يشهد العالم اليوم تحولاً غير مسبوق بفعل الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد أداة تقنية بل أصبح قوة محركة لإعادة تشكيل الاقتصاد وسوق العمل. وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن أكثر من 85 مليون وظيفة قد تتأثر بالأتمتة بحلول عام 2025، في مقابل خلق نحو 97 مليون وظيفة جديدة تتطلب مهارات رقمية متقدمة. هذا التغير السريع يضع الشركات والأفراد أمام تحدٍ جوهري: كيف يمكن مواكبة الطلب المتزايد على المهارات الرقمية في وقت تتسارع فيه الابتكارات بوتيرة تفوق قدرة الأنظمة التعليمية التقليدية على التكيف؟
هنا تتضح ملامح المشكلة المعروفة بـ "فجوة المهارات الرقمية"، وهي الفجوة بين المهارات التي يحتاج إليها السوق والمهارات التي يمتلكها العاملون حالياً، والتي تهدد قدرة القوى العاملة على الاندماج في المهن التي تتطلب قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضاً: 6 أدوات من جوجل تساعدك في الحصول على وظيفة جديدة
فهم فجوة المهارات الرقمية
تعرف فجوة المهارات الرقمية بأنها الفرق بين المهارات التقنية التي يتطلبها سوق العمل الحديث وبين المهارات التي يمتلكها العاملون فعلياً. هذه الفجوة تنشأ نتيجة تسارع الابتكار التكنولوجي، خصوصاً في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، مقابل بطء تحديث المناهج التعليمية وأساليب التدريب التقليدية. بمعنى آخر، السوق يطلب خبرات في البرمجة وتحليل البيانات وأتمتة العمليات، بينما كثير من القوى العاملة ما زالت تعتمد على مهارات تقليدية لا تواكب هذا التحول.
انعكاسات هذه الفجوة خطيرة، إذ تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية في الشركات التي لا يملك العاملون لديها المهارات الضرورية، كما تزيد تكاليف التدريب، وتضعف القدرة التنافسية، وخسارة ملايين الأشخاص وظائفهم إذا لم يتمكنوا من سد هذه الفجوة، ما يعني خسائر اقتصادية مباشرة للشركات والأفراد مع ما يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية وخسائر اجتماعية تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة اندماج الأفراد في الوظائف المستقبلية.
دور التعليم المدمج في حل مشكلة فجوة المهارات الرقمية
يعد التعليم المدمج Blended Learning أحد أبرز الحلول العملية لسد فجوة المهارات الرقمية، وهو نوع من التعليم يعتمد على الدمج بين التعليم التقليدي والتعليم الرقمي من خلال منصات التعليم الإلكترونية. هذا النموذج يوفر مرونة كبيرة للمتعلمين من حيث الوقت والمكان، ويتيح لهم متابعة الدروس النظرية عبر الإنترنت مع إمكانية حضور جلسات تدريبية مباشرة لتعزيز الفهم. كما يتميز التعليم المدمج بقدرته على التخصيص وفق مستوى كل متعلم، حيث يمكن تصميم مسارات تعليمية تناسب احتياجات الأفراد ومهاراتهم الحالية.
تظهر فاعلية التعليم المدمج بشكل واضح في البرامج التدريبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مثل الدورات المقدمة على منصات عالمية مثل كورسيرا Coursera ويودا سيتي Udacity، التي غالباً ما يمكن دمجها مع تدريب ميداني داخل الشركات.
اقرأ أيضاً: ما هي وظائف البيانات الضخمة الأكثر طلباً في سوق العمل؟
خطوات تبني التعليم المدمج لسد فجوة المهارات الرقمية
إن معالجة فجوة المهارات الرقمية من خلال التعليم المدمج تتطلب خطة عملية متدرجة، يمكن تلخيصها في الخطوات التالية:
1. تحديد الفجوة المهارات الناقصة
تبدأ العملية بتقييم شامل لمهارات الموظفين الحالية مقارنة بالمهارات المطلوبة في الوظائف التي يشغلونها، وخاصة تلك المهارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. يجري ذلك عن طريق اختبارات تقنية ومقابلات وربما مشاريع صغيرة تكشف مستوى الإلمام بالمهارات المطلوبة. هذا التقييم يحدد بدقة أين تكمن الفجوة ويمنع إهدار الوقت والجهد في تدريب غير موجه.
2. التوصية بمسارات تعليمية جاهزة
بعد تحديد الفجوة، يجرى البحث عن مسارات تعليمية على منصات التعليم الشهيرة، تقيم كل مسار وتحديد الأنسب، ثم توجه الموظفين لحضور هذه المسارات خلال جدول زمني مرن يراعي قدرات كل موظف وأوقاته.
جدير بالذكر أن العديد من منصات التعليم الشهيرة لديها خطط اشتراك مخصصة للشركات والمؤسسات يمكن الاشتراك فيها لتدريب عدد كبير من الموظفين بأسعار أقل.
3. تطبيق التعليم على أرض الواقع
لا يقتصر التعليم المدمج على المحتوى النظري، بل يجب دمجه مع جلسات داخل الشركة؛ حيث يجرب الموظفون ما تعلموه عملياً في مشاريع صغيرة أو محدودة، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمبيعات. هذا يضمن أن المهارات المكتسبة تتحول مباشرة إلى قيمة عملية مفيدة للشركة.
4. بناء نظام تعليم مستدام
الخطوة الأخيرة هي تحويل التعليم المدمج إلى ممارسة دائمة، ويجرى ذلك عن طريق وضع مؤشرات أداء للكفاءات الرقمية وربط الحوافز والترقيات بإتقان المهارات، ويجب أن يكون ذلك مرتبطاً بقسم الموارد البشرية. بهذا الشكل، يصبح التعليم المدمج جزءاً من ثقافة الشركة ويغلق فجوة المهارات بشكل مستمر مع تطور السوق.
اقرأ أيضاً: ما هي وظائف البيانات الضخمة الأكثر طلباً في سوق العمل؟
دور المدارس والجامعات في سد فجوة المهارات الرقمية
إن فجوة المهارات الرقمية لا تمثل تحدياً أمام القوى العاملة فحسب، بل أمام الشركات والدول أيضاً، حيث تهدد القدرة التنافسية إذا لم يجرى التعامل معها بجدية وسرعة. وعلى الرغم من أن التعليم المدمج قادر على حل المشكلة، فإنه حل مؤقت، والحل الجذري لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن المؤسسات التعليمية التقليدية، مثل المدارس التي يجب أن تضيف المهارات الرقمية الأساسية إلى مناهجها في المراحل المبكرة، والجامعات التي تحتاج إلى تحديث برامجها التعليمية لتشمل أهم المهارات الرقمية المطلوبة في سوق العمل لا سيما الذكاء الاصطناعي.
إن تكامل الجهود بين المدارس التي تزرع الأساس الرقمي والجامعات التي تعد المناهج وتطورها والشركات التي تتبنى التعليم المدمج والحكومات التي تشجع وتضع السياسات هو السبيل الوحيد لجعل القوى العاملة مؤهلة وقادرة على تبني التحول الرقمي بثقة وكفاءة.