كيف تستثمر في الأسهم والعملات الرقمية دون الوقوع في فخ التداول العاطفي؟

5 دقيقة
كيف تستثمر في الأسهم والعملات الرقمية دون الوقوع في فخ التداول العاطفي؟
حقوق الصورة: envato.com/Prostock-studio

في عصر أصبحت فيه الأسواق العالمية لا تبعد عنك سوى لمسة إصبع، تحول الهاتف الذكي من وسيلة اتصال إلى "غرفة تداول" شخصية، لكن هذه السهولة الفائقة تخفي خلفها تعقيدات سلوكية وثغرات أمنية قد تلتهم مدخراتك إذا غاب الوعي.

  • الانضباط النفسي أولاً: ضرورة كبح "النظام 1" السريع والعاط…

أسهمت منصات الاستثمار عبر الهاتف المحمول في إتاحة الوصول إلى الخدمات المالية للجميع، ومع ذلك فإن سهولة استخدام التكنولوجيا التي تمكن المستثمر من شراء أسهم جزئية في شركة رائدة أو تداول العملات المشفرة المتقلبة خلال تنقلاته الصباحية، تعرضه أيضاً لمخاطر تقنية ونفسية غير مسبوقة.

إذ تشير الأبحاث إلى أن استخدام الهواتف الذكية يغير سلوك المستثمرين بشكل جذري. على سبيل المثال، أظهر تحليل لبيانات بنكيين ألمانيين أجري عام 2021 أن المستثمرين عند تحولهم من التداول الإلكتروني التقليدي إلى التداول عبر الهواتف الذكية زادوا مشترياتهم من الأصول ذات المخاطر العالية بنسبة 5.6 نقاط مئوية، أي بزيادة قدرها 46.7% على المعدل الأساسي.

كما يظهر متداولو الهواتف الذكية انخفاضاً في التنويع وزيادة في التركيز على الأسهم الرابحة والخاسرة، وهو سلوك يعزوه عالم النفس الحائز جائزة نوبل دانيال كانيمان إلى نمط تفكير يسميه (النظام 1) -السريع والحدسي والعاطفي- الذي تشجعه الأجهزة المحمولة، والذي يتداخل مع التفكير التحليلي والمنطقي، ما قد يؤدي إلى كسل ذهني يسهم في اتخاذ القرارات غير المدروسة.

كيف يمكن لهاتفك الذكي أن يصبح بوابة آمنة للاستثمار في الأسهم والعملات الرقمية؟

كل تطبيق استثماري هو في الواقع مؤسسة مالية، لذا تعامل معه بحذر من خلال:

أولاً: تأكد من أن التطبيق مرخص ومنظم بشكل صحيح من قبل جهة موثوقة وملتزم بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومعايير حماية المستخدم الصارمة، وتجنب التطبيقات غير الموثوقة التي تعد بتداولات مجانية دون أي رقابة. وتذكر: ينبغي ألا تكون الراحة أهم من الالتزام بالقانون.

ثانياً: افحص ميزات الأمان في التطبيق، وتأكد من أنه يوفر خيارات عدة للتأمين الرقمي مثل:

  • المصادقة البيومترية: بصمة الإصبع أو التعرف على الوجه المدمج في هاتفك الذكي.
  • تطبيقات المصادقة: لإنشاء رموز مؤقتة على جهازك (لا ترسل عبر الرسائل النصية القصيرة) وتتغير كل 30 ثانية.
  • مفاتيح الأمان المادية: اختيارية، ولكن ينصح بها للحسابات ذات القيمة العالية لتشكيل حاجز مادي عند تسجيل الدخول من أجهزة أخرى مثل جهاز الكمبيوتر المحمول.

ثالثاً: تأكد من نموذج الحفظ الذي توفره المنصة، خاصة إذا كنت تستثمر في العملات الرقمية المشفرة. احرص على معرفة مكان تخزين مفاتيحك الخاصة وهل التطبيق عبارة عن محفظة ساخنة أم أنه يدعم تكامل التخزين البارد؟

بالإضافة الى إمكانية إضافة عناوين السحب إلى القائمة البيضاء. على سبيل المثال، تسمح العديد من منصات التداول بالموافقة على محافظ رقمية محددة فقط في هذه الحالة، حتى لو تمكن شخص ما من الوصول فلن يتمكن من سحب أصولك إلى عنوان غير مدرج في القائمة البيضاء.

اقرأ أيضاً: كيف تمكن التكنولوجيا المالية الجميع من فتح حسابات مصرفية؟

فهم ما تملكه خاصة مع العملات الرقمية المشفرة

بالنسبة للأسهم، قبل شراء أي سهم، خصص دقيقة واحدة لفهم ما هو نشاط الشركة؟ وما هو نموذج أعمالها؟ هل هي مربحة؟ هل هي شركة راسخة (مثل أمازون أو بيبسي) أم شركة سريعة النمو (مثل شركة تقنية طرحت أسهمها للاكتتاب العام مؤخراً)؟ هذا التمييز يحدد ما إذا كان ينبغي توقع دخل من الأرباح الموزعة أو ارتفاع قيمة رأس المال ومدى تقلب السعر.

بالنسبة للعملات الرقمية المشفرة، فالوضع أكثر حساسية لأن أسواقها حديثة وأقل تنظيماً وأكثر تقلباً، لذا افهم جيداً الفرق بين الأصول المختلفة واسأل نفسك قبل الشراء: "هل يمكنني شرح وظيفة هذا الأصل وقيمته في جملة واحدة؟" إذا لم تستطع فأنت لا تفهمه جيداً بما يكفي لامتلاكه، إذ إن الفهم يقلل احتمالية بيعه بدافع الذعر عند انخفاض سعره بنسبة 30% مثلاً، وهو أمر طبيعي في أسواق العملات الرقمية.

كما أن فترة التريث ضرورية، فبعد اتخاذ قرار الشراء انتظر 24 ساعة وفكر جيداً في القرار: إذا كنت لا تزال ترغب في امتلاكه فاشتره، أما إذا زالت الحاجة الملحة فقد كنت تشعر بالخوف من فوات الفرصة وليس بالاقتناع.

كيف تتجنب التداول غير المقصود عندما تنوي الاستثمار عبر هاتفك الذكي؟

في تطبيقات الهاتف المحمول من السهل الخلط بين "التداول" و"الاستثمار"، إذ يعني الاستثمار تخصيص رأس مال لأصل تنوي الاحتفاظ به سنوات، وتتخذ قرارات الاستثمار عادة مرة واحدة -عند الشراء- ثم تنفذ بشكل غير مباشر من خلال مساهمات منتظمة.

بينما التداول يعني اتخاذ قرارات متكررة بناءً على تحركات الأسعار أو الأنماط الفنية أو الأحداث الإخبارية، ويتطلب إدارة نشطة لتوليد تكاليف المعاملات، وقد صممت تطبيقات الهاتف المحمول لتشجيع التداول وليس الاستثمار من خلال عرض تنبيهات الأسعار وإبراز الأسهم الأكثر تداولاً.

هذه الميزات التصميمية ليست مجرد حيل فحسب، بل هي متعمدة من التطبيقات لأنها في الأصل تربح من حجم المعاملات والتداول ولا تربح شيئاً عند الشراء والاحتفاظ، والنتيجة السلوكية هي ما يسميه الباحثون "تأثير الترتيب"، إذ إن رؤية الأسهم الرائجة والمتداولة بكثرة تحفز عقلية القطيع: تشتري ما يشتريه الآخرون وليس ما يناسب خطتك.

للبقاء على المسار الصحيح نحو الاستثمار بفاعلية ينبغي لك التحكم في العناصر الجاذبة للانتباه في التطبيق، من خلال إيقاف الإشعارات الفورية وتنبيهات الأسعار وتعطيل أي ميزات أو مكافآت أو نوافذ منبثقة داخل التطبيق تشجعك على التداول، وتجنب بوعي سلوكيات النقر المتكرر مثل: إذا أبرز التطبيق "أفضل الأسهم أداءً" أو أزرار شراء وامضة فتجاهلها وذكر نفسك بأن النقر على زر كل دقيقة لا يضيف قيمة، بالإضافة إلى ذلك ضع حدوداً ثابتة وصارمة؛ حدد مسبقاً حجم ما ستشتريه أو تبيعه ولا تتجاوزه لمجرد ظهور تنبيه، بحيث يكون التطبيق أداة تنفيذ وظيفية بحتة -وسيلة لإيداع الأموال وتقديم طلباتك- لا أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف تستفيد التكنولوجيا المالية من الذكاء الاصطناعي لمكافحة الجرائم المالية؟

كيفية حماية نفسك عند الاستثمار في الأسهم والعملات الرقمية عبر الهواتف الذكية

حماية نفسك عند الاستثمار عبر الهاتف الذكي تعني الجمع بين عادات استثمار آمنة وأمان قوي للجهاز والتطبيقات، خاصة في المجالات عالية المخاطر مثل العملات الرقمية، فيما يلي نصائح عملية يمكنك اتباعها قبل الاستثمار وأثناءه:

1- تأمين هاتفك الذكي أولاً

  • فعل ميزة قفل الشاشة برمز أو كلمة مرور قوية، وشغل تشفير الجهاز بالكامل إذا لم يكن مفعلاً افتراضياً.
  • حافظ على تحديث نظام تشغيل هاتفك وتطبيقاته، فالتحديثات غالباً ما تعالج ثغرات أمنية خطيرة.
  • ثبت التطبيقات فقط من متاجر التطبيقات الرسمية، وعطل خيار التثبيت من "مصادر غير معروفة" في إعدادات الهاتف.
  • استخدم برنامج مكافحة فيروسات موثوقاً للهواتف المحمولة وحدثه باستمرار.

2- حماية تطبيقات الاستثمار

  • فعل ميزة المصادقة متعددة العوامل والمصادقة البيومترية إذا وجدت.
  • استخدم كلمات مرور فريدة وطويلة لكل تطبيق، ولا تكرر استخدامها في أي حساب آخر.
  • أخفِ تطبيقات الاستثمار أو ضعها في مجلد آمن أو مخفي محمي ببصمة الإصبع، لتجنب الوصول إليه في حال سرقة هاتفك.
  • سجل الخروج بعد الاستخدام كلما أمكن، واضبط التطبيقات على القفل التلقائي السريع في حال عدم استخدامها.

3- عادات آمنة للشبكة والاتصال

  • تجنب إجراء عمليات التداول أو تسجيل الدخول إلى التطبيق عبر شبكات الواي فاي العامة، واستخدم بدلاً منها اتصال بيانات الهاتف.
  • إذا اضطررت لاستخدام شبكة واي فاي عامة فاستخدم شبكة افتراضية خاصة موثوقة لتشفير البيانات.
  • أبقِ البلوتوث وتقنية الاتصال قريب المدى والموقع معطلة عند عدم الحاجة إليها، لتقليل نقاط الاختراق والتتبع.

4- اختيار منصات آمنة

  • استخدم تطبيق استثمار أسهم ومنصات تداول عملات رقمية مرخصة متوافقة مع القوانين المحلية والإقليمية والدولية.
  • تأكد من أن التطبيق أو المنصة يدعم المصادقة الثنائية وقوائم السحب المسموح بها وسياسات أمان وخصوصية واضحة.
  • بالنسبة للعملات الرقمية تأكد مما إذا كان التطبيق مركزياً (يحتفظ بعملاتك) أو غير مركزي (أنت تحتفظ بالمفاتيح)، فالتطبيق غير المركزي يمنحك مزيداً من التحكم ولكنه يزيد مسؤولية النسخ الاحتياطي.

5- بناء عادات سلوكية فعالة

  • لا تشارك بيانات تسجيل الدخول أو رقم التعريف الشخصي أو رمز التحقق الثنائي أو كلمة المرور مرة واحدة مع أي شخص حتى لو ادعى أنه من فريق الدعم.
  • كن حذراً من الروابط والتطبيقات المرسلة عبر واتساب أو تيليجرام أو الرسائل النصية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
  • نوع استثماراتك (لا تضع أموالك كلها في سهم أو عملة واحدة) واستثمر فقط ما يمكنك تركه عدة سنوات على الأقل، خاصة مع الأصول المتقلبة مثل العملات الرقمية.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟

مستقبل الاستثمار: حين يتفوق الانضباط السلوكي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي

مع توغل الذكاء الاصطناعي في تصميم تطبيقات الاستثمار ستصبح واجهات التداول أكثر جاذبية وقدرة على التنبؤ برغباتنا اللحظية، ما يجعل "الاستثمار بضغطة زر" سلاحاً ذا حدين. في هذا المستقبل القريب ستكون قدرتك على الفصل بين ضجيج التنبيهات وصوت المنطق هي استراتيجيتك الأولى، فبينما تتسابق الخوارزميات لاقتناص أجزاء الثانية، يبقى الانضباط السلوكي والوعي الأمني الحصن الأخير الذي يحول هاتفك من أداة للاستهلاك العاطفي إلى منصة لبناء الثروة العقلانية.

 

المحتوى محمي