كيف يتنبأ الذكاء الاصطناعي باحتمالية استقالة الموظفين؟

4 دقيقة
أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بموعد استقالة الموظفين
حقوق الصورة: shutterstock.com/Lee Charlie

تعد شركة آي بي إم إحدى الشركات الأكثر جاذبية للجيل الجديد من الموظفين، حيث تتلقى آلاف السير الذاتية يومياً. لكن ما يميزها حقاً هو نهجها الاستباقي في إدارة الموظفين، فبدلاً من انتظار حصول الاستقالات، طورت الشركة نظاماً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ باحتمالية استقالة أي موظف بدقة تصل إلى 95%.

هذه القدرة التحليلية المتقدمة تمكنها من معالجة أحد أكبر التحديات التي تواجهها الشركات اليوم: ارتفاع معدل دوران الموظفين. فوفقاً لاستطلاع أجرته منصة التوظيف بيت دوت كوم بالتعاون مع شركة أبحاث السوق حلول ماركتليتكس عام 2024، وصل ارتفاع معدل دوران الموظفين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نحو 40% بين الفئة من تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.

ويعزا ذلك إلى أن هذه الفئة العمرية غالباً ما تبدل الوظائف، حيث شغل العديد منهم ثلاثة وظائف أو أكثر في وقت مبكر من حياتهم المهنية، كما وجد الاستطلاع نفسه أن 81% من الفئات العمرية كافة لا تقضي أكثر من عامين مع صاحب العمل الحالي.

وفي دول مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد التي تضم قوة عاملة كبيرة من المغتربين، تؤدي القيود التعاقدية التي يضعها أصحاب العمل إلى فترات عمل أقصر، حيث إن 48% من المستطلعة آراؤهم يعملون مع صاحب العمل الحالي مدة عام إلى عامين فقط، ما يسلط الضوء على التحولات الوظيفية الواسعة في المنطقة.

كما أبرز تقرير لشبكة لينكدإن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن متوسط مدة بقاء الموظف العربي في وظيفة شاغرة يصل إلى نحو عامين وثلاثة أشهر فقط، والتي تعد من بين الأقصر عالمياً، مع الإشارة إلى أن أبرز القطاعات ذات معدلات الاستقالة المرتفعة في المنطقة العربية هي التكنولوجيا وخدمة العملاء والتمويل نظراً للمنافسة الشديدة في هذه القطاعات ووجود قوى عاملة وافدة مؤقتة.

هذه الزيادة في معدل دوران الموظفين تأتي بكلفة مالية كبيرة للشركات، وتمثل تحدياً متعدد الجوانب لا يؤثر فقط في الميزانية، بل يعطل أيضاً سير العمل المعتاد ويضعف الروح المعنوية العامة ويؤدي إلى خسارة لا تعوض تقريباً في المعرفة المؤسسية التي تضمن استمرارية الخدمة مع تغير القوى العاملة في الشركة وتطورها على مر السنين.

إذ إن استبدال موظف واحد قد يكلف الشركة ما يصل إلى ضعف راتبه السنوي، ما يجعل الشركات تخسر الكثير، لذا في مواجهة هذه التحديات أصبحت الشركات أكثر تبنياً لحلول الذكاء الاصطناعي التي تتيح تتبع المؤشرات التي تشير إلى أن موظفاً معيناً على وشك الاستقالة، للمساعدة في التدخل مبكراً لإيجاد حل مناسب للشركة والموظف.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييم أداء الموظفين؟

كيف تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحديد احتمالية استقالة الموظف من الشركة؟

بدلاً من الاعتماد على التخمين، تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي نهجاً مبنياً على البيانات لتحويل إدارة الموارد البشرية إلى عملية استباقية، وتعمل هذه الأنظمة على تحليل مؤشرات متنوعة يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسية:

أولاً: التحليلات الكمية والسلوكية

تعتمد هذه المؤشرات على بيانات قابلة للقياس مثل:

- الأداء الوظيفي: انخفاض مفاجئ في جودة العمل أو عدم الالتزام بالمواعيد النهائية أو تراجع في أرقام المبيعات.

- البيانات الديموغرافية والوظيفية: مثل مدة خدمة الموظف في الشركة وآخر ترقية أو زيادة في الراتب وعدد المشاريع التي أكملها ومستوى مشاركته في الدورات التدريبية.

- أنماط الحضور: زيادة في أيام الإجازات المرضية أو التأخر عن العمل، ما قد يشير إلى انخفاض في الالتزام.

ثانياً: تحليل المشاعر واللغة الطبيعية

تتجاوز هذه التقنية البيانات الرقمية لتحليل البيانات غير المهيكلة مثل:

- استطلاعات الموظفين: تحليل الكلمات والعبارات المتكررة في الاستطلاعات لتحديد مشاعر الإحباط أو عدم الرضا عن بيئة العمل.

- الاتصالات الداخلية: مراقبة الأنماط في رسائل البريد الإلكتروني أو الرسائل الفورية لاكتشاف تغيرات في نبرة الموظف أو انخفاض في مستوى تعاونه مع زملائه ومدرائه.

ثالثاً: التغيرات السلوكية الدقيقة

يراقب الذكاء الاصطناعي التغيرات في سلوكيات الموظف الرقمية التي قد يصعب على المدير البشري ملاحظتها، مثل:

  • انخفاض في نشاط البريد الإلكتروني أو تفاعله مع أنظمة التواصل في الشركة. على سبيل المثال، قد يلاحظ النظام أن موظفاً كان يشارك في 50 محادثة على منصة سلاك شهرياً لكن انخفض نشاطه إلى 5 محادثات فقط، ما قد ينبئ بدرجة احتمالية استقالته.
  • تراجع مفاجئ في مشاركته في الاجتماعات الافتراضية أو اهتمامه بالفرص الوظيفية الداخلية.

من خلال جمع هذه البيانات كلها وتحليلها، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي أن يحدد الموظفين الأكثر عرضة للمغادرة، ما يسمح للمدراء بالتدخل في الوقت المناسب.

اقرأ أيضاً: أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بموعد استقالة الموظفين

ثورة الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية: عصر جديد من القدرة التنبؤية

أدى ظهور الذكاء الاصطناعي إلى حقبة تحولية في مجال الموارد البشرية، حيث حول هذه الوظيفة من دور تفاعلي في الغالب إلى قوة استباقية واستراتيجية داخل الشركات، ويتجلى ذلك في تبنيها السريع في قطاع الموارد البشرية، إذ تستفيد نحو 70% من الشركات بالفعل من الذكاء الاصطناعي لتوجيه قراراتها المتعلقة بالموارد البشرية.

علاوة على ذلك، تخطط نحو 92% من الشركات حول العالم لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتشير التوقعات إلى أنه بحلول نهاية العام الحالي ستدمج نسبة كبيرة من الشركات الذكاء الاصطناعي في وظائف الموارد البشرية الأساسية لديها بنسبة قد تصل إلى نحو 80%، وهو ما قد يمثل تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة الشركات لأهم أصولها وهي موظفيها.

حيث تتمثل إحدى القدرات الرئيسية للذكاء الاصطناعي في هذا التحول بقدرته على التنبؤ بدوران الموظفين بدقة ملحوظة، إذ يمكن لتحليلات الموارد البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التنبؤ باتجاهات القوى العاملة بدقة تتراوح بين 87% و90%، ما يمكن الشركات من معالجة الأسباب الجذرية للاستقالات المحتملة بشكل استباقي وتنفيذ التدخلات في الوقت المناسب قبل أن يتفاقم استياء الموظف ويتحول إلى قرار بالاستقالة، إذ إن قدرة الذكاء الاصطناعي على تجاوز مجرد تحديد ما يقال إلى فهم الشعور به تضيف ميزة كبرى لمسؤولي الموارد البشرية والمدراء لتجاوز الاستجابات السطحية وتنفيذ تدخلات استباقية أكثر دقة وفاعلية، ما يعزز ثقافة يشعر فيها الموظفون بأنهم مسموعون ومقدرون، وهو أمر أساسي لبناء الثقة وتعزيز الاحتفاظ بهم لأطول فترة ممكنة.

اقرأ أيضاً: 20 برنامجاً يجب أن يعرفها كل موظف إداري

تحديات استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ باحتمالية استقالة الموظفين

في حين توفر أنظمة الذكاء الاصطناعي مزايا فعالة للتنبؤ باحتمالية استقالة الموظفين، فإنه يوجد العديد من التحديات التي قد تحد من دقته وفاعليته وتطبيقه الأخلاقي أبرزها:

  • يتمثل التحدي الكبير في عدم وجود بيانات تاريخية كافية وعالية الجودة، وغالباً ما تفتقر البيانات التي تجمع إلى المعلومات السياقية المهمة مثل الدوافع الشخصية أو ديناميكيات مكان العمل.
  • يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أن تديم أو تضخم التحيزات الموجودة في البيانات التاريخية عن غير قصد، ما قد يؤدي إلى تنبؤات غير عادلة أو تمييزية. على سبيل المثال، وضع علامة غير مناسبة على مجموعات ديموغرافية معينة على أنها مرشحة للاستقالة، بينما قد يكون العكس صحيحاً.
  • لا تزال العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تعاني مشكلة الصندوق الأسود، ما يجعل من الصعب على مدراء الموارد البشرية فهم قراراتها أو توصياتها، وقد يعوق ذلك التدخل الفعال وبناء الثقة في النظام.
  • تتطور العوامل التي تؤثر في معدل استقالة الموظفين باستمرار، بما في ذلك التغييرات في ثقافة الشركة وظروف السوق والأهداف المهنية الفردية، ومن ثم قد يصبح نموذج الذكاء الاصطناعي المدرب على البيانات السابقة قديماً وغير دقيق.
  • قد يثير جمع البيانات الضرورية والتي يمكن أن تتضمن معلومات شخصية حساسة ومقاييس أداء مخاوف كبيرة تتعلق بالخصوصية قد يعتبرها الموظفون تعدياً على حقوقهم.

يتطلب تطوير نظام الذكاء الاصطناعي الفعال ونشره وصيانته استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والمواهب المتخصصة والتكامل مع أنظمة الموارد البشرية الحالية، ما يمكن أن يكون باهظ التكلفة للعديد من الشركات خاصة المتوسطة.

المحتوى محمي