إعادة تقييم للذكاء الاصطناعي بعد هذه الضجة كلها

11 دقيقة
إعادة تقييم للذكاء الاصطناعي بعد كل هذه الضجة
مصدر الصورة: ديريك براهني

بعد موجة من التفاؤل المفرط، شهد عام 2025 مرحلة مراجعة واقعية لتوقعات الذكاء الاصطناعي، مع اتساع الفجوة بين الوعود التسويقية والنتائج الفعلية. فبرزت ملامح المراجعة من خلال نقاط متعددة:

  • تراجع الزخم حول النماذج اللغوية الكبيرة، مع اتضاح محدودية قدرتها على التعميم وأنها لا …

حتى في قمة الانبهار، كان من المنطقي أن نتوقع بعضاً من خيبة الأمل. فعندما أصدرت شركة أوبن أيه آي تطبيقاً مجانياً يعمل عبر الإنترنت يسمى "تشات جي بي تي" (ChatGPT) في أواخر عام 2022، غيرت مسار صناعة بأكملها، والعديد من الاقتصادات العالمية. بدأ الملايين من الناس يتحدثون إلى أجهزتهم الحاسوبية، وبدأت أجهزتهم الحاسوبية ترد عليهم. لقد انبهرنا بما حدث، وتوقعنا المزيد.

وحصلنا على المزيد بالفعل، إذ تدافعت شركات التكنولوجيا للبقاء في المقدمة، وطرحت منتجات متنافسة يتفوق بعضها على بعض مع كل إصدار جديد: الصوت والصور والفيديو. وبفضل روح المنافسة التي لا تتوقف، قدمت شركات الذكاء الاصطناعي كل إصدار جديد من منتجاتها على أنه إنجاز غير مسبوق، ما عزز الاعتقاد السائد بأن هذه التكنولوجيا ستستمر في التحسن. أخبرنا المروجون أن التقدم يسير بوتيرة مذهلة، ونشروا مخططات بيانية توضح المدى الذي وصلنا إليه منذ نماذج العام الماضي: انظروا كيف يرتفع الخط إلى الأعلى! بدا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على فعل أي شيء.

اقرأ أيضاً: عصر المؤامرة الرقمية: كيف أصبح الذكاء الاصطناعي العام أسطورة القرن؟

حسناً، لقد اتسم عام 2025 بأنه عام الحساب والمراجعة

بداية، قدم رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة وعوداً لم يتمكنوا من الوفاء بها. لقد أخبرونا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيحل محل القوى العاملة في الوظائف المكتبية، ويجلب عصراً من الوفرة، ويحقق اكتشافات علمية، ويساعد على إيجاد علاجات جديدة للأمراض. تسبب هوس الخوف من فقدان الفرصة في أنحاء اقتصادات العالم كافة، على الأقل في دول شمال الكرة الأرضية، بدفع الرؤساء التنفيذيين إلى التخلي عن استراتيجياتهم المعتادة ومحاولة اللحاق بالركب.

في تلك المرحلة، بدأ البريق يتلاشى. وعلى الرغم من تسويق هذه التكنولوجيا على أنها أداة متعددة الأغراض قادرة على إحياء العمليات التجارية القديمة وخفض التكاليف، فإن عدداً من الدراسات التي نشرت هذا العام يشير إلى أن الشركات تعجز عن تحقيق النتائج المرجوة من الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت استطلاعات الرأي وبيانات التتبع من مصادر متنوعة، بما فيها مكتب الإحصاء الأميركي وجامعة ستانفورد، عن تباطؤ في تبني الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي. وحتى عند تجربة هذه الأدوات، يظل العديد من المشاريع عالقاً في المرحلة التجريبية. ومن غير الواضح كيف ستتمكن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى من استرداد المبالغ الهائلة التي أنفقتها بالفعل في هذا السباق.

اقرأ أيضاً: مؤامرة الذكاء الاصطناعي العام الكبرى: صناعة الأساطير والمعتقدات وأحلام اليوتوبيا التكنولوجية

في الوقت نفسه، لم تعد تحديثات التكنولوجيا الأساسية تحدث نقلة نوعية كما كانت في السابق.

وكان المثال الأبرز على ذلك هو الإطلاق المتعثر للإصدار تشات جي بي تي 5 في أغسطس/آب. فشركة أوبن أيه آي التي أشعلت الطفرة الحالية (وحافظت إلى حد كبير عليها)، كانت على وشك إطلاق جيل جديد من تقنيتها. إذ ظلت على مدى شهور تروج لتشات جي بي تي 5 بأنه "خبير يضاهي حملة الدكتوراة في أي مجال"، كما تباهى الرئيس التنفيذي سام ألتمان. وفي مناسبة أخرى نشر ألتمان، دون أن يرفق منشوره بأي تعليق، صورة لنجمة الموت من سلسلة أفلام الخيال العلمي "حرب النجوم"، والتي اعتبرها أنصار أوبن أيه آي رمزاً للقوة المطلقة: قريباً! لذا كانت التوقعات هائلة.

ومع ذلك، عندما ظهر جي بي تي 5، بدا مجرد تكرار لما سبقه. لكن ما تلا ذلك كان بمثابة تحول جذري في التوجهات منذ ظهور تشات جي بي تي أول مرة قبل ثلاث سنوات. إذ أعلن الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي واليوتيوبر الشهير، يانيك كيلشر، في مقطع فيديو نشر بعد يومين من إطلاق جي بي تي 5 قائلاً: "لقد انتهى عصر التطورات التي تتخطى الحدود. لن نرى الذكاء الاصطناعي العام. ويبدو أننا نعيش في عصر سامسونج جالاكسي الخاص بالنماذج اللغوية الكبيرة".

عمد الكثير من الناس (بمن فيهم أنا) إلى مقارنة ما يجري بقصة الهواتف الذكية. فعلى مدى عقد من الزمن أو نحو ذلك، كانت الهواتف الذكية أكثر التكنولوجيات الاستهلاكية إثارة في العالم. أما اليوم، فتطرح شركتا آبل وسامسونج منتجاتهما الجديدة دون ضجة تذكر. وفي حين ينكب المعجبون المتحمسون على التحسينات الطفيفة، يبدو هاتف آيفون هذا العام بالنسبة لمعظم الناس شبيهاً إلى حد كبير بهاتف آيفون العام الماضي. فهل هذا ما وصلنا إليه مع الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ وهل يعد ذلك مشكلة؟ مما لا شك فيه هو أن الهواتف الذكية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لكنها غيرت الطريقة التي يعمل بها العالم أيضاً.

ولكي نكون واضحين، شهدت السنوات القليلة الماضية الكثير من لحظات "الإبهار" الحقيقية، بدءاً من القفزات المذهلة في جودة نماذج توليد الفيديو، مروراً ببراعة ما يسمى نماذج التفكير المنطقي في حل المشكلات، وصولاً إلى الفوز في المسابقات العالمية لأحدث نماذج البرمجة والرياضيات. لكن هذه التكنولوجيا الرائعة لم يمض على ظهورها سوى بضع سنوات فقط، ولا تزال تجريبية من نواح عديدة، وتأتي نجاحاتها مصحوبة بمحاذير كبيرة.

ربما يتعين علينا إعادة ضبط توقعاتنا.

اقرأ أيضاً: نقلة نوعية في قدرة الذكاء الاصطناعي على حل المسائل الرياضية

المراجعة الشاملة

دعونا نتحلى بالحذر هنا: قد تتأرجح التوقعات من التفاؤل المفرط إلى التشكيك المفرط بصورة حادة. وسيكون من التسرع رفض هذه التكنولوجيا لمجرد المبالغة في الترويج لها. إن رد الفعل التلقائي عندما يفشل الذكاء الاصطناعي في الارتقاء إلى مستوى الضجيج الذي أحدثه هو القول إن التقدم قد وصل إلى حائط مسدود، لكن ذلك يسيء فهم كيفية عمل البحث والابتكار في مجال التكنولوجيا. لطالما كان التقدم متقطعاً وغير منتظم، فثمة طرق لتجاوز العقبات والالتفاف حولها والتغلب عليها.

لننظر إلى إطلاق جي بي تي 5 من منظور أوسع. فقد جاء عقب سلسلة من النماذج المتميزة التي طرحتها أوبن أيه آي في الأشهر السابقة، بما في ذلك "أو 1" (o1) و"أو 3" (o3) (نموذجا تفكير رائدان من نوعهما، قدما لقطاع الذكاء الاصطناعي نموذجاً فكرياً جديداً بأكمله) و"سورا 2" (Sora 2)، الذي ارتقى بمستوى توليد الفيديو مرة أخرى؛ ولا يبدو لي أن هذا يمثل تقدماً وصل إلى حائط مسدود.

الذكاء الاصطناعي رائع حقاً! انظر إلى "نانو بانانا برو" (Nano Banana Pro)، وهو نموذج توليد الصور الجديد من شركة جوجل ديب مايند الذي يمكنه تحويل فصل من كتاب إلى رسم بياني وغير ذلك الكثير، إنه متاح على هاتفك مجاناً.

ومع ذلك لا يسعك إلا أن تتساءل: عندما يختفي عامل الإبهار، ماذا يتبقى؟ كيف سننظر إلى هذه التكنولوجيا بعد عام أو خمسة أعوام من الآن؟ هل سنعتقد أنها كانت تستحق التكاليف الهائلة، المالية والبيئية على حد سواء؟

مع وضع ذلك في الاعتبار، إليك أربع طرق للتفكير في حالة الذكاء الاصطناعي في نهاية عام 2025: بداية تصحيح الضجة الإعلامية الذي نحن في أمس الحاجة إليه.

اقرأ أيضاً: لماذا تفشل النماذج العامة في المهام الحساسة؟ تحليل مبني على البيانات

01: النماذج اللغوية الكبيرة ليست كل شيء

في بعض النواحي، تكون الضجة الإعلامية المثارة حول النماذج اللغوية الكبيرة، وليس الذكاء الاصطناعي ككل، هي التي تحتاج إلى تصحيح. فقد أصبح من الواضح أن النماذج اللغوية الكبيرة ليست هي المدخل إلى الذكاء الاصطناعي العام، وهي تكنولوجيا افتراضية يصر البعض على أنها ستكون قادرة يوماً ما على تنفيذ أي مهمة (معرفية) يستطيع الإنسان تنفيذها.

حتى إن أحد المبشرين بالذكاء الاصطناعي العام مثل كبير العلماء والمؤسس المشارك في شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة سيف سوبر إنتليجنس وكبير العلماء والمؤسس المشارك السابق في شركة أوبن أيه آي، إيليا سوتسكيفر، يسلط الضوء الآن على قصور النماذج اللغوية الكبيرة، وهي تكنولوجيا كان له دور كبير في ابتكارها. قال سوتسكيفر في مقابلة مع دواركيش باتيل في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إن النماذج اللغوية الكبيرة تتميز بقدرتها الفائقة على تعلم كيفية أداء الكثير من المهام المحددة، لكنها لا تبدو قادرة على استيعاب المبادئ الكامنة وراء تلك المهام.

إنه الفرق الكامن بين تعلم كيفية حل ألف مسألة مختلفة في الجبر وتعلم كيفية حل أي مسألة جبرية. يقول سوتسكيفر: "أعتقد أن الأمر الأكثر جوهرية هو أن قدرة هذه النماذج على التعميم أضعف بكثير من قدرة البشر".

من السهل أن نتخيل أن هذه النماذج قادرة على فعل أي شيء لأن استخدامها للغة مقنع للغاية. ومن المذهل مدى قدرة هذه التكنولوجيا على محاكاة الطريقة التي يكتب بها الناس ويتحدثون بها. كما أننا مجبولون فطرياً على رؤية الذكاء في الأشياء التي تتصرف بطرق معينة، سواء كان الذكاء موجوداً فيها أم لا. وبعبارة أخرى، لقد صنعنا آلات ذات سلوك يشبه سلوك البشر ولا يمكننا مقاومة رؤية عقل يشبه عقل الإنسان وراءها.

هذا أمر مفهوم، إذ لم تدخل النماذج اللغوية الكبيرة حيز الاستخدام الشائع إلا منذ بضع سنوات. ولكن خلال تلك الفترة، استغل المسوقون إدراكنا الهش لما يمكن لهذه التكنولوجيا أن تفعله حقاً، فرفعوا سقف التوقعات وزادوا الضجة المحيطة بها. ومع تعايشنا مع هذه التكنولوجيا وفهمنا لها بصورة أفضل، ينبغي أن تتراجع هذه التوقعات إلى مستوياتها الطبيعية.

اقرأ أيضاً: تحقيق الاستفادة المثلى من قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي: 3 مسائل جوهرية للجهات الحكومية

02: الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سريعاً لمشاكلك جميعها

في شهر يوليو/تموز، نشر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دراسة أصبحت محور نقاش حاد بين المتشككين. وكانت النتيجة الرئيسية للدراسة أن 95% من الشركات التي جربت استخدام الذكاء الاصطناعي لم تجد فيه أي فائدة.

وقد أكدت أبحاث أخرى أيضاً جوهر هذا الادعاء. ففي نوفمبر/تشرين الثاني، وجدت دراسة أجراها باحثون في شركة أبوورك، وهي شركة تدير سوقاً إلكترونية عبر الإنترنت للذين يعملون بصورة مستقلة، أن الوكلاء الذين يعملون بواسطة أفضل النماذج اللغوية الكبيرة من أوبن أيه آي وجوجل ديب مايند وأنثروبيك فشلوا في إنجاز العديد من مهام العمل البسيطة بمفردها.

وهذا بعيد كل البعد عن توقعات ألتمان، فقد كتب على مدونته الشخصية في يناير/كانون الثاني قائلاً: "نعتقد أنه في عام 2025، قد نشهد أول دفعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي ’’تنضم إلى القوى العاملة‘‘ إضافة لإحداث تغيير ملموس في مخرجات الشركات".

لكن ما يغيب عن دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تلك هو أن معيار النجاح الذي اعتمده الباحثون كان ضيقاً للغاية. فنسبة الفشل التي بلغت 95% تشمل الشركات التي حاولت تطبيق أنظمة ذكاء اصطناعي مصممة حسب الطلب، لكنها لم تتجاوز المرحلة التجريبية بعد ستة أشهر. لذا ليس من المستغرب أن الكثير من التجارب على التكنولوجيا التجريبية لا ينجح على الفور.

كما أن هذا الرقم لا يشمل استخدام الموظفين للنماذج اللغوية الكبيرة خارج نطاق المشاريع التجريبية الرسمية. فقد وجد باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن نحو 90% من الشركات التي شملها الاستطلاع لديها نوع من اقتصاد الظل للذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم العاملون حسابات بوتات الدردشة الشخصية. لكن قيمة اقتصاد الظل هذا لم تخضع للقياس.

عندما نظرت دراسة أبوورك في مدى نجاح الوكلاء في إكمال المهام مع الأشخاص الذين يعرفون ما يفعلونه، ارتفعت معدلات النجاح. والخلاصة على ما يبدو هي أن الكثير من الناس يكتشفون بأنفسهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدهم في وظائفهم.

عندما ركزت دراسة أبوورك على مدى كفاءة أداء الوكلاء في إنجاز المهام بالتعاون مع أشخاص أصحاب خبرة، ارتفعت معدلات النجاح بصورة ملحوظة. ويبدو أن الاستنتاج هو أن الكثيرين يكتشفون بأنفسهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدهم في وظائفهم.

يتوافق هذا مع ما أشار إليه الباحث والمؤثر في مجال الذكاء الاصطناعي (ومبتكر مصطلح "البرمجة الحدسية" [Vibe Coding]) أندريه كارباثي: إن بوتات الدردشة تتفوق على الإنسان العادي في العديد من المجالات (كتقديم الاستشارات القانونية، وإصلاح الأخطاء البرمجية، وحل مسائل الرياضيات في المرحلة الثانوية)، لكنها لا تتفوق على الخبير البشري. ويرى كارباثي أن هذا قد يفسر سبب شيوع بوتات الدردشة بين المستهلكين الأفراد، حيث تساعد الأشخاص غير المتخصصين على الإجابة عن تساؤلاتهم وإنجاز مهامهم اليومية، لكنها لم تحدث ثورة في الاقتصاد، الأمر الذي يتطلب تفوقها على الموظفين المهرة في وظائفهم.

قد يتغير ذلك. في الوقت الحالي، لا تندهش من أن الذكاء الاصطناعي لم يحدث (حتى الآن) التأثير المتوقع في الوظائف. فالذكاء الاصطناعي ليس حلاً سريعاً، ولا يمكنه أن يحل محل البشر. ولكن لا يزال ثمة الكثير مما يمكن تحقيقه، ولا تزال الطرق التي يمكن من خلالها دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل اليومي وخطوط الأعمال قيد التجربة.

اقرأ أيضاً: كيف ستتجاوز الإنترنت (ومعها إيلون ماسك) أزمة منتصف العمر؟

03: هل نحن في فقاعة؟ (إذا كان الأمر كذلك، فما نوع الفقاعة؟)

إذا كان الذكاء الاصطناعي فقاعة، فهل هي تشبه فقاعة الرهن العقاري العالي المخاطر في عام 2008 أو فقاعة الإنترنت في عام 2000؟ لأن ثمة فرقاً شاسعاً بينهما.

فقد قضت فقاعة الرهن العقاري على جزء كبير من الاقتصاد، لأنها عندما انفجرت لم تترك وراءها سوى الديون والعقارات المبالغ في قيمتها. أما فقاعة الدوت كوم فقد قضت على الكثير من الشركات، ما أدى إلى تداعيات عالمية، لكنها خلفت وراءها بدايات شبكة الإنترنت، حيث كانت شبكة دولية من الكبلات وعدداً من الشركات الناشئة، مثل جوجل وأمازون، التي أصبحت عمالقة التكنولوجيا في عصرنا الحالي.

لكن ربما نعيش في فقاعة مختلفة عن أي من هذين الاحتمالين. ففي نهاية المطاف، لا يوجد نموذج عمل حقيقي لشركات النماذج اللغوية الكبيرة في الوقت الحالي. ولا نعرف حتى الآن ماهية التطبيق القاتل، أو حتى إن كان سيوجد تطبيق قاتل من الأساس.

ويشعر العديد من الاقتصاديين بالقلق بشأن المبالغ المالية غير المسبوقة التي يجري ضخها في البنية التحتية اللازمة لبناء القدرات وتلبية الطلب المتوقع. ولكن ماذا لو لم يتحقق هذا الطلب؟ أضف إلى ذلك التعقيدات الغريبة التي تكتنف العديد من هذه الصفقات -حيث تدفع شركة إنفيديا لشركة أوبن أيه آي التي تدفع بدورها لشركة إنفيديا، وهكذا دواليك- وليس من المستغرب أن يكون لدى الجميع آراء مختلفة حول ما هو مقبل.

لا يزال بعض المستثمرين متفائلين. وفي مقابلة مع المدونة الصوتية لشبكة برمجة الأعمال التكنولوجية في نوفمبر/تشرين الثاني، قدم غلين هاتشينز، المؤسس المشارك لشركة سيلفر ليك بارتنرز، وهي شركة دولية كبرى في مجال الأسهم الخاصة، بعض الأسباب التي لا تدعو للقلق؛ إذ يقول: "كل مركز من مراكز البيانات هذه -جميعها تقريباً- مرتبط بعقود مع أطراف مالية قادرة على الوفاء بالتزاماتها وقادرة على استيعاب طاقته الإنتاجية الكاملة". بعبارة أخرى، الوضع لا يعتمد على مبدأ "البناء أولاً ثم البحث عن الطلب"، فالعملاء موجودون مسبقاً ومضمونون.

وأشار إلى أن مايكروسوفت تعد من أكبر هذه الشركات ذات الملاءة المالية. وقال هاتشينز: "تتمتع مايكروسوفت بأفضل تصنيف ائتماني في العالم. إذا أبرمت اتفاقية مع مايكروسوفت للحصول على المخرجات من مركز بياناتك، فإن ساتيا خيار ممتاز".

سينظر العديد من الرؤساء التنفيذيين إلى فقاعة الدوت كوم ويحاولون استخلاص العبر منها. وإليك إحدى الطرق لفهم ذلك: الشركات التي أفلست آنذاك لم يكن لديها المال الكافي للاستمرار، أما تلك التي نجت من الانهيار فقد ازدهرت.

مع أخذ هذا الدرس في الاعتبار، تحاول شركات الذكاء الاصطناعي اليوم أن تشق طريقها ضمن سباق قد يكون فقاعة اقتصادية أو لا يكون. ابق في السباق، ولا تتخلف عن الركب. ومع ذلك، فهي مقامرة محفوفة بالمخاطر.

لكن ثمة درساً آخر أيضاً. يمكن أن تتحول الشركات التي قد تبدو هامشية إلى شركات ضخمة "يونيكورن" بسرعة. خذ مثلاً شركة سينثيزيا، التي تصنع أدوات إنشاء الشخصيات الرمزية للشركات. يعترف المؤسس المشارك لشركة آير ستريت كابيتال، ناثان بينيش، أنه عندما سمع أول مرة عن الشركة قبل بضع سنوات، حين كان الخوف من التزييف العميق منتشراً، لم يكن متأكداً من الغرض الذي تؤديه تقنيتها، وظن أنه لا توجد سوق لها.

يقول بينيش: "لم نكن نعرف من سيدفع مقابل مزامنة الشفاه واستنساخ الصوت. اتضح أن ثمة الكثير من الأشخاص الذين أرادوا الدفع مقابل ذلك". لدى سينثيزيا الآن نحو 55,000 عميل من الشركات، وتحقق نحو 150 مليون دولار سنوياً. وفي أكتوبر/تشرين الأول بلغت قيمة الشركة 4 مليارات دولار.

اقرأ أيضاً: لا تصدق نصف ما ترى ولا ربع ما تسمع وتحقق من كل ما تقرأ

04: لم يكن تشات جي بي تي البداية، ولن يكون النهاية

كان تشات جي بي تي تتويجاً لعقد من التقدم في مجال التعلم العميق، وهو التكنولوجيا التي تشكل العمود الفقري لأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة كلها. أما بذور التعلم العميق نفسه فقد زرعت في الثمانينيات، ويعود المجال ككل إلى خمسينيات القرن الماضي على الأقل. وإذا ما قيس التقدم المحرز في ضوء هذه الخلفية، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي بالكاد بدأ.

وفي الوقت نفسه، يشهد البحث العلمي زخماً هائلاً. فقد ازداد عدد الأبحاث العالية الجودة المقدمة إلى مؤتمرات الذكاء الاصطناعي العالمية الكبرى بصورة غير مسبوقة. وقد لجأ منظمو بعض هذه المؤتمرات هذا العام إلى رفض أوراق بحثية سبق أن وافق عليها المراجعون، وذلك لمجرد إدارة الأرقام. (في الوقت نفسه، امتلأت خوادم ما قبل النشر مثل أركايف بأبحاث رديئة الجودة ناتجة عن الذكاء الاصطناعي).

قال سوتسكيفر في مقابلة دواركيش تلك، متحدثاً عن المأزق الحالي الذي يواجه النماذج اللغوية الكبيرة: "لقد عدنا إلى عصر البحث العلمي". لكن هذا ليس انتكاسة؛ بل بداية لمرحلة جديدة.

يقول بينيتش: "دائماً ما يكون هناك الكثير من صانعي الضجة الإعلامية المتحمسين". لكنه يعتقد أن ثمة جانباً إيجابياً في ذلك: فالضجة الإعلامية تجذب الأموال والمواهب اللازمة لتحقيق تقدم حقيقي. ويضيف: "كما تعلمون، كان الأشخاص الذين بنوا هذه النماذج قبل عامين أو ثلاثة أعوام فقط مهووسين بالأبحاث في الأساس، وقد صادف أن وجدوا شيئاً ناجحاً نوعاً ما. أما اليوم، فكل من يجيد أي مجال من مجالات التكنولوجيا يعمل على هذا الأمر".

اقرأ أيضاً: ما الذي يدفع العلماء للتحذير من انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؟

إلى أين نتجه من هنا؟

لم تقتصر هذه الضجة المتواصلة فقط على الشركات التي تسعى لجذب العملاء لتكنولوجياتها الجديدة المكلفة للغاية، بل ثمة شريحة واسعة من الناس -داخل الصناعة وخارجها- ممن يرغبون في تصديق إمكانية وجود آلات يمكنها القراءة والكتابة والتفكير. إنه حلم جامح راودنا عقوداً من الزمن.

لكن الضجة لم تكن مستدامة يوماً، وهذا أمر جيد. لدينا الآن فرصة لإعادة ضبط التوقعات ورؤية هذه التكنولوجيا على حقيقتها، وتقييم قدراتها الحقيقية، وفهم عيوبها، وأخذ الوقت الكافي لتعلم كيفية تطبيقها بطرق ذات قيمة عالية (ومفيدة). يقول بينيتش: "ما زلنا نحاول معرفة كيفية استحضار سلوكيات معينة من هذا الصندوق الأسود المعقد للغاية من المعلومات والمهارات".

لقد طال انتظار تصحيح هذا التضخيم الإعلامي، ولكن علينا أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي باق لا محالة. إلا أننا لا نفهم تماماً ما أنجزناه حتى الآن، فضلاً عما سيأتي لاحقاً.

المحتوى محمي