لماذا يحتاج المدير العربي إلى تغيير عاداته القيادية في العصر الرقمي؟

6 دقيقة
لماذا يحتاج المدير العربي إلى تغيير عاداته القيادية في العصر الرقمي؟
حقوق الصورة: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية. تصميم: عبدالله بليد.

في بيئة العمل الهجين وعن بعد يبرز "التعاطف الرقمي" ضرورة استراتيجية للمدير العربي المعاصر للحفاظ على نسيج العلاقات الإنسانية والإنتاجية خلف الشاشات. يمثل هذا المفهوم القدرة على سد الفجوة الناتجة عن غياب لغة الجسد ونبرة الصوت في التواصل الرقمي، ويمكن تلخيص أبعاده في:

  • تكم…

يرسل أحمد، مدير قسم الهندسة في شركة نشر رقمي مقرها الرياض إلى عضو فريق المحتوى الموجود في المغرب، إبراهيم، رسالة في الساعة 9:06 مساءً تقول: "أين التقرير؟"، بالنسبة لأحمد فقد كان الأمر روتينياً بالنسبة له ومتابعة لسير العمل.

ولكن بالنسبة لإبراهيم فهي بداية ليلة بلا نوم حيث يبدأ بمراجعة الرسائل القديمة ويسترجع كل كلمة قيلت في الاجتماع الأخير، هذا الانفصال -الناجم عن غياب النبرة والتواصل الإنساني- يمثل بداية تآكل الثقة ويكشف عن فجوة في التعاطف الرقمي، فجوة حولت متابعة روتينية بسيطة إلى مصدر قلق لموظف مجتهد.

ما هو التعاطف الرقمي؟

هو القدرة على استشعار مشاعر الآخرين وفهمها والاستجابة لها عبر الشاشات والنصوص والواجهات الرقمية، حيث تكون نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد ضعيفة أو غائبة تماماً، على عكس التعاطف الكلاسيكي الذي يعتمد بشكل كبير على الحضور الجسدي والإشارات اللحظية.

يعتمد التعاطف الرقمي على كيفية وماذا نكتب ومتى ترسل الرسالة والقناة التي تختارها، ببساطة يعني الفرق بين أن يطلب المدير بصيغة: "أين التقرير؟"، و"أعلم أن اليوم كان حافلاً، هل يمكنك إرسال التقرير غداً قبل الظهر حتى نتمكن من إغلاق الموضوع معاً؟".

لماذا أصبح أكثر أهمية في بيئات العمل العربية؟

في منطقتنا العربية تظل العلاقات الشخصية هي الوقود الحقيقي للعمل، فوفقاً لرائد الأعمال فادي غندور فإن أنسنة العلاقة بين القائد وفريقه هي الضمانة للاستمرارية، والتعاطف الرقمي هو النسخة المطورة من هذه المقاربة الإنسانية الذي يمنع تحول التواصل إلى مجرد أوامر جافة تفقد الموظف انتماءه للمؤسسة.

علاوة على ذلك، يمكن التعاطف الرقمي المدير من تطبيق "الحساسية الثقافية" على التغذية الراجعة الرقمية، ويشمل ذلك اختيار الوسيلة المناسبة لأنواع التواصل المختلفة، مثل استخدام رسالة صوتية قصيرة لنقل نبرة داعمة للتصحيح بدلاً من بريد إلكتروني جاف ومختصر، كما يشمل محاكاة الحالة العاطفية لعضو الفريق لكسب ثقته قبل التطرق إلى القضايا الحساسة.

بالنسبة للمدير العربي، تعني ممارسة التعاطف الرقمي ما يلي:

  • إيلاء اهتمام دقيق للكلمات، ونبرة الصوت، وعلامات الترقيم، وحتى الصمت في التواصل الرقمي لفهم المشاعر والمخاوف الكامنة لدى أعضاء الفريق.
  • وضع النفس مكان الموظف لفهم تجاربه وتحدياته مع التقنيات الجديدة أو ترتيبات العمل عن بعد، لمنع شعوره بنقص الدعم العاطفي من صاحب العمل.
  • الاستجابة الواعية لتطلعات الموظفين بتفهم ودعم ومرونة، خاصة عندما يعبرون عن مخاوفهم أو يبدون متوترين.

اقرأ أيضاً: ما هي المهارات التقنية التي يجب أن يكتسبها كل مدير في 2025؟

البعد الثقافي: كيف تترجم القيم العربية إلى تعاطف فعال عبر الإنترنت؟

تقدر الثقافة العربية الاحترام والكرم والتماسك الاجتماعي، ونجد ذلك في الطريقة التي يصر بها الضيف على إعادة ملء فنجانك والوقت الذي يخصصه للسؤال عن أحوال عائلتك أو أحوالك الشخصية قبل مناقشة الأمور المتعلقة بالعمل، هذه القيم لا تختفي على الإنترنت بل تحتاج فقط إلى تعبيرات جديدة.

على سبيل المثال على منصات مثل مايكروسوفت تيمز أو سلاك أو واتساب، يمكنك تحويل التعاطف الرقمي والاحترام الثقافي إلى معايير تواصل واضحة مثل تحية أفراد الفريق بأسمائهم وبدء الاجتماعات باستفسار شخصي موجز وإنهاء الرسائل بعبارات تقدير وليس مجرد تعليمات.

علاوة على ذلك، يمكن أن يظهر الكرم في طريقتك في تقديم السياق ومشاركة الفضل علناً وتقديم الدعم في قنوات خاصة عندما يواجه أحد أفراد فريقك صعوبات حياتية أو مهنية، كما يمكنك إظهار التماسك الاجتماعي الذي كان يعتمد في السابق على التجمعات المادية عبر طقوس رقمية مثل جلسات قهوة افتراضية غير رسمية ورسائل تهنئة قصيرة بعد تحقيق إنجاز، وردود فعل ودية على مناسبات الزملاء.

إذ إن المدير العربي المتميز هو من يستطيع الحفاظ على هذا الجو الدافئ والتفاعلي، حتى عندما يكون "المجلس" الوحيد هو محادثة عبر الشاشة، فعندما يشعر الموظفون بأن لديهم من يحتويهم مهنياً واجتماعياً فإنهم يبقون فترة أطول ويسهمون بشكل أكبر في تحقيق أهداف الشركة.

كما تظهر دراسة حديثة أجريت في دولة الإمارات حول التوازن بين العمل والحياة وأخلاقيات العمل، أنه عندما يشعر الموظفون بالاحترام والمعاملة بلطف يرتفع التزامهم ومشاركتهم بشكل ملحوظ، وفي سياق العمل عن بعد والعمل الهجين يضمن المدير المتعاطف حصول أعضاء الفريق على فرص متساوية في الوصول إلى المعلومات والفرص ووقته.

اقرأ أيضاً: استراتيجية من 4 خطوات تساعد أي مدير تنفيذي على بناء علامته التجارية التقنية

ماذا ستخسر كقائد إذا تجاهلت تطوير مهارات التعاطف الرقمي؟

يضفي السياق الثقافي الفريد للعالم العربي أهمية بالغة على التعاطف الرقمي، ما يجعله مهارة حيوية، فعندما تنقل أساليب الإدارة الهرمية التقليدية إلى بيئة رقمية دون تكييف، تتحول إلى عادات غير مجدية ذات عواقب سلبية ملموسة يمكن أن تتمثل في:

 الإدارة التفصيلية الرقمية وتآكل الثقة

قد يتفاقم التردد التقليدي في تفويض المهام والمتجذر في انعدام الثقة في بيئة العمل عن بعد، ما يؤدي إلى الإدارة التفصيلية الرقمية، ويتجلى ذلك في المراقبة المفرطة للحالة على الإنترنت والمطالبات المستمرة بتحديثات تطبيقات المراسلة والتركيز على ساعات العمل بدلاً من النتائج.

  • نية المدير: الحفاظ على السيطرة وضمان إنجاز العمل.
  • تفسير الموظف: هذا التدقيق المستمر يجعله يشعر بعدم الثقة والقلق وعدم القدرة على الانفصال عن العمل.
  • الآثار السلبية: يعوق هذا الأسلوب المسيطر استقلالية الموظفين وإبداعهم ويقلل احتمال مبادرتهم.

 النقد العلني وتسبب الإحراج

في الثقافة العربية التي يعد فيها النقد العلني أمراً بالغ الحساسية، قد يكون الأمر مضراً للغاية، إذ قد ينظر إلى رسالة المدير الصريحة عبر مجموعة واتساب الخاص بالعمل، مثل: "يجب إنجاز هذا العمل بنهاية اليوم" دون أي مجاملات على أنها توبيخ علني.

  • نية المدير: إيصال موعد نهائي عاجل بوضوح وسرعة.
  • تفسير الموظف: قد ينظر إلى هذه الصراحة على أنها أمر مهين، ما يلحق الضرر بسمعته داخل الفريق.
  • العواقب السلبية: يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة في القيادة وخلق بيئة من الخوف.

اقرأ أيضاً: 8 تطبيقات على الهاتف لا غنى عنها لكل مدير تنفيذي

تداخل الحدود والإرهاق الرقمي

يؤدي توقع التوفر الدائم الذي تعززه الأدوات الرقمية إلى تواصل المدراء مع الموظفين خارج ساعات العمل متوقعين ردوداً فورية.

  • نية المدير: معالجة فكرة ما بسرعة أو البدء مبكراً في عمل اليوم التالي.
  • تفسير الموظف: قد يشعر بعدم احترام وقته الشخصي، ما يولد لديه شعوراً بأنه دائماً "متاح".
  • العواقب السلبية: يعد عاملاً رئيسياً في التوتر والقلق والإرهاق وزيادة ملحوظة في نوايا ترك العمل.

العوائق الهرمية وكبح الابتكار

قد تصعب ثقافات العمل التي تتسم بتباعد السلطة على الموظفين التعبير عن مخاوفهم أو تقديم اقتراحات، لا سيما في بيئة افتراضية تكون فيها إشارات التواصل محدودة. مثلاً، خلال مكالمة فيديو قد يلتزم الموظف المبتدئ الصمت عند طلب رأيه خوفاً من العواقب السلبية لتحديه السلطة.

  • نية المدير: تشجيع النقاش المفتوح وجمع وجهات نظر متنوعة.
  • تفسير الموظف: قد يشعر بأنه من غير المناسب مناقشة فكرة المدير في منتدى عام حفاظاً على الانسجام.
  • العواقب السلبية: يؤدي هذا الفشل إلى خلق بيئة غير آمنة نفسياً، ما قد يؤدي إلى تقويض الابتكار بشكل مباشر.

اقرأ أيضاً: كيف يساعد الدمج بين التعليم التقليدي والرقمي على تأهيل الموظفين لعصر الذكاء الاصطناعي؟

التعاطف في العصر الرقمي: كيف يمكنك إدارة فريقك رقمياً بلمسة إنسانية؟

يتجلى التعاطف الرقمي في سلوكيات صغيرة متكررة، تعتمد على العادات الإنسانية البسيطة التي هي جوهر ثقافة رقمية سليمة من خلال:

تصميم الرسائل: ماذا تكتب وكيف تكتب؟

المدير المتعاطف رقمياً:

  • يستخدم لغة واضحة وإنسانية بدلاً من العبارات الرسمية الجامدة. فعبارة: "هل يمكننا مراجعة هذا معاً غداً؟" تعبر عن التعاون، بينما عبارة: "يجب عليك إرسال هذا فوراً" قد تثير ردود فعل دفاعية.
  • يبدأ الرسائل الصعبة بالاعتراف بالجهد المبذول أو المشاعر، مثل: "أعلم أن هذه الدورة كانت شاقة وأنك بقيت متأخراً ليلتين متتاليتين، ولكن ما زلنا بحاجة إلى إصلاح الموضوع في أقرب وقت".
  • ينتبه إلى نبرة الصوت الرقمية، حيث يمكن للرموز التعبيرية والرسائل الصوتية المختارة بعناية أن تخفف الفجوة بين اللغة العربية الرسمية المكتوبة ودفء اللهجات المحلية، خاصة في فرق العمل متعددة الأجيال.

القناة والتوقيت: متى تتحدث وأين؟

قد تحدث الكلمات نفسها أثراً إيجابياً أو سلبياً بحسب القناة، المدراء المتعاطفون:

  • يقدمون الملاحظات الحساسة عبر مكالمات خاصة أو رسائل فردية وليس عبر مجموعات عامة ينظر فيها إلى النقد على أنه إهانة علنية.
  • يتجنب إرسال الرسائل غير العاجلة في وقت متأخر من الليل أو خلال عطلات نهاية الأسبوع إلا للضرورة القصوى، وفي هذه الحالة يضع علامة واضحة عليها: "للغد، غير عاجلة".

اقرأ أيضاً: مهارات البرمجة الضرورية لصناع القرار في الشركات

معايير الاستجابة: الصمت كرسالة

في الثقافات التي تعتمد على المحادثات للصمت دلالة قوية، إذ إن المدير الذي لا يستجيب إلا للأخطاء ويتجاهل التقدم، يرسل رسالة مفادها: "لا يُلتفت إليك إلا عند الفشل" لذا لتجنب سوء الفهم على القادة المتعاطفين:

  • تحديد توقعات الاستجابة مثل: "نرد على رسائل البريد الإلكتروني خلال 24 ساعة وعلى رسائل واتساب العاجلة خلال ساعات العمل فقط".
  • استخدام أسئلة قصيرة ومفتوحة مثل: "ما هو رأيك في هذه الخطة؟" و"ما الذي يقلقك بشأن هذا الجدول الزمني؟".

بدائل غير لفظية: الرموز التعبيرية وردود الفعل

في الفضاء الرقمي العربي تحمل الإشارات غير اللفظية البسيطة دلالات عاطفية عميقة، لذا على المدراء الماهرين:

  • توظيف لغة الجسد الرقمية بذكاء، فالرموز التعبيرية في الثقافة العربية ليست مجرد صور بل هي بديل لابتسامة المدير أو إيماءة رأسه بالموافقة، فوضع رمز الموافقة (إشارة الإبهام إلى الأعلى) على فكرة موظف في مجموعة العمل تعادل قولك: "أحسنت" أمام الجميع ما يعزز أمانه النفسي.
  • إرسال رسائل صوتية قصيرة عندما تبدو الكلمات المكتوبة قاسية، خاصة عند اختلاف اللهجات أو مستويات الرسمية.

الاجتماعات الرقمية: من يتحدث ومن يصمت؟

تشير الأبحاث في أماكن العمل في الخليج وتوطين القوى العاملة إلى أن الوافدين الجدد والموظفين المحليين قد يترددون في التحدث أمام الأقليات النافذة أو كبار المسؤولين. يتجلى التعاطف الرقمي في:

  • دعوة الأعضاء الأقل تفاعلاً بأسمائهم مثل: "فاطمة، لم نسمع رأيكِ بعد، ما هو رأيكِ في هذا الموضوع؟".
  • بعد الاجتماعات يلخص المدير القرارات كتابياً ويدعو إلى تقديم تعليقات إضافية بشكل خاص، ما يساعد من يعالجون المعلومات ببطء أو يشعرون بالحرج أمام الكاميرا.

اقرأ أيضاً: منصات مجانية لتعلم استخدام التكنولوجيا وتعزيز مهاراتك الرقمية

القيادة خلف الشاشات: التعاطف الرقمي كأداة استراتيجية للأداء

إن تبني التعاطف الرقمي ليس مجرد تحسين لأسلوب التواصل، بل هو استثمار إداري مباشر في استدامة الفريق وإنتاجيته. وفي بيئة العمل العربية تظل الثقة والتقدير الشخصي المحركين الأساسيين للالتزام المهني، لذا فإن قدرتك على تكييف أدواتك الرقمية لتعكس هذه القيم هي ما يمنع خسارة الكفاءات أو تراجع ولائهم.

وتذكر أن الرسالة التي ترسلها والقناة التي تختارها والتوقيت الذي تحدده هي التي ترسم ملامح ثقافة العمل في قسمك، والمدير العربي الناجح اليوم هو من يدرك أن كسب ثقة الفريق خلف الشاشات يتطلب وضوحاً في التوقعات ومرونة في التعامل، تماماً كما تتطلب القيادة على أرض الواقع.

المحتوى محمي