شهد العالم خلال العقد الأخير استخداماً واسعاً للمساعدات الشخصية، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية لملايين المستخدمين حول العالم. يعرف المساعد الشخصي بأنه نظام برمجي يفهم الأوامر الصوتية أو النصية ويستجيب لها، مثل البحث عن المعلومات وضبط المنبهات وإدارة الجداول والتحكم في الأجهزة الذكية. تشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 4.2 مليار مساعد صوتي نشط على مستوى العالم، وهذا العدد في ازدياد.
اقرأ أيضاً: كيف يمكنك إنشاء مساعد شخصي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يلبي احتياجاتك؟
تطور المساعد الشخصي
في بداياته، كان المساعد الشخصي عبارة عن برنامج محدود الإمكانات، يعتمد على بيانات مبرمجة مسبقاً وقواعد ثابتة للاستجابة. من الأمثلة المبكرة على ذلك المساعد سيري Siri من شركة آبل والمساعد أليكسا Alexa من شركة أمازون. كانت هذه البرامج قادرة على تنفيذ مجموعة محددة من الأوامر، لكنها لم تكن تفهم السياق العميق أو تدير حواراً معقداً. إذ تجيب إجابات قصيرة ومباشرة، وتعتمد على مطابقة الكلمات المفتاحية في البيانات المدربة عليها مسبقاً.
لكن التحول الحقيقي في تطور المساعد الشخصي بدأ مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أتاح للمساعد الشخصي قدرات غير مسبوقة في الفهم والتعبير اللغوي. على سبيل المثال، تشات جي بي تي الذي طورته شركة أوبن أيه آي وجيميناي الذي طورته شركة جوجل قادران على إجراء حوار متماسك طويل وتحليل البيانات وتوليد نصوص إبداعية بأسلوب بشري وحتى البحث في الويب وربط المعلومات من مصادر متعددة وتوليد الصور وتعديلها. بذلك، لم يعد المساعد الشخصي مجرد أداة لتنفيذ أوامر بسيطة، بل أصبح برنامجاً تفاعلياً يمكنه التفكير التحليلي وصياغة إجابات معقدة، وهذا نقل التجربة من مستوى الأوامر المحدودة إلى مستوى التفاعل الشامل.
اقرأ أيضاً: كيف يحول مساعد الذكاء الاصطناعي اجتماعاتك المملة إلى مثمرة؟
مستقبل المساعد الشخصي
إذا كان البعض يظن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل نهاية تطور المساعد الشخصي، فإن الواقع يشير إلى أن ما نراه اليوم ليس سوى بداية مرحلة أكثر تطوراً. في المستقبل، من المتوقع نشهد تطوراً في المساعد الشخصي يشمل المجالات التالية:
تحسين التخصيص
سيصبح المساعد الشخصي أكثر قدرة على فهم تفضيلات المستخدم وعاداته اليومية وروتينه الخاص. ولن يكتفي بالاستجابة للطلبات، بل سيتوقع الاحتياجات قبل التعبير عنها. على سبيل المثال، إذا اعتاد المستخدم ممارسة الرياضة في ساعة معينة، قد يقترح المساعد تذكيراً تلقائياً أو يضبط الإضاءة والموسيقى المناسبة في المنزل في الوقت ذاته. كذلك، سيتعلم أنماط الشراء والاهتمامات المهنية، فيقدم توصيات دقيقة للغاية. هذا المستوى من التخصيص سيجعل المساعد الشخصي أقرب إلى مستشار رقمي دائم يسهم في تنظيم الحياة اليومية وتقليل الجهد الذهني.
تحسين القدرات الحوارية
سيتطور المساعد الشخصي ليصبح أكثر فهماً للسياق والمشاعر والفروق الدقيقة في اللغة. ولن يقتصر الأمر على تفسير الكلمات ومعانيها، بل سيتضمن تحليل نبرة الصوت وسياقها وطريقة التعبير لاستخلاص المعنى الحقيقي. عندما يشعر المستخدم بالإحباط أو القلق، سيتمكن المساعد من تعديل أسلوبه ليتسم بالتعاطف والدعم. هذه القدرة ستجعل التفاعل أكثر طبيعية، بحيث يبدو الحوار أقرب إلى حديث مع إنسان يفهم التفاصيل الدقيقة.
تحليل البيانات بدقة كبيرة
من المتوقع أن يمتلك المساعد الشخصي قدرة متقدمة في تحليل البيانات المستخلصة من المحادثات سواء النصية أو الصوتية. حيث سيجمع ويحل أنماط الكلام وسرعة الكتابة وتكرار مفردات معينة وحتى التغيرات في نبرة الصوت. على سبيل المثال، قد تشير تغيرات أسلوب الحوار أو كثرة استخدام عبارات سلبية إلى معاناة الشخص من الاكتئاب أو الإجهاد المزمن. في حين قد تشير الأخطاء المتكررة في الكتابة إلى مشكلات حركية أو عصبية في مراحلها المبكرة، في هذه الحالات، يمكن للمساعد أن ينبه المستخدم بلطف ويقترح عليه أموراً بسيطة لتقييم الحالة، مثل تقديم نصائح عملية كتحسين نمط النوم أو التواصل مع مختص. هذا النوع من التحليل قد يساعد على الكشف المبكر عن مشكلات صحية أو نفسية قبل تفاقمها.
اقرأ أيضاً: المساعدات الصوتية في العمل: فرصة أم مخاطرة؟
التكامل مع أجهزة إنترنت الأشياء
مع توسع تقنيات إنترنت الأشياء، سيصبح المساعد الشخصي المحور المركزي الذي يربط بين مختلف الأجهزة الذكية في المنزل أو مكان العمل. سيتمكن عن طريقه المستخدم من إدارة أنظمة الإضاءة والتدفئة والكاميرات الأمنية والأجهزة المنزلية الذكية كافة. لن يكون التحكم يدوياً فحسب، بل ذكياً واستباقياً، فإذا لاحظ المساعد انخفاض درجة الحرارة، قد يشغل التدفئة تلقائياً، أو إذا رصد حركة غير معتادة، قد يرسل إشعاراً فورياً.
تنفيذ الأوامر
لن يقتصر دور المساعد الشخصي على تقديم المعلومات أو الاقتراحات، بل سيكون قادراً على تنفيذ الأوامر فعلياً عبر أنظمة متكاملة. يمكنه حجز المواعيد وشراء التذاكر وإدارة الاشتراكات وحتى اتخاذ قرارات محددة ضمن صلاحيات يحددها المستخدم. وفي بعض الحالات الطارئة، قد يتخذ إجراءات مستقلة دون الرجوع إلى المستخدم، مثل التواصل مع الإسعاف أو الشرطة عند استشعار خطر صحي أو أمني.
تعزيز الأمن
مع ازدياد الاعتماد على المساعد الشخصي، سيصبح الأمن أولوية قصوى. سيعتمد المساعد المستقبلي على تقنيات تحقق متعددة العوامل، مثل التعرف على الصوت والوجه لحماية البيانات الشخصية، وبما أن الصوت والوجه يمكن التلاعب بهما باستخدام تقنيات التزييف العميق، ستضاف طبقة أمان أخرى تسمى السلوك الرقمي. حيث يحدد المساعد أنماطاً محددة في الصوت وحركات الوجه وحركات الجسم والتفضيلات التي لا يمكن تقليدها، كما ستطور بروتوكولات تشفير متقدمة لضمان سرية المحادثات والمعلومات الحساسة؛ أي أن تحقيق التوازن بين التخصيص العميق القائم على البيانات الشخصية وحماية تلك البيانات سيكون أحد أهم التحديات التقنية والأخلاقية للمساعد الشخصي في المستقبل.
اقرأ أيضاً: تعرف إلى المساعدات الصوتية الأكثر استخداماً في العالم والتي تدعم اللغة العربية
انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن المساعد الشخصي يتجه ليصبح شريكاً حقيقياً للإنسان، لا مجرد أداة تقنية. فمع تطور قدراته في التخصيص والتحليل والحوار والتنفيذ والأمان، سيغدو عنصراً أساسياً في اتخاذ القرارات وتنظيم الحياة اليومية. وسيعمل إلى جانب البشر في التعليم والصحة والعمل، وحتى في الدعم النفسي. وهكذا، فإن مستقبل المساعد الشخصي لا يتمثل في استبدال الإنسان، بل في تمكينه وتعزيز قدراته، ليصبح التعاون بين الإنسان والآلة أساس المرحلة القادمة من التطور الحضاري.