لماذا يثق الجيل زد بالتكنولوجيا المالية أكثر من البنوك التقليدية؟

6 دقيقة
لماذا يثق الجيل زد بالتكنولوجيا المالية أكثر من البنوك التقليدية؟
حقوق الصورة: envato.com/iLixe48

أدى إرث الأزمات الاقتصادية وفجوة تجربة المستخدم إلى دفع الجيل زد نحو التكنولوجيا المالية بحثاً عن السهولة والشفافية، ما أجبر المؤسسات التقليدية على إعادة ابتكار نموذج عملها وإعادة صياغة النظام المالي العالمي من جديد.

  • أزمة الثقة والبديل الرقمي: نشأ الشباب على أنقاض أزمة …

يعد ابتعاد المستهلكين الشباب عن الخدمات المصرفية التقليدية رد فعل لما يعرفه علماء الاجتماع بمفهوم "صدمة الشركات"، إذ نشأ الجيل زد وجيل الألفية وهم يشاهدون المؤسسات المالية تقوض ثقة الجمهور بها، بينما أصبح متاحاً لديهم أدوات وتطبيقات مصرفية سهلة الاستعمال وفي متناول اليد.

حيث يتعامل جيل زد اليوم مع المال بشكل مختلف تماماً عن آبائهم، فبالنسبة لجيل يقضي ما معدله 6.5 ساعات يومياً على هاتفه الذكي، يثق الكثير منهم بتطبيقات الشركات التكنولوجيا المالية الناشئة عوضاً عن البنوك التقليدية التي اعتمدت عليها الأجيال الأكبر سناً.

وتؤكد الدراسات الاستقصائية وجود فجوة واضحة: فوفقاً لدراسة أجرتها شركة التكنولوجيا المالية بيفورت بالتعاون مع منصة ومضة للبرمجيات عام 2024، وجد أن أربعة من كل عشرة عملاء في المنطقة العربية من جيل الشباب يثقون بتطبيقات التكنولوجيا المالية أكثر من البنوك التقليدية.

ولهذه الفجوة الجديدة في الثقة آثار بالغة الأهمية؛ فهي تعكس كيف تعيد قيم جيل الشباب وتجاربهم تشكيل النظام المالي وتؤثر في سلوكهم تجاه التمويل الرقمي، وتجبر البنوك والهيئات التنظيمية على التكيف. فما هي أسباب ثقة جيل زد بالتطبيقات المالية الحديثة؟ وكيف يختلف ذلك عن ثقة الأجيال الأكبر سناً بالبنوك؟ وما هي الفوائد والمخاطر المترتبة على ذلك؟

أنظمة الثقة المتباينة: جيل الألفية الرقمية في مواجهة التقاليد المؤسسية

الشباب اليوم هم جيل الألفية الرقمية الذين يتوقعون أن تكون الخدمات المصرفية سهلة الاستخدام، كاستخدام تطبيقهم المفضل، حيث يطالبون بخدمات فورية وسهلة الاستخدام، وغالباً ما يتبنون أدوات التكنولوجيا المالية الجديدة دون تردد.

وفي المنطقة العربية، يبرز هذا التوجه بشكل أكبر، حيث أظهر استطلاع رأي في السعودية أن أكثر من 80% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و39 عاماً يستخدمون تطبيقات التكنولوجيا المالية، بينما تصل النسبة إلى 82% بين الفئة العمرية 23-29 عاماً.

في المقابل، بنى الجيل الأكبر سناً ثقته على عقود من الخبرة المصرفية وأن الخدمات المصرفية أكثر أماناً في المؤسسات المعروفة والمدعومة من قبل الجهات التنظيمية. في الواقع وبحسب الخبير المالي ومؤلف كتاب "البنك الرقمي"، كريس سكينر: "قد لا يثق العملاء بالبنك نفسه، لكنهم يثقون بفاعلية ترخيص البنك في حماية أموالهم".

ما يعني بعبارة أخرى أن آباء الجيل زد والألفية أو الجيل الأكبر سناً عموماً غالباً ما يربطون المخاطرة بفشل المؤسسات المالية، ويعتمدون على سمعة البنك وهيئات الرقابة المالية لضمان أمان أموالهم، ويظهر هذا التباين في استطلاعات الرأي، حيث يميل الشباب إلى الثقة بمزودي خدمات التكنولوجيا المالية.

ففي جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، يتزايد عدد مستخدمي التكنولوجيا المالية بسرعة، إذ يشكل جيل الألفية وجيل زد أكثر من ثلثي مستخدمي هذه الخدمات، ومن المتوقع أن ترتفع بشكل ملحوظ إلى نحو 79% بحلول 2030. 

كما يشير مؤشر ثقة إيدلمان لعام 2024 إلى أن الشباب (من 18 إلى 34 عاماً) يبدون ثقة أكبر في الخدمات التكنولوجية المالية عموماً مقارنة بالفئة العمرية 55 عاماً فأكثر.

اقرأ أيضاً: قوة التكنولوجيا: السر وراء صعود شركات التكنولوجيا المالية

لماذا تراجعت الثقة بالبنوك التقليدية لدى الجيل زد وجيل الألفية؟

انعدام ثقة الشباب بالبنوك التقليدية تماماً ليس وليد الصدفة، بل هو سلوك مكتسب تشكل بفعل العديد من العوامل منها:

إرث انعدام الثقة

على الرغم من أن العديد من أبناء جيل زد كانوا صغاراً خلال الأزمة المالية عام 2008، فإنهم نشأوا في أسر تأثرت بتداعياتها. فقد شهدوا آباءهم يفقدون منازلهم ومدخراتهم لصالح مؤسسات مالية "أكبر من أن تفلس"، ما غرس فيهم شكوكاً عميقة تجاه الاستدامة المؤسسية.

اقتصاد الرسوم

غالباً ما تفرض البنوك التقليدية رسوماً متباينة على العديد من الخدمات المرافقة، وهي تكاليف تؤثر بشكل غير متناسب في العملاء الأصغر سناً وأصحاب الدخل المنخفض. في المقابل، غالباً ما تقدم شركات التكنولوجيا المالية نماذج "مجانية جزئياً"، وبالنسبة لمستخدم جيل زد فإن هذه العلاقة تكون بمثابة: البنك يأخذ المال بينما يساعد تطبيق التكنولوجيا المالية على إدارته.

فجوة تجربة المستخدم

في عالم الإشباع الرقمي الفوري تبدو صعوبات الخدمات المصرفية التقليدية مثل ملء الأوراق والانتظار في الطوابير عوامل غير ضرورية، إذ ينظر إليها جيل زد على أنها دليل على عدم الكفاءة.

كما تظهر الدراسات الاستقصائية، ومن ضمنها دراسة حديثة لشركة ماستر كارد، أن السرعة والراحة تتصدران الآن قائمة أولويات العملاء الشباب؛ فمستهلكو الجيل زد أكثر ميلاً بمقدار 2.5 مرة للمطالبة بتجربة سريعة عبر الإنترنت، وهم على استعداد لتغيير مزودي الخدمات المصرفية للحصول على هذه الميزات بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ما يفعله آباؤهم.

اقرأ أيضاً: 84% من المدفوعات في دول الخليج رقمية: كيف أصبحت البنوك التقليدية أمام منافسة جديدة غير متوقعة؟

كيف تؤثر الدوافع الاجتماعية والثقافية في ثقة جيل الشباب بالتكنولوجيا المالية؟

يعزز التأثير الاجتماعي والقيم المشتركة ثقة الجيل زد في التكنولوجيا المالية بشكل كبير، إذ ينتشر تبني أدوات التكنولوجيا المالية عن طريق التوصيات الشفهية والاتجاهات عبر الإنترنت. فبحسب استطلاع رأي أجرته شركة التكنولوجيا المالية سبروس في السوق الأميركية، ذكر نحو 70% من أبناء جيل زد أنهم تأثروا باتجاه مالي على الإنترنت، وأن نحو 72% منهم يلجؤون بانتظام إلى طلب المشورة المالية على منصات التواصل الاجتماعي ومؤثري الإنترنت.

علاوة على ذلك، وبحسب استطلاع أجرته شركة الخدمات المالية تشارلز شواب نشر عام 2024، فإن منصات مثل تيك توك وتويتر أصبحت أكثر تأثيراً في حصول الجيل زد على التثقيف المالي، حيث يلجأ نحو 72% منهم إلى هذه المنصات للحصول على المحتوى المالي التثقيفي مقارنة بنحو 57% من جيل الألفية و38% من جيل إكس.

والأمر الأكثر إثارة للاهتمام بحسب الاستطلاع هو أن نحو 32% من جيل زد يعتبرون تطبيق تيك توك مصدراً موثوقاً للمعلومات المالية مقارنة بنحو 13% فقط من جيل إكس. وبحسب الخبراء فإن هذا التفاعل الجماعي يسهم في إنشاء نوع من المصداقية الاجتماعية: فإذا فضل الأقران والمؤثرون تطبيقاً مالياً معيناً فإن ذلك يعزز الثقة بين الآخرين في الشبكة.

ويعزز هذا التوجه تصميم شركات التكنولوجيا المالية الذي يركز على المستخدم: فالتطبيقات المالية الحديثة مصممة لتكون سهلة الاستخدام وجذابة، وهو شرط أساسي لكسب الثقة، بعكس البنوك التقليدية التي ينظر إليها غالباً على أنها مؤسسات رسمية تفتقر إلى اللمسة الشخصية، وهو ما تملأ فراغه واجهات تطبيقات التكنولوجيا المالية الأنيقة والتسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟

موازنة الثقة مع الحذر: المخاطر الخفية في التكنولوجيا المالية

لا يثق الجيل زد بالتكنولوجيا المالية عن جهل، بل هي ثقة مبنية على إدراك أنواع جديدة من المخاطر، فالشباب في نواحٍ عديدة يولون أهمية كبيرة للأمان، إذ صنف ما يقرب من نصف أفراد الجيل زد الذين شملهم استطلاع حديث أجرته شركة بيل ترست لحلول الدفع الرقمي السحابية "الأمان" كأهم ميزة في تطبيقات الدفع.

كما أشار الاستطلاع نفسه إلى أنه على الرغم من حماس الجيل زد تجاه التكنولوجيا المالية فإن العديد منهم يشعرون بالقلق نفسه أو أكثر حيال عمليات الاحتيال في القطاع، كما الحال في قطاع البنوك التقليدية، ما يظهر أن الجيل نفسه المتحمس يدرك أن التطبيقات الرقمية قد تحتوي على نقاط ضعف.

وعندما سئلوا: "هل ستستمر في التعامل مع شركة إذا اخترقت بياناتك المالية؟"، أفاد نحو 60% من المشاركين بأن ذلك يعتمد على كيفية استجابة الشركة المتأثرة للوضع، بينما أفاد 33% بأنهم سيتخلون عن الشركة. وهو ما يترك ملاحظة مهمة وهي أن الجيل زد يدرك واقع هذه التهديدات في العصر الرقمي، ويهتم أكثر بكيفية استجابة العلامات التجارية التي يثقون بها مع بياناتهم لها.

وتدرك شركات التكنولوجيا المالية ذلك، إذ تعلن باستمرار عن منهجياتها الأمنية وميزاتها الفورية بشأن الاحتيال، أما البنوك التقليدية، فلا تزال تحتفظ بميزة جوهرية وهي أن معظم الناس ما زالوا يثقون بالشركة المرخصة لحماية أموالهم، ومن ثم لكل طرف نقاط قوة: الشفافية التي توفرها التكنولوجيا في مجال التكنولوجيا المالية مقابل الضمانات المؤسسية للبنوك، وهو ما يبرع الجيل زد في الجمع بينهما نسبة للموارد المعرفية التي يمتلكونها الآن.

بين إرث أزمة 2008 وهوس تيك توك المالي: كيف يمكن سد فجوة الثقة؟

لا تكمن الإجابة في انتصار طرف على الآخر، بل في الاندماج بين موثوقية البنوك التقليدية وابتكار التكنولوجيا المالية. وبناءً على التحولات الحالية، يمكن رسم خارطة طريق للمستقبل لكلا الطرفين كما يلي:

البنوك التقليدية

التحول من مراكز معاملات إلى منصات تجربة، فبحسب تقرير شركة ماكنزي حول مستقبل الخدمات المصرفية فإن البنوك التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي لتخصيص العروض المالية لكل عميل هي الوحيدة التي ستستعيد ولاء الجيل زد، مع الحفاظ على ثقة الأجيال الأكبر سناً.

شركات التكنولوجيا المالية

مع نموها تصبح الحوكمة هي التحدي الأكبر، فوفقاً لدراسة من شركة ديلويت حول اتجاهات التكنولوجيا المالية 2025، فإن الشركات التي تستثمر في الشفافية الراديكالية فيما يخص استخدام البيانات وتأمينها ضد الهجمات السيبرانية هي التي ستتحول من مجرد "تطبيق دفع" إلى "شريك مالي مستدام".

اقرأ أيضاً: ما هي التوجهات العالمية التي لا يمكن للبنوك تجاهلها في المال والتكنولوجيا؟

الرؤية الاستراتيجية: التعاون التنظيمي

إن تبني مفهوم المصرفية المفتوحة التي تتيح للمستهلكين مشاركة بياناتهم المالية بأمان بين بنوكهم التقليدية وتطبيقات التكنولوجيا المالية، كما الحال في مبادرات البنوك المركزية في المنطقة العربية مثل البنك المركزي السعودي، يمثل الحل الأمثل، ما يمنح الجيل زد السرعة التي يريدها مع ضمان الأمان الذي يوفره النظام البنكي العريق.

النصيحة الذهبية: إن ثقة الجيل زد ليست شيكاً على بياض لشركات التكنولوجيا المالية، بل هي دعوة لتطوير نظام مالي أكثر إنسانية وسرعة، إذ إن المستقبل ينتمي للمؤسسات التي تستطيع أن تجمع بين "هيبة" الترخيص البنكي و"سلاسة" واجهة التطبيق الرقمي.

المحتوى محمي