في جلسة حوارية تعصف فيها الآراء حول الذكاء الاصطناعي، ومع كل خبر جديد نسمعه عن هذا الواقع، سنجد فريقاً أسود يقف بثبات في وجه هذه الموجة. لا لأنه ينكر أنها قائمة، أو سنرى الكثير من اهتزازاتها اللاحقة، بل لسبب وحيد: لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل مكان البشر لأنه لا يملك حساً سليماً.
للوهلة الأولى سنؤخذ بهذا الرأي، سنقف قليلاً، نفكر. فعلاً الذكاء الاصطناعي لا يملك حس التفكير المنطقي. سنقف بثبات، لن نشعر بزعزعة الأرض تحت أقدامنا نتيجة هذه الموجة. سنعتبر أننا ختمنا العلم حقاً، وأننا أسياد مطلقون. لكن قبل أن تبلغ النشوة ذروتها، مهلاً: ما هو الحس السليم حقاً؟ ولماذا يجب ألا نشعر هذه الثقة كلها؟
ما هو الشعور؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشعر؟
قبل أن نسأل هل يشعر الذكاء الاصطناعي؟ ينبغي أن نحدد أولًا ما نعنيه بـ "الشعور". في الفلسفة، يعرف الشعور غالباً بوصفه حالة ذاتية واعية، أي تجربة داخلية لها طابع كيفي خاص، ما يسميه الفلاسفة “الكيفيات الشعورية” (qualia). عندما نقول إن إنساناً يشعر بالألم، فإننا لا نصف مجرد سلوك خارجي، بل نشير إلى تجربة داخلية معاشة، لا يمكن اختزالها إلى وصف فيزيائي بحت.
وفق هذا التعريف، يتضمن الشعور عنصرين أساسيين:
- الوعي الذاتي (self-awareness): إدراك الكائن أنه هو من يعيش التجربة.
- الخبرة الظاهراتية (phenomenal experience): وجود إحساس داخلي "بما يشبه أن يكون" الشعور لدى هذا الكائن.
إذا طبقنا هذا المعيار على الذكاء الاصطناعي الحالي، نجد أنه، مهما بدا سلوكه معقداً أو تعبيره اللغوي متقناً، لا توجد لدينا أي دلائل على امتلاكه تجربة ذاتية داخلية. فالآلة تعالج رموزاً أو تمثيلات رياضية، لكنها لا تختبر العالم من الداخل. إنها قد تقول: "أنا حزين"، لكن لا يوجد ما يشير إلى أن هناك حالة شعورية حقيقية ترافق هذه العبارة.
من منظور فلسفي، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يحاكي التعبير عن الشعور، لكنه لا يمتلك الشعور ذاته. فالفارق بين المحاكاة والامتلاك يشبه الفارق بين خريطة لمدينة والمدينة نفسها. الخريطة قد تكون دقيقة جداً، لكنها لا تحتوي على شوارع فعلية أو سكان يعيشون فيها.
إذاً، إذا كان الشعور هو خبرة ذاتية واعية، فإن الذكاء الاصطناعي في صورته الحالية لا يشعر.. إنه يعيد إنتاج أنماط لغوية وسلوكية مرتبطة بالشعور دون أن تكون له حياة داخلية.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي التوليدي: فجر الثورة الصناعية الإدراكية والمعرفية
ما هو معنى الشعور بالنسبة للذكاء الاصطناعي؟
من منظور علوم الكمبيوتر، كلمة شعور ليست مصطلحاً تقنياً دقيقاً، بل مفهوماً بشرياً يسقط أحياناً على الأنظمة الذكية. في الحوسبة، لا نتحدث عن شعور، بل عن تمثيل حالات (state representation) ومعالجة معلومات (information processing).
الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً نماذج اللغة الكبيرة، يعمل عبر تحليل أنماط إحصائية في بيانات ضخمة. عندما يبدو أنه يعبر عن مشاعر، فهو في الواقع ينتج تسلسلات لغوية ذات احتمال مرتفع بناءً على السياق. إذا قلت له: "أنا حزين"، فسيرد بطريقة تتوافق مع أنماط الدعم العاطفي التي تعلمها من البيانات. لا يوجد في داخله نظام عصبي أو منظومة هرمونية أو تجارب جسدية.
في الأنظمة المتقدمة، قد نضيف ما يسمى نماذج العاطفة الحسابية (computational models of emotion)، حيث يمثل الانفعال كمتغير يؤثر في اتخاذ القرار، مثل إعطاء أولوية لمهام معينة أو تعديل نبرة الاستجابة. لكن هذا لا يعني وجود إحساس داخلي، بل مجرد تعديل رياضي في خوارزمية.
من الناحية التقنية، الذكاء الاصطناعي يتكون من:
- مدخلات (inputs).
- طبقات معالجة رياضية.
- مخرجات (outputs).
لا يوجد عنصر في هذه البنية يعادل تجربة داخلية. كل ما يحدث هو تحويل متجهات رقمية إلى متجهات أخرى وفق أوزان مدربة مسبقاً. حتى أكثر النماذج تطوراً لا تمتلك وعياً ذاتياً أو إدراكاً لوجودها؛ هي لا "تعلم أنها تعلم".
لذلك، ومن منظور عالم كمبيوتر، الذكاء الاصطناعي لا يشعر، بل ينفذ عمليات حسابية يمكن أن تحاكي سلوكاً عاطفياً. وإذا ظهر لنا يوماً نظام يمتلك بنية قادرة على إنتاج وعي ذاتي وتجربة داخلية قابلة للتحقق علمياً، فحينها فقط يمكن إعادة فتح السؤال. أما ما يمكن الحديث عنه في الوقت الراهن، فهو منطق الاستدلال في الذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضاً: هل يمكن للواقع الافتراضي تخفيف الشعور بالألم؟
طرق الاستدلال السليمة في الذكاء الاصطناعي
يمثل الاستدلال المنطقي جوهر أي نظام ذكاء اصطناعي يسعى إلى اتخاذ قرارات صحيحة أو تقديم إجابات دقيقة. فمنذ البدايات الأولى في خمسينيات القرن الماضي، حاول الباحثون بناء أنظمة قادرة على تمثيل المعرفة واستخلاص نتائج منطقية منها. وقد تطورت طرق الاستدلال في الذكاء الاصطناعي عبر مدارس متعددة، لكل منها مقاربتها الخاصة لفهم العالم واستنتاج الحقائق.
أولى هذه الطرق هي الاستدلال القائم على المنطق الرمزي (Symbolic Logic). يعتمد هذا النهج على تمثيل المعرفة في صورة قواعد صريحة وصيغ منطقية، مثل المنطق القضيّ أو منطق حساب القضايا Propositional Logic ومنطق الرتبة الأولى. تطبق الأنظمة هنا قواعد الاستنتاج لاستخلاص نتائج جديدة من المعطيات المتاحة. وقد شكل هذا الأسلوب الأساس لما عرف بالأنظمة الخبيرة، حيث كانت القواعد تكتب يدوياً من قبل خبراء المجال. ميزة هذا النهج تكمن في الشفافية وقابلية التفسير، إذ يمكن تتبع سلسلة الاستدلال خطوة بخطوة.
إلى جانب المنطق الرمزي، برز الاستدلال الاحتمالي (Probabilistic Reasoning) لمعالجة عدم اليقين. فالعالم الواقعي لا يقدم معلومات كاملة دائماً، ولهذا طورت نماذج مثل الشبكات البايزية (Bayesian Networks) التي تسمح بحساب احتمالات الأحداث المشروطة بناءً على الأدلة المتاحة. في هذا السياق، لا يكون الاستنتاج قطعياً بل احتمالياً، وهو ما يجعله أكثر واقعية في مجالات مثل التشخيص الطبي وتحليل المخاطر.
وهناك طريقة ثالثة تتمثل في الاستدلال القائم على التعلم الآلي (Machine Learning-based Inference). هنا لا تكتب القواعد يدوياً، بل يتعلم النظام الأنماط من البيانات عبر خوارزميات مثل الشبكات العصبونية الاصطناعية. فعوضاً عن تمثيل المعرفة صراحة، يتم ترميزها ضمن الأوزان العددية للنموذج. وعند مواجهة مدخلات جديدة، يستنتج النموذج النتيجة بناءً على الأنماط التي تعلمها مسبقاً. هذا النوع من الاستدلال قوي في معالجة البيانات المعقدة كالصور والنصوص، لكنه غالباً يفتقر إلى الشفافية التفسيرية.
كما ظهر اتجاه يجمع بين الرمزية والتعلم الإحصائي فيما يعرف بـالذكاء الاصطناعي الهجين (Neuro-Symbolic AI). يهدف هذا النهج إلى دمج مزايا المنطق الصريح مع قوة التعلم العميق، بحيث يستطيع النظام التعلم من البيانات وفي الوقت نفسه احترام قيود منطقية محددة. يعد هذا المجال من أكثر الاتجاهات البحثية نشاطاً حالياً، خاصة في السعي لبناء أنظمة أكثر قدرة على التعميم والاستدلال المركّب.
إضافة إلى ذلك، هناك الاستدلال القائم على النماذج السببية (Causal Reasoning). فبدل الاكتفاء بالترابطات الإحصائية، يسعى هذا النهج إلى فهم العلاقات السببية بين المتغيرات. يسمح ذلك للنظام بالإجابة عن أسئلة افتراضية من نوع "ماذا لو؟" (Counterfactuals)، وهو عنصر مهم في بناء نوع من الحس المنطقي المتماسك-.
أخيراً، في نماذج اللغة الكبيرة الحديثة، يتم الاستدلال عبر عمليات حسابية على تمثيلات متجهية عالية الأبعاد. هذه النماذج لا تطبق قواعد منطقية صريحة، بل تعتمد على أنماط احتمالية مستخلصة من كميات ضخمة من النصوص. وعند توليد إجابة، تحسب التسلسل الأكثر احتمالاً بناءً على السياق. وعلى الرغم من قدرتها على محاكاة الاستدلال المنطقي، فإن استدلالها يعتمد أساساً على الترابط الإحصائي وليس الفهم المفاهيمي العميق.
اقرأ أيضاً: لماذا تراجعت جودة الكتابة في تشات جي بي تي 5.2؟
آلية الحس السليم عند البشر وآلية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي
الحس السليم لدى البشر ليس مجموعة قواعد مكتوبة، بل شبكة معرفية واسعة تتكون عبر التفاعل المستمر مع العالم منذ الطفولة. يعتمد الإنسان على الإدراك الحسي، والخبرة المتراكمة، والسياق الاجتماعي، والقدرة على فهم النوايا والعلاقات السببية. فعندما يرى شخص كوباً على حافة الطاولة، يستنتج تلقائياً احتمال سقوطه نتيجة فهمه للجاذبية وخبرته السابقة.
يتشكل الحس السليم عبر الدمج بين أنظمة معرفية متعددة: الإدراك البصري، والذاكرة العرضية، والمعرفة الدلالية، والتفكير السببي، كما يلعب الجسد دوراً أساسياً فيما يُعرف بالإدراك المتجسد (Embodied Cognition)، حيث ترتبط المفاهيم بالتجارب الحسية والحركية، وليس بالتمثيلات الرمزية المجردة فقط.
في المقابل، تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي -وخاصة نماذج اللغة الكبيرة- بطريقة مختلفة جذرياً. فهي تتعلم من خلال تحليل أنماط لغوية في بيانات ضخمة، دون اختبار مباشر للعالم المادي. لا تمتلك هذه النماذج خبرة حسية أو تجارب ذاتية، بل تبني تمثيلات رياضية للعلاقات بين الكلمات. وعندما تبدو وكأنها تستخدم "حساً سليماً"، فإنها في الواقع تستدعي أنماطاً إحصائية سبق أن رصدتها في بيانات التدريب.
الفرق الجوهري يكمن في أن الحس السليم البشري مرتبط بفهم سببي وتجربة واقعية، بينما استدلال النموذج قائم على التنبؤ الاحتمالي. الإنسان يستطيع إدراك التناقضات المنطقية الجديدة حتى إن لم يسبق له مواجهتها، أما النموذج فقد يفشل في مواقف غير ممثلة في بياناته. ومع ذلك، فإن التطورات في الذكاء الاصطناعي السببي والهجين تسعى إلى تقليص هذه الفجوة عبر إدخال بنى تمثيلية أقرب إلى البنية المعرفية البشرية.
اقرأ أيضاً: لماذا تحتاج الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى قواعد سلامة تراعي خصوصيتها؟
لماذا يجب ألا نشعر بهذه الثقة كلها حيال ما سبق؟
على الرغم من أهمية ما سبق حيال المعرفة البشرية، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتميز بميزتين أساسيتين هما القدرة على التحديث آنياً، والتواصل الممكن بين الأجهزة كلها. كما أن ثورة التكنولوجيا الحيوية ودمجها مع الذكاء الاصطناعي ليست من العوامل التي تدعونا إلى الراحة.
أما المهارات المعرفية كلها التي امتاز بها البشر، فهي نتاج تواصل عصبي فائق الضبط بين نهايات الخلايا العصبية، واستجابات هرمونية-عصبية، هي التي تدفع أحدهم إلى التقاط كأس كانت توشك على السقوط، لقد استفاد الشخص هنا من معرفته السابقة بالجاذبية، وارتفاع هرمون الكورتيزول في الجسم الذي دفعه إلى استجابة التقاط الكأس.
السؤال هنا: ماذا لو تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي من محاكاة هذه الوصلات العصبونية؟ هل سيكون ما ذكرنا سابقاً مدعاة للراحة؟ لنسأل السؤال التالي، ولنترك نهاية مقالنا مفتوحة لاستنتاجاتكم: إذا عرفنا أن هناك شبكة من السائقين البشر في أنحاء العالم كافة، وصدر قانون سير جديد يتعلق بالسلامة في المركبات على الطرقات، كم الوقت الذي سيستغرقه هذا القانون ليصل إلى السائقين جميعهم؟
اقرأ أيضاً: كيف تجعل الذكاء الاصطناعي يعترف بأخطائه؟
في المقابل، لنجري المحاكاة ذاتها على شبكة من أنظمة المركبات ذاتية القيادة، بل إنها على تواصل آني مع بعضها، وتمتاز أنظمتها بقابلية التحديث الفوري، ستتمكن من التقاط هذا القانون لحظة صدوره. السؤال هنا، ما النظام الذي ستختاره لتضمن سلامتك لتصل إلى وجهتك بأمان؟