دعوني أدق ناقوس الخطر مباشرة قبل الدخول بالموضوع! فلا يُخفى على أحدٍ أن النظام التعليمي خسر كثيراً حين اعتمد على التلقين والحفظ سابقاً، ما أدّى إلى تخريج نسبة كبيرة من الأجيال لا تستطيع المنافسة في سوق العمل وفي الوقت نفسه غير مهيَّأة لسوق العمل. لكن رغم ذلك، ورغم فظاعة المشهد، كانت تلك الطامَّة قابلة للاحتواء بسبب قلّة العولمة وعدم المنافسة العالمية بين الخريجين، ولكن الآن ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي مع العولمة والعمل عن بُعد وظهور مفهوم المواطن العالمي، وتوظيف المستقلين من أي مكانٍ من العالم، وبالتوازي مع تراجع دور الحكومات في دعم عملية التوظيف، فإن التعليم الذي لا يراعي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدواته سيؤدي إلى كارثة حرفياً دون مبالغة.
وهنا لن نتكلم عن سوق العمل وكيف ستتأثر فرص العمل بوجود الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولكن سنأخذ الأمر بإيجابية أكثر، ونشير إلى كيف يمكن أن يدعم العملية التعليمية؛ إذ يؤهِّل طلاباً قادرين على فهم المواد الدراسية وصولاً لتحسين الجودة العملية التعليمية، فتطبيقات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات لأتمتة المهام الإدارية وتصحيح الاختبارات، بل تُحدِث نقلة نوعية من خلال تخصيص المحتوى التعليمي، وتقديم تغذية راجعة فورية، وتحليل بيانات الأداء لتحديد الفجوات المعرفية لدى الطلاب.
اقرأ أيضاً: 3 طرق لاستخدام تشات جي بي تي في مساعدة الطلاب على التعلم وليس الغش
لعلَّ التعليم من أصعب المهن في الحياة، وما يتحمَّله المعلِّم من أعباء دراسية وإدارية كبير، وأزعم بقوةٍ أن توفير أدوات وتقنيات متقدمة تساعد المعلمين على أداء مهمَّاتهم بكفاءة أكبر وفاعلية أعمق، له دور أساسي في رفع جودة العملية التعليمية، فلا يمكن نكران دور المعلِّم في توجيه الطلاب وإلهامهم، كما لا يُمكن نكران دور الذكاء الاصطناعي بصفته شريكاً تكنولوجياً يقدّم الدعم والمساعدة اللازمة لتعزيز هذا الدور وتمكينه من تحقيق أقصى إمكاناته.
يجب النظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم على أنه تعاون وثيق بين المعلمين والتكنولوجيا، إذ يجلب كل منهما نقاط قوة فريدة إلى الفصل الدراسي، فالمعلمون هم "المرشدون" الذين يبنون علاقات مع الطلاب، ويقدّمون لهم الدعم العاطفي والتحفيز اللازمين للتنقل بنجاحٍ في مسارات التعلُّم الشخصية التي يقودها الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الإطار، يمثّل الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكن أن تساعد المعلمين على جعل عملية التعلم أكثر كفاءة، وأكثر جاذبية وتشويقاً، وأكثر تخصيصاً لتلبية احتياجات كل طالب على حدة، ما يساعد في نهاية المطاف على تحقيق أهدافهم التعليمية.
في مجال تخطيط الدروس وإنشاء المحتوى التعليمي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مصدرَ إلهامٍ قوياً، إذ يعزّز توليد أفكار جديدة لخطط الدروس، وإنشاء أنشطة تعليمية مبتكرة، وتصميم تقييمات متنوعة، وصياغة مطالبات للمناقشة الصفية، ويمكن لبرامج الذكاء الاصطناعي تحديد نقاط القوة والضعف لدى كل طالب في مختلف المواد الدراسية، ما يسمح بتصميم الدروس والمحتوى التعليمي ليُناسب قدراتهم واحتياجاتهم الفريدة. في هذا الصدد، يمكن للمدرسين أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لربط موضوعات مثل الرياضيات بتطبيقات واقعية من حياة الطلاب واهتماماتهم، ما يجعل التعلُّم أكثر جاذبية. ليس هذا فقط، ففي مجال أتمتة المهمَّات الإدارية، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مهمَّات مثل تصحيح الاختبارات والواجبات وتقديم رؤى قيمة حول أداء الطلاب ونقاط ضعفهم، وتوفير تقييمات فورية وشخصية للطلاب. من المزايا الفريدة والمميزة والمهمة التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي أيضاً، هي توفير ملاحظات مفصلة وفورية للطلاب حول أدائهم في المهمات المختلفة، ما يمكِّنهم من فهم نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم بشكلٍ أفضل. تعزِّز هذه الملاحظات الفورية فهم الطلاب للمادة التعليمية وتحسُّن نتائج تعلُّمهم، كما تساعد المعلمين على تحديد المجالات التي تحتاج إلى تركيز أكبر في الدروس المستقبلية.
وكي لا يكون الكلام رومانسياً ونظرياً فحسب، سننقل بسرعة لبعض الأمثلة العملية، فقد شهدت السنة الأخيرة ظهور العديد من الأمثلة الواقعية والدراسات التي توضّح كيف يُطبَّق الذكاء الاصطناعي في المؤسَّسات التعليمية حول العالم، وكيف يؤثِّر في كل من المعلمين والطلاب.
في الواقع، وظِّف التعليم الذكي الذكاء الاصطناعي بطرق فعّالة في تحسين الأداء وتخفيف الأعباء التعليمية، ففي معهد جورجيا للتكنولوجيا مثلاً، استُخدم مساعد تدريس افتراضي للإجابة تلقائياً عن الأسئلة الشائعة، كما نُشِر في جامعة مورسيا بوت دردشة ذكي لمعالجة استفسارات الطلاب بدقةٍ تجاوزت 91% لأكثر من 38 ألف سؤال، ما قلَّل وقت الاستجابة وخفَّف الضغط عن الكادر الأكاديمي في آنٍ معاً.
في المملكة المتحدة، ساعد الذكاء الاصطناعي على تخفيض أعباء تحضير الدروس والاختبارات بنحو خمس ساعات أسبوعياً، بينما قلّصت منصة Gradescope، التابعة لجامعة كاليفورنيا في بيركلي وقت تصحيح المهمَّات بنسبة 70%. وسرّعت NewGlobe إعداد أدلة المعلمين من 4 ساعات إلى 45 ثانية عبر التعاون مع Netguru، أمَّا في كوريا الجنوبية، فتعتزم وزارة التعليم إدخال كتب مدرسية ذكية بالذكاء الاصطناعي في المدارس بدءاً من 2025.
في مجال تحسين أداء الطلاب، طوّر باحثٌ في جامعة ستانفورد نظامَ دعمٍ ذكياً لمساعدة المتعثرين في التعلم الذاتي، فيما حسَّن نظام تعليمي في الصين نتائج طلاب الصف الخامس في الضرب والقسمة بنسبة 30%، وفي كلية آيفي تك Ivy Tech الأميركية، مكّنت تحليلات الذكاء الاصطناعي الإدارة من تحديد 16000 طالب مهدَّدٍ بالرسوب في أول أسبوعين، وأُنقذَ 3000 منهم.
في مجال تعليم اللغات؛ استفاد أكثر من 800 ألف طالب في أميركا اللاتينية وكوريا واليابان من خدمة Edwin لتحسين مهاراتهم في الإنجليزية باستخدام تقنية التعرُّف الصوتي المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضاً: تطبيقات ذكاء اصطناعي تجعل هاتفك أداة للإنتاجية والتعلم
على الرغم من المزايا العديدة التي يقدِّمها الذكاء الاصطناعي في كلٍّ من التعليم التقليدي والتعليم عن بُعد، هناك أيضاً بعض التحديات التي يجب مراعاتها مثل خطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، وإمكانية فقدان اللمسة البشرية في العملية التعليمية، والمخاوف المتعلقة بالخصوصية والأخلاقيات، واحتمالية التحيُّز والأخطاء في المعلومات التي قد تنتجها بعض أدوات الذكاء الاصطناعي إذا لم يرافقها خبير للتأكد من صحتها وما لم تترافق مع إتقان الطلاب هندسة الأوامر.
وبناءً على ما سبق، لا يمكن أن نتجاهل أننا نتجه بسرعة إلى عالمٍ تنافسيٍّ بشكلٍ كبيرٍ تتضاءل فيه الموارد بشدة، ولعلَّ أداوت الذكاء الاصطناعي التوليدي هي الحل السحري لرفع كفاءة العملية التعليمية، وربما تأتي هذه الفرصة مرة واحدة في العمر.. مَن يدري؟