أثار إصدار تشات جي بي تي 5.2 جدلاً واسعاً بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، لا سيما أولئك الذين اعتادوا مستوى عالياً من السلاسة اللغوية وجودة الكتابة في الإصدارات السابقة. هذا الجدل لم يبقَ حبيس وسائل التواصل الاجتماعي، بل وصل إلى قيادة شركة أوبن أيه آي نفسها، حيث اعترف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، بأن جودة الكتابة في هذا الإصدار لم تكن على المستوى المتوقع. هذا الاعتراف فتح الباب أمام نقاش أعمق يتجاوز مجرد تحديث تقني، ليطرح أسئلة حول تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وأولويات الشركات الكبرى وحدود التوازن بين الكفاءة التقنية والتجربة الإنسانية.
اقرأ أيضاً: سام ألتمان يكشف عن مشروع لتطوير رفيق ذكاء اصطناعي شخصي
صدمة المستخدمين من جودة كتابة ChatGPT 5.2
منذ إطلاق تشات جي بي تي، ارتبط اسمه بقدرته على إنتاج نصوص مفهومة ومتماسكة وقريبة من الأسلوب البشري. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يشعر المستخدمون بخيبة أمل عندما لاحظوا أن تشات جي بي تي 5.2، على الرغم من تفوقه في التحليل والاستدلال، بات ينتج نصوصاً وصفت بأنها جافة ومعقدة وأقل سلاسة. جودة الكتابة هنا ليست عنصراً ثانوياً، بل هي جوهر تجربة المستخدم، خاصة أن كثيرين يعتمدون عليه في التعليم والبحث وصناعة المحتوى، وحتى التواصل اليومي.
اعتراف سام ألتمان ودلالاته
يكتسب اعتراف سام ألتمان أهمية خاصة لأنه نادراً ما تعترف شركات التكنولوجيا الكبرى بشكل مباشر بأن تحديثاً ما قد أضر بتجربة المستخدم. إقراره بأن أوبن أيه ىي أفسدت جانب الكتابة لا يعد مجرد تصريح علاقات عامة، بل يعكس وعياً بالمشكلة ومحاولة لاحتوائها. كما أن وعده بتحسين الإصدارات القادمة يوحي بأن الشركة تدرك حساسية هذا الجانب وتسعى لاستعادة ثقة المستخدمين الذين شعروا بأن الأداة فقدت جزءاً من إنسانيتها.
اقرأ أيضاً: كيف يرى سام ألتمان مستقبل البشرية مع الذكاء الاصطناعي؟
منطق التضحيات التقنية
أحد أهم الجوانب التحليلية في تصريحات ألتمان هو حديثه عن محدودية الموارد وضرورة التركيز على أولويات معينة. فقد اختارت أوبن أيه آي، وفقاً لما قاله ألتمان، أن تجعل تشات جي بي تي 5.2 متفوقاً في مجالات الذكاء والاستدلال والبرمجة، حتى لو جاء ذلك على حساب جودة الكتابة. هذا المنطق يعكس عقلية اقتصادية بحتة ترى أن تحسين جانب معين يستلزم التضحية بجوانب أخرى. لكن السؤال النقدي هنا: هل يجب حقاً أن تكون جودة اللغة ضحية لتطور الذكاء الاصطناعي؟
عند مقارنة مخرجات تشات جي بي تي 5.2 بالإصدار السابق تشات جي بي تي 4.5، يتضح الاختلاف فوراً. فالإصدار السابق ركز بشكل واضح على تحسين التفاعل الإنساني، حيث بدا البوت وكأنه شخص طبيعي وأقرب لأسلوب الحوار البشري. أما في الإصدار الحديث، فانصب الاهتمام على تطوير قدرات البوت الأخرى، مثل كتابة التعليمات البرمجية وإنشاء المستندات وتحليل البيانات، وهو ما جعل التفاعل أقل طبيعية ويبدو آلياً. هذه المقارنة تظهر أن التطوير ليس خطاً تصاعدياً واحداً، بل سلسلة من الاختيارات التي تعكس أولويات متغيرة.
اقرأ أيضاً: ماذا سيحدث إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
المنافسة وتأثيرها في قرارات التطوير
لا يمكن فصل ما حدث عن سياق المنافسة الشديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة مع نموذج مثل جيميناي 3 من جوجل. وعلى الرغم من أن المقارنات التقنية تظهر تقارباً في قدرات هذه النماذج، فإن رضا المستخدم يظل العامل الحاسم.
تفوق نموذج ما في القدرات لا يعني بالضرورة تفوقه في تجربة الاستخدام اليومية. وهنا يظهر الخلل في تشات جي بي تي 5.2؛ نموذج قوي جداً تقنياً، لكنه لم يقنع شريحة من مستخدميه على مستوى التجربة اللغوية.
البعد الإنساني في الذكاء الاصطناعي
تكشف هذه الأزمة عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه. فهل هو أداة حسابية متقدمة فقط أم وسيط تواصلي يجب أن يراعي البعد الإنساني؟ إهمال جودة الكتابة يضعف الشعور بأن المستخدم يتفاعل مع مساعد ذكي، ويحول التجربة إلى مجرد تبادل أوامر ونتائج. وهذا يتعارض مع الرؤية التي روجت لها أوبن أيه آي منذ البداية، القائمة على جعل الذكاء الاصطناعي أقرب للإنسان.
اقرأ أيضاً: سام ألتمان يستثمر 180 مليون دولار في شركة تحاول تأخير الموت
في النهاية، يمكن اعتبار ما حدث مع تشات جي بي تي 5.2 درساً مهماً في تطوير التقنيات الذكية. اعتراف أوبن أيه آي بالخطأ يعد خطوة إيجابية، لكنه لا يلغي ضرورة إعادة النظر في التوازن بين تطوير القدرات وجودة التفاعل. إذا نجحت الإصدارات القادمة في الجمع بين الذكاء العميق والكتابة الطبيعية، فقد تتحول هذه الأزمة إلى نقطة انعطاف تعزز ثقة المستخدمين بدل أن تضعفها. أما إذا استمر منطق التضحية، فقد تخسر هذه النماذج ما هو أهم من التفوق الحسابي: رضا الإنسان الذي يستخدمها.