة، ولكن لأنها تجعل القائد يبدو عصرياً وبعيد النظر. ولأن القائد يفتقر إلى التواضع للاعتراف بأنه لا يفهم التكنولوجيا، فإنه غالباً ما يتجاوز حالات التعثر، ما يؤدي إلى  هدر مالي يستنزف رأس مال الشركة.

هشاشة السمعة ومنصات التواصل الاجتماعي

يدرك القائد المتواضع رقمياً أن المنصات الإلكترونية هي مساحات للاستماع بقدر ما هي مساحات للبث، إذ غالباً ما يتعامل القادة الذين يفتقرون إلى هذه السمة مع الأزمات الرقمية مثل شكاوى العملاء أو التسريبات الداخلية بعدوانية دفاعية، ما قد يحولها إلى كارثة علاقات عامة، حيث يتضخم رفض القائد الاعتراف بالخطأ أو الاستماع إلى آراء الجمهور.

اقرأ أيضاً: لا تحظروا الذكاء الاصطناعي: علموا الطلاب استخدامه

الأركان الأربعة التي تجعل التواضع الرقمي مهارة مكتسبة لا موهبة فطرية

فكر في التواضع الرقمي على أنه 4 أركان يمكنك تطبيقها عملياً، فهو ليس سمة شخصية؛ إما أن تمتلكها وإما لا، بل مجموعة من السلوكيات الملموسة التي يمكنك البدء بها اليوم.

1- التواضع في المعرفة: "ما الذي ينقصني؟"

يتمثل جوهر هذه الركيزة في تحولك من مصدر وحيد للحقيقة إلى متعلم مستديم من خلال البدء في طرح تساؤلات بسيطة مثل: "ما الذي فاتني؟" أو "ساعدني على الفهم"، وعدم الخشية من تحدى حدسك المهني، بل ممارسة الفضول للاستكشاف.

ويمتد هذا المفهوم ليشمل استراتيجية "التوجيه العكسي" الذي شاع استخدامه من قبل الرئيس التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك جاك ويلش في أواخر التسعينيات، حيث يمكنك تبادل الأدوار مع مهندس مبتدئ لتتعلم منه كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، والذي من شأنه أن يكسر حواجز الغرور ويبني جسور ثقة عميقة مؤكداً أن المؤسسة تثمن المعرفة لذاتها لا لمكانة صاحبها الوظيفية.

وفي النهاية، سيتشكل نضجك القيادي بالقدرة على تغيير قرار استراتيجي بناءً على رؤية قدمها موظف ناشئ أو أثبتتها البيانات، إذ أن تبني روتين تعليمي مستمر ليس دليلاً على ضعف معرفتك، بل هو المفتاح الحقيقي لفتح آفاق معرفية واسعة.

2- التواضع في السلطة: إتاحة الفرصة للجميع

إعادة ابتكار مفهوم السلطة من خلال تبسيط التسلسل الإداري وتقليص الفجوة بين الأجيال، ففي المنظومة الرقمية يقاس تواضعك بمدى قدرة موظف يصغرك بعشرين عاماً على قول: "لدي وجهة نظر أخرى مدعومة بالبيانات" أمامك مباشرة بدون الخشية من العواقب.

ويتجسد هذا التوجه عملياً في إدارة الاجتماعات وورش العمل، حيث يمكنك دعوة الجميع لطرح الأفكار الجريئة. هذا الأسلوب لا يكتفي بمنح الأمان فحسب، بل يدمج المواهب الشابة ذات الخبرات في نسيج القرار ويحول المؤسسة إلى مجتمع حيوي يتشارك فيه الجميع مسؤولية النجاح.

والفائدة الجوهرية لهذا النهج تكمن في بناء ثقافة الثقة المطلقة، حيث تكتسب الشركات أفكاراً طازجة تدفعها بعيداً عن نماذج الأعمال التقليدية المتهالكة، وتضمن استثمار قوة فرق العمل الكاملة في الابتكار وإعطاء صوت لكل عقل ذكي داخل المؤسسة.

اقرأ أيضاً: ما هي تطبيقات الويب؟ وكيف يمكنها مساعدتك على تقليل وقت الشاشة؟

3- التواضع في الاستراتيجيات: اتخاذ القرارات والتجريب

تتجلى هذه الركيزة في تحويل القرار من مقامرة قائمة على "الأنا" إلى منهجية قوامها التجريب، حيث يمتلك القائد الشجاعة للاعتراف بالإخفاق وتغيير المسار، ويتجسد هذا بوضوح في نموذج الرئيس التنفيذي لمجموعة إي آند للاتصالات العالمية، حاتم دويدار، الذي أقر علناً ببطء الشركة في بدايات تحولها قائلاً: "تحركنا لم يكن بالسرعة الكافية".

وبدلاً من التظاهر بالكمالية، تبنى فلسفة التواضع الرقمي عبر التصريح بأن: "عدم المثالية أمر طبيعي، والمهم هو امتلاك الحكمة لمعرفة متى نتوقف ونغير استراتيجيتنا". هذا النوع من القيادة يرى أن الرضا بالوضع الراهن أخطر من الفشل، ما يحول مقاومة التغيير من عائق إلى فرصة لإعادة الابتكار وتحويل النكسات إلى فرص للنمو.

4- التواضع في الظهور: التعلم علناً

لم يعد صوت القائد العربي على الإنترنت مجرد وسيلة للترويج الذاتي، بل مرآة تعكس سمات المؤسسة ومصداقيتها، فعندما تنشر عن دروس القيادة أو أخبار الصناعة وتدعو إلى الحوار والرد على التعليقات والاعتراف بنقاط الضعف في المعرفة، تصنع فارقاً.

ويمتد هذا التواضع الرقمي ليشمل كيفية إدارة الأزمات من خلال امتلاك الجرأة وإظهار جانبك الإنساني عبر الاعتراف بنقص المعلومة أو البحث عن حلول لشكاوى العملاء بشكل شخصي، وهذا النوع من "الضعف الذكي" لا ينقص من قدرك كقائد، بل يجعلك أكثر قرباً وموثوقية.

ويتجسد أيضاً في القدرة على تحويل كل تحدٍ أو تساؤل إلى فرصة مجانية لاكتساب المعرفة، فمن خلال تبني عبارات مثل "لم أستكشف هذه الزاوية بعد" تبني لنفسك سمعة قائد متواضع لا يبالغ في استعراض خبراته، وينصت إلى الجميع بتركيز عالٍ.

اقرأ أيضاً: 4 نصائح لتجنب الوقوع ضحية للمعلومات المضللة في منصات التواصل الاجتماعي

كيف تبدأ ممارسة التواضع الرقمي؟

إليك خطوات يمكنك اتخاذها تتطلب فقط تغييراً طفيفاً في المواقف السلوكية، وتذكر أن التواضع الرقمي مهارة ينبغي صقلها باستمرار لتكون القائد الذي تطمح إليه:

  • حدد عضواً في الفريق متقناً لأداة لا تفهمها واطلب منه شرحها لك، وقاعدتك الوحيدة هي: لا تقل "أنا أعرف ذلك" بل اسأل فقط "لماذا؟" و"كيف؟".
  • في اجتماع الإدارة العليا التالي ابدأ بمشاركة مشروع رقمي واحد لا يعمل كما هو متوقع، واطلب من الفريق تقييماً صادقاً لسبب فشله لجمع الآراء المختلفة.
  • شجع على ذكر وجهات النظر المختلفة، وابدأ الاجتماعات بالقول صراحة: "اختلفوا معي، أرحب بذلك"، في ورش العمل أعطِ الفرصة للتناوب على الحديث واطلب من أحد المشاركين أن يشارك برأيه المخالف أولاً.
  • استخدم ملفاتك الشخصية العامة على منصات مثل لينكدإن أو مدونة الشركة لكتابة منشورات قصيرة حول ما تعلمته أو ما زلت تحاول فهمه, على سبيل المثال: "حضرت ورشة عمل حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، إليكم 3 رؤى وسؤالين ما زلت أبحث عن إجابتيهما". وعندما يرى فريقك أنك تعترف بأنك ما زلت تتعلم، سيشعرون بالحرية لفعل الشيء نفسه.

اقرأ أيضاً: كيف تتعلم الحوسبة الكمومية؟ دورات متاحة للجميع عبر الإنترنت

اكتساب مهارات التواضع الرقمي يبين ماهية القيادة التي تريد تطبيقها

بصفتك قائداً ومديراً في بيئة الأعمال العربية، فأنت تتحمل مسؤوليات قيادية كبرى، حيث يتوقع منك احترام التقاليد ورسم الاستراتيجيات وتحقيق الأهداف. وفي ظل هذه الظروف من المغري ممارسة مزيد من السيطرة وفرض قيود أكثر صرامة وإلقاء خطابات مطولة.

لكن ما يأمله فريقك سراً هو شيء آخر: قائد قوي لا ينظر إلى اختلاف وجهات النظر على أنها تهديد لمكانته كقائد، بل كمرآة تساعد على النمو، ففي نهاية المطاف لن يملي عليك التواضع الرقمي قراراتك، بل سيجعلها أكثر صدقاً، ولن يزيل المخاطر لكنه سيحسن قدرتك على استكشافها بكل شجاعة، وهذا هو جوهر القيادة الذي يمكنه أن يسهم في تطورك ونموك المهني والقيادي.

المحتوى محمي