في الآونة الأخيرة، أينما أتصفح، أظل أرى الصورة المشوهة نفسها التي التقطتها كاميرات المراقبة: لقطة واسعة محببة من زاوية غرفة المعيشة، أو ممر في الليل، أو متجر بقالة فارغ. ثم يحدث شيء لا يصدق. يظهر جيه دي فانس على عتبة الباب بزي مجنون. تنطوي سيارة على نفسها مثل الورق وتنطلق بعيداً. تدخل قطة وتبدأ في التسكع مع الكابيبارا والدببة، كما لو كان كل ذلك في حكاية خيالية عصرية غريبة.
أصبح هذا المظهر المزيف للمراقبة أحد السمات المميزة لما يسميه الناس الآن "محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء". بالنسبة لأولئك منا الذين يقضون الوقت على الإنترنت في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، يبدو أن هذا النوع من المقاطع المتكررة، التي غالباً ما تكون غير منطقية والتي تجتاح منصتي تيك توك وإنستغرام وغيرهما، من إنتاج الذكاء الاصطناعي. لهذا، يمكنك أن تشكر أدوات جديدة مثل سورا من شركة أوبن أيه آي (التي انتشرت على نطاق واسع بعد إطلاقها في شكل تطبيق في سبتمبر/أيلول)، وسلسلة فيو من شركة جوجل، ونماذج الذكاء الاصطناعي التي طورتها شركة رنواي. والآن أصبح بإمكان أي شخص إنشاء مقاطع فيديو، ببضع نقرات على الشاشة.
@absolutemem keep an eye on your pets! #viral #humor #joke #goviral #foryou #fyp #dog #trending #cctv #nightcore #night #animals #ai ♬ เสียงต้นฉบับ - ไข่ตุ๋นทำไร
لو أردت تحديد اللحظة التي اقتحم فيها "المحتوى الرديء" الوعي الشعبي، فسأختار فيديو الأرانب التي تقفز على الترامبولين الذي انتشر هذا الصيف. بالنسبة للعديد من مستخدمي الإنترنت المهرة، بمن فيهم أنا، كانت هذه هي المرة الأولى التي انخدعنا فيها بفيديو معدل بالذكاء الاصطناعي، وانتهى الأمر بظهور موجة من المقاطع المتشابهة تقريباً، حيث عمد الناس إلى تصوير مقاطع فيديو لجميع أنواع الحيوانات والأشياء التي تقفز على الترامبولين نفسه.
كان رد فعلي الأول هو أنني وصفت كل ما جرى على أنه مروع عموماً. لقد أصبح هذا الكلام مألوفاً في المقالات التحليلية وفي حفلات العشاء. كل شيء على الإنترنت أصبح رديئاً الآن، فقد تقهقرت جودة الإنترنت، ويقع اللوم الأكبر على الذكاء الاصطناعي. في البداية، وافقت على ذلك إلى حد كبير، وتجاوزت بسرعة كل مقطع فيديو للذكاء الاصطناعي في محاولة يائسة لإرسال رسالة إلى الخوارزميات التي تدير حساباتي. ولكن بعد ذلك بدأ الأصدقاء يشاركون مقاطع الذكاء الاصطناعي التي كانت غريبة أو مضحكة بصورة لافتة في الدردشات الجماعية، حتى إن بعضها كان يحمل بصيصاً من الذكاء مدفوناً وسط هذا الهراء. كان علي أن أعترف بأنني لم أفهم تماماً ما الذي كنت أرفضه، وما الذي وجدته مستفزاً للغاية.
في محاولة لفهم حقيقة مشاعري (وأسبابها)، تحدثت مؤخراً إلى الأشخاص الذين يصنعون مقاطع الفيديو، وإلى شركة تصنع أدوات مخصصة لصانعي المحتوى، وإلى خبراء يدرسون كيف تصبح الوسائط الجديدة جزءاً من الثقافة. ما وجدته أقنعني بأنه ربما لن ينتهي الأمر بالذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إفساد كل شيء. ربما كنا متسرعين جداً في رفضنا للمحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي. ربما ثمة ما يدعو للنظر إلى ما وراء ظاهر الأمر ورؤية نوع جديد من الإبداع، إبداع نشهده يتشكل أمام أعيننا، ونشارك فيه جميعاً.
اقرأ أيضاً: هل تستطيع أوبن أيه آي تحمل تكاليف نموذج سورا لتوليد الفيديو؟
طفرة المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي
يمكن أن يشير مصطلح "المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي" -وهو يشير بالفعل- إلى النص أو الصوت أو الصور. لكن ما انتشر هذا العام هو طوفان مقاطع الفيديو السريعة المولدة بالذكاء الاصطناعي على المنصات الاجتماعية، والتي يجري إنتاج كل منها بناء على نص قصير يقدم إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي. من الناحية الجوهرية، يجري تدريب هذه النماذج على مجموعات هائلة من البيانات حتى تتمكن من التنبؤ بالشكل أو الصوت الذي يجب أن تبدو عليه كل لقطة لاحقة. إنها تشبه إلى حد كبير العملية التي تنتج من خلالها النماذج النصية الإجابات خلال الدردشة، ولكنها أبطأ وأكثر استهلاكاً للطاقة بكثير.
لم تستطع أنظمة تحويل النصوص إلى فيديو المبكرة، التي صدرت خلال الفترة ما بين عامي 2022 و2023، أن تدير سوى بضع ثوان من الحركة المشوشة؛ حيث كانت الأجسام تظهر وتختفي بصورة غير طبيعية، والشخصيات تنتقل فجأة من مكان إلى آخر، وكان الدليل على أنها ذكاء اصطناعي هو عادة يد مشوهة أو وجه ذائب. وفي السنتين الماضيتين شهدت النماذج الأحدث، مثل سورا 2 وفيو 3.1 وأحدث إصدار من رنواي وهو جين 4.5، تحسناً ملحوظاً، ما أدى إلى إنشاء مقاطع فيديو واقعية وسلسة ومطابقة بصورة متزايدة للأوامر النصية، وقد تصل مدتها إلى دقيقة كاملة. كما أن بعض هذه النماذج يولد الصوت والفيديو معاً، بما في ذلك الضوضاء المحيطة والحوار التقريبي.
كثيراً ما روجت شركات الذكاء الاصطناعي للنماذج التي تحول النص إلى فيديو على أنها تمثل مستقبل السينما وأدوات لصانعي الأفلام والاستوديوهات ورواة القصص المحترفين. وقد ركزت العروض التوضيحية على اللقطات العريضة وحركات الكاميرا الدرامية. روجت شركة أوبن أيه آي للنموذج سورا على أنه "محاك للعالم" بينما كانت تستهدف صانعي الأفلام في هوليوود بما تفاخرت بأنه مقاطع قصيرة بجودة الأفلام السينمائية. وقدمت جوجل النموذج فيو 3 في العام الماضي بوصفه خطوة نحو القصص المصورة والمشاهد الطويلة، ما أسهم في دمجه مباشرة في سير العمل السينمائي.
كان كل ذلك قائماً على فكرة أن الناس يريدون إنشاء مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي تبدو واقعية. لكن حقيقة كيفية استخدامها أكثر تواضعاً وغرابة، ويمكن القول إنها أكثر إثارة للاهتمام. إذ تبين أن الساحة الرئيسية لفيديوهات الذكاء الاصطناعي هي الشاشة ذات البوصات الست التي نحملها في أيدينا.
يمكن لأي شخص أن يستخدم هذه الأدوات، وهذا ما يحدث بالفعل اليوم: إذ أظهر تقرير صادر عن شركة أدوبي في أكتوبر/تشرين الأول أن 86% من صانعي المحتوى يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولكن كذلك الأمر بالنسبة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي العاديين، الأشخاص الذين ليسوا "صانعي محتوى" بقدر ما هم مجرد أشخاص يحملون الهواتف.
هكذا ينتهي بك الأمر بمقاطع فيديو تظهر أشياء مثل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وهو يرقص مع غاندي، أو بلورة تذوب وتتحول إلى زبدة لحظة لمسها بسكين، أو إعادة تصور مسلسل صراع العروش في شكل أوبرا هنان؛ مقاطع فيديو آسرة ومضحكة أحياناً وغالباً ما تكون سخيفة للغاية. وفي حين أن الصيحات الصغيرة لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعي -فقط كان تيك توك وريلز يعتمدان بالفعل على تنسيقات سريعة الحركة- يبدو الأمر كما لو أن الذكاء الاصطناعي صب الزيت على النار. ربما لأن حاجز تقليد فكرة ما أصبح منخفضاً جداً، يمكن لمقطع فيديو سريع الانتشار مثل الأرانب على الترامبولين أن يفرز بسهولة وبسرعة أشكالاً لا حصر لها تدور حول المفهوم نفسه. فأنت لم تعد في حاجة إلى زي أو موقع تصوير بعد الآن؛ كل ما عليك فعله هو تعديل الأمر النصي والضغط على زر "إنشاء" ثم مشاركة النتيجة.
سارعت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تبني فكرة مقاطع الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي بوصفها وسيلة جديدة للتواصل الاجتماعي. يسمح تطبيق سورا للمستخدمين بإدراج نسخ معدلة بالذكاء الاصطناعي لأنفسهم ولغيرهم من المستخدمين الآخرين في المشاهد. أما تطبيق فايبز (Vibes) من شركة ميتا فيسعى إلى تحويل منشوراتك بأكملها إلى مقاطع فيديو متواصلة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وبطبيعة الحال، فإن الإعداد البسيط والسلس الذي يسمح بإبداعات مبهجة وغير ضارة يجعل من السهل أيضاً توليد مقاطع أكثر قتامة. فقد جرى استخدام تطبيق سورا بالفعل لإنشاء العديد من مقاطع الفيديو العنصرية المفبركة بتقنية التزييف العميق لمارتن لوثر كينغ جونيور لدرجة أن ورثة كينغ ضغطوا على الشركة لحظر مقاطع الفيديو الجديدة المتعلقة به بالكامل. ويشهد موقعا تيك توك وإكس تداول مقاطع فيديو تحمل علامة سورا المائية وتظهر نساء وفتيات يتعرضن للخنق ويجري تداولها بدرجة كبيرة، تنشرها حسابات يبدو أنها مخصصة لهذا الموضوع تحديداً. ثم هناك "نازي سلوب"، وهو الاسم المستعار لمقاطع الفيديو التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتي تعيد صياغة الجماليات والميمات الفاشية في قوالب لامعة وجاهزة للتوليد الخوارزمي، تستهدف صفحات المنشورات المقترحة (فور يو) للمراهقين.
لكن انتشار العناصر السيئة لم يمنع انتشار فيديوهات الذكاء الاصطناعي القصيرة من الازدهار بوصفها شكلاً من أشكال الذكاء الاصطناعي. تتكاثر التطبيقات الجديدة وخوادم ديسكورد (Discord) لمطوري الذكاء الاصطناعي وقنوات الدروس التعليمية باستمرار. ويبدو أن حماس هذا المجتمع الافتراضي يتحول على نحو متزايد من محاولة إنشاء أشياء "تبدو حقيقية" إلى احتضان غرابة الذكاء الاصطناعي المتأصلة. أصادف كل يوم مصممين يتجاوزون حدود ما يفترض أن يكون عليه "المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي"، وقررت أن أتحدث إلى بعضهم.
اقرأ أيضاً: منصات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي: أفضل 4 خيارات لصناع المحتوى
تعرف إلى المبدعين
على غرار فيديوهات المراقبة المزيفة تلك، يعتمد العديد من فيديوهات الذكاء الاصطناعي الشائعة على طابع سريالي وغريب. وكما قالت لي وينهوي ليم، وهي مصممة معمارية تحولت إلى فنانة ذكاء اصطناعي متفرغة: "هناك بالتأكيد منافسة حقيقية بين صانعي فيديوهات الذكاء الاصطناعي حول مدى غرابة هذا النوع من الفيديوهات".
إنه نوع من الأشياء التي يبدو أن أدوات الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتعامل معها بسهولة: تجاوز حدود الفيزياء التي يستطيع الجسم العادي التعامل معها أو الكاميرا العادية التقاطها. وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي مناسباً على نحو مدهش للفيديوهات الساخرة والكوميديا الفكاهية والمحاكاة الساخرة وفن الفيديو التجريبي، خاصة الأمثلة التي تنطوي على العبثية أو حتى الرعب. وقد استغل العديد من صانعي محتوى الذكاء الاصطناعي المشهورين الذين تحدثت إليهم هذه الإمكانية بشغف.
استلهم دريك غاريباي، وهو مطور برمجيات يبلغ من العمر 39 عاماً من ريدلاندز بولاية كاليفورنيا، فكرة مشروعه من مقاطع فيديو للرعب الجسدي بتقنية الذكاء الاصطناعي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في أوائل عام 2025. بدأ بتجربة التطبيق كومفي يو آي (ComfyUI)، وهو أداة توليدية لإنشاء الوسائط، وانتهى به الأمر إلى قضاء ساعات كل أسبوع في ابتكار إبداعاته الغريبة. موضوعه المفضل هو الكائنات الهجينة بين الإنسان والحيوان ذات الطابع المرعب. يقول غاريباي: "لقد انجذبت إلى هذا المجال بسهولة. ولطالما كنت فناناً إلى حد كبير، [ولكن] عندما رأيت ما يمكن أن تفعله أدوات الفيديو التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، انبهرت".
منذ بداية هذا العام، نشر غاريباي تجاربه على الإنترنت. وتظهر إحدى هذه التجارب التي انتشرت على منصة تيك توك، والتي تحمل عنوان "تحضير بعض هراء الذكاء الاصطناعي الطازج"، مجموعة من الأشخاص يسكبون عجينة لزجة في وعاء. وفجأة ينبت من الخليط وجه بشري يخرج من القدر المغلي برأس وجسم. وقد حصد الفيديو أكثر من 8.3 ملايين مشاهدة.
@digitalpersonsCooking up some fresh AI slop 🍲💀(part 2) They're not cooking it. They're SPAWNING it 😱 Interested in learning how we made this ai slop? We can teach you. Slide in the DMs. Follow us on Youtube & Insta @digitalpersons & @reasonableitservice #aislop #aivideo #wtfvideo #digitalart #scrollstopper #aiweirdness #part1 #aicooking #aiviral #fyp♬ original sound - digitalpersons - DigitalPersons
تتطور تقنية الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة لدرجة أنه حتى بالنسبة للمحترفين المبدعين، ثمة الكثير من التجارب التي يمكن تجربتها. يعمل داريل أنسيلمو، وهو مخرج إبداعي تحول إلى فنان رقمي، بتجربة هذه التقنية منذ أيامها الأولى، حيث ينشر مقطع فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي كل يوم منذ عام 2021. وقد أخبرني أنه يستخدم مجموعة واسعة من الأدوات، بما في ذلك كلينغ (Kling) ولوما (Luma) وميدجورني (Midjourney)، وهو يجري تحسينات مستمرة على أعماله. وبالنسبة له، فإن اختبار حدود أدوات الذكاء الاصطناعي هذه هو في حد ذاته مكافأة في بعض الأحيان. يقول: "أود أن أفكر في أن ثمة أشياء مستحيلة لم يتمكن أحد من تنفيذها من قبل ولم تكتشف بعد. وهذا ما يثير حماستي".
وقد جمع أنسيلمو إبداعاته اليومية على مدى السنوات الأربع الماضية في مشروع فني بعنوان "المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي" (AI Slop) الذي عرض في العديد من الصالات الفنية، بما في ذلك غراند باليه إميرسيف للعروض الفنية الرقمية في باريس. ويلحظ بوضوح الاهتمام بالجو العام والتكوين الفني، حيث تبدو بعض المقاطع أقرب إلى لقطات سينمائية فنية راقية منها إلى ميم عابر. وبمرور الوقت، اتخذ مشروع أنسيلمو منحى أكثر قتامة مع تحول مواضيعه من المناظر الطبيعية والتصميم الداخلي إلى المزيد من الرعب الجسدي الذي جذب غاريباي.
في عمله الفني الأبرز "اشعر بالذكاء الاصطناعي العام" يظهر روبوت شديد الواقعية يقشر جمجمته. وفي مقطع فيديو آخر شاركه مؤخراً يظهر مطعم ليلي مليء بشخصيات بطاطا مقلية مجسدة بعنوان "توت آند بوذرد"؛ وبألوانه العتيقة وموسيقاه التصويرية البطيئة والغامضة، ويبدو هذا العمل وكأنه حلم غريب يراود المرء أشبه بهلوسات الحمى الليلية.
شاهد هذا المنشور على إنستغرام. منشور شاركه داريل أنسيلمو (@darylanselselmo)
عرض هذا المنشور على Instagram
تتمثل إحدى الفوائد الإضافية لأنظمة الذكاء الاصطناعي هذه في أنها تسهل على صانعي المحتوى بناء مساحات وطاقم من الشخصيات المتكررة التي تؤدي دور علامات تجارية غير رسمية. فليم، على سبيل المثال، هي مبتكرة حساب فيديو شهير للذكاء الاصطناعي يسمى "نايس أنتيز" (Niceaunties) مستوحى من "ثقافة الخالة" (auntie culture) في سنغافورة، حيث تنتمي.
تقول ليم: "غالباً ما تكون لكلمة ’الخالات‘ دلالة سلبية بعض الشيء في الثقافة السنغافورية. حيث يجري تصويرهن على أنهن قديمات الطراز ومتذمرات ويفتقرن إلى الحدود. ولكنهن أيضاً واسعات الحيلة ومرحات ومتصالحات مع أنفسهن. أريد أن أخلق عالماً مختلفاً بالنسبة لهن".
تظهر فيديوهاتها المرحة والجريئة نساء آسيويات مسنات يندمجن مع الفواكه والأشياء الأخرى والهندسة المعمارية، أو يعشن حياتهن على أكمل وجه في عالم خيالي. ويتخيل مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع يسمى "أنتلنطس" (تحوير لاسم القارة الأسطورية أطلنطس) وحصد 13.5 مليون مشاهدة على إنستغرام، خالات بشعر فضي كحوريات بحر صناعية يعملن في مصنع لمعالجة القمامة تحت الماء.
وثمة أيضاً حساب باسم "غراني سبيلز" (Granny Spills) وهو حساب للفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر سيدة عجوزاً جذابة وجريئة تدلي بآرائها الجريئة ونصائحها الحياتية لمحاور في الشارع. وقد اكتسب هذا الحساب 1.8 مليون متابع على إنستغرام في غضون ثلاثة أشهر من إطلاقه، حيث ينشر مقاطع فيديو جديدة كل يوم تقريباً. على الرغم من أن ملامح وجه الجدة تبدو مختلفة قليلاً في كل مقطع فيديو، فإن تركيبات اللون الوردي وملابسها تبقى ثابتة في الغالب. يقول لي منشئا الحساب إريك سويريز وآدم فاسرشتاين أن سير عملهما بالكامل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بدءاً من كتابة السيناريو وصولاً إلى تصميم المشاهد. ونتيجة لذلك، يصبح دورهما أقرب إلى الإخراج الإبداعي.
@grannyspills Oh honey don’t even get me started 😭💅 #relationshipadvice #grannyspills #dating #relationship ♬ original sound - Granny Spills
وغالباً ما تتفرع عن هذه المشاريع سلع ترويجية ومسلسلات قصيرة وعوالم خيالية تحمل علامات تجارية. على سبيل المثال، عمل مبتكرو غراني سبيلز على توسيع شبكتهم، حيث ابتكروا شخصية جدة سوداء وأخرى آسيوية لتلبية احتياجات جماهير مختلفة. وتظهر الجدتان الآن في مقاطع فيديو مشتركة، كما لو أنهما تتشاركان في العالم الخيالي نفسه، ما يزيد التفاعل بين القنوات.
وعلى المنوال نفسه، أصبح من الممكن الآن أكثر من أي وقت مضى المشاركة في اتجاه ما على الإنترنت. لنأخذ على سبيل المثال "إيتاليان برينروت" (Italian Brainrot)، الذي انتشر في وقت سابق من هذا العام. تحظى هذه الفيديوهات بشعبية واسعة بين جيلي زد وألفا، وتتميز بشخصيات هجينة بين الإنسان والحيوان والأغراض المادية وتحمل أسماء إيطالية مزيفة مثل "بومبارديرو كروكوديلو" و"ترالاليرو ترالالا" وفقاً لموقع Know Your Meme، بدأت هذه الظاهرة ببضع أصوات انتشرت على منصة تيك توك بلغة إيطالية مزيفة. وسرعان ما شارك الكثير من الأشخاص فيما بدا كأنه هلوسة تعاونية ضخمة، واخترعوا شخصيات وقصصاً خلفية ووجهات نظر عالمية لعالم عبثي دائم التوسع.
@patapimai The full track has already been released and is available on Spotify Tung tung tung sahur and ballerina cappuccino 🥰 #tungtungtung #italianbrainrot #ballerina ♬ I am tung tung tung sahur and I love ballerina - PatapimAi
يقول "دينيم مازوكي"، وهو مطور برمجيات ومنشئ محتوى كان يتابع هذا الاتجاه: "كانت ظاهرة ’إيتاليان برينروت‘ رائعة عندما ظهرت أول مرة". كان بناء السرد الجماعي هو ما جعلها رائعة، فكل شخص أضاف قطعة من اللغز. لم تكن الشخصيات مملوكة لاستوديو أو مبتكر واحد، بل صنعها مستخدمون يدمنون الإنترنت".
وقد اكتسب هذا الاتجاه وغيره من الاتجاهات زخمها من أدوات جديدة متخصصة ومتطورة للغاية مثل منصة أوبن آرت (OpenArt)، وهي منصة مصممة ليس فقط لتوليد الفيديو بل لسرد القصص المرئية، والتي تمنح المستخدمين التحكم في السرد القصصي المتطور إطاراً تلو الآخر.
يعد إنشاء فيديو على منصة أوبن آرت عملية سهلة ومباشرة: إذ يبدأ المستخدمون ببضع صور لشخصيات أنشئت بالذكاء الاصطناعي وسطر نصي بسيط مثل "قطة ترقص في حديقة"، ثم تتولى المنصة بعد ذلك إنتاج مشهد تفصيلي يمكن للمستخدمين تعديله مشهداً تلو الآخر، ويمكنهم تشغيله من خلال نماذج متعددة ومقارنة النتائج لمعرفة أيها يبدو أفضل.
أخبرتني مؤسستا أوبن آرت، كوكو ماو وكلوي فانغ، أنهما رعتا مقاطع فيديو تعليمية وأنشأتا قوالب جاهزة للبدء السريع للاستفادة على وجه الخصوص من رواج الاتجاه إيتاليان برينروت بين عامة الناس. وتقولان إن أكثر من 80% من مستخدميهما ليس لديهم أي خلفية فنية.
اقرأ أيضاً: نظام ميدجورني لتوليد الصور يحظر المحتوى الإباحي
دفاعاً عن المحتوى الرديء
يعود الاستخدام الحالي لعبارة "المحتوى الرديء" (أو "سلوب" بالإنجليزية) على الإنترنت إلى أوائل عام 2010 على موقع فور تشان (4chan)، وهو منتدى معروف بنكاته الانعزالية والسامة في كثير من الأحيان. ومع انتشار هذا المصطلح، تطور معناه؛ فقد أصبح الآن نوعاً من الإهانة لأي شيء يبدو كأنه إنتاج ضخم منخفض الجودة موجه لجمهور غير واع، كما يقول آدم ألكسيك، وهو خبير اللغويات المتداولة عبر الإنترنت. ويستخدمه الناس الآن لوصف كل شيء بدءاً من أطباق السلطة وصولاً إلى تقارير العمل العديمة الجدوى.
ولكن حتى مع هذا الاستخدام الموسع، يظل الذكاء الاصطناعي هو أول ما يتبادر إلى الذهن: لقد أصبحت كلمة "سلوب" اختزالاً مناسباً لرفض أي مخرجات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي تقريباً، بغض النظر عن جودتها الفعلية. ومن شبه المؤكد أن المعنى الجديد لكلمة "سلوب" في قاموس كامبريدج سيعزز هذا التصور، حيث يصفه بأنه "محتوى على الإنترنت منخفض الجودة للغاية، خاصة عندما يكون إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي".
ربما ليس من المستغرب أن تصبح الكلمة تسمية مثيرة للجدل بين منشئي المحتوى بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
يتقبل أنسيلمو الأمر بنوع من السخرية، ومن هنا جاء عنوان مشروعه الفني الذي استمر سنوات. يقول: "أرى هذه السلسلة بمثابة دفتر للرسم التجريبي. فأنا أعمل مع المحتوى الرديء، وأدفع بالنماذج إلى أقصى حدودها، وأحطمها، وأطور لغة بصرية جديدة. لا أخجل من أنني أتعمق في عالم الذكاء الاصطناعي". ويضيف أنسيلمو أنه لا يشغل نفسه بما إذا كان عمله يندرج تحت تعريف "الفن" أم لا.
يستخدم غاريباي، مبتكر الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع حيث ظهر وجه بشري من وعاء من الفضلات الطبيعية، هذه التسمية على سبيل المزاح. ويقول: "إن فن المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي ليس إلا مجموعة من الأشياء الغريبة والمختلة التي تحدث، ولا يحمل في طياته عادة أي عمق فكري حقيقي، باستثناء عنصر الصدمة. لكنك سرعان ما ستكتشف أن هناك الكثير من التفاصيل الدقيقة التي يجب مراعاتها للحصول على نتيجة أكثر احترافية".
وهذا يتماشى إلى حد كبير مع ما أخبرني به سويريز وفاسيرشتاين، مبتكرا غراني سبيلز. فهما يكرهان بشدة وصف عملهما بأنه "سلوب"، نظراً للطريقة التي يستخدم بها هذا المصطلح في كثير من الأحيان لرفض المحتوى الذي جرى إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي. ويقولان إن ذلك يشعرهم بعدم الاحترام لإسهاماتهم الإبداعية. على الرغم من أنهما لا يكتبان السيناريوهات أو يرسمان الإطارات، إلا أنهما يؤكدان أنهما يتخذان خبارات فنية مشروعة.
في الواقع، بالنسبة لمعظم صانعي المحتوى الذين تحدثت إليهم، نادراً ما يكون إنشاء محتوى الذكاء الاصطناعي عملية سهلة بنقرة واحدة. فهم يخبرونني أن الأمر يتطلب المهارة واتباع أسلوب التجربة والخطأ وامتلاك ذوق رفيع للحصول على المرئيات التي يريدونها باستمرار. تقول ليم إن مقطع فيديو واحد مدته دقيقة واحدة قد يستغرق ساعات وأحياناً أياماً لصنعه. أما أنسيلمو، من جانبه، فيفتخر بدوره الفعال في دفع النموذج لتقديم أقصى ما لديه بدلاً من القبول السلبي لمخرجاته. يقول: "هناك الكثير من الأشياء التي يمكنك فعلها والتي تتجاوز مجرد كتابة أمر نصي". في نهاية المطاف، يثير المحتوى الرديء الكثير من المشاعر. يعبر ألكسيتش عن الأمر ببراعة قائلاً: "هناك شعور بالذنب من جانب المستخدم لاستمتاعه بشيء يعرف أنه رديء. هناك شعور بالغضب تجاه صانع المحتوى لأنه صنع شيئاً لا يرقى إلى مستوى توقعاتك، وفي الوقت نفسه، يخيم علينا قلق مستمر بشأن الخوارزميات، فنحن نعلم أن الخوارزميات والمنصات هي المسؤولة عن انتشار هذا المحتوى الرديء".
وهذا القلق يسبق الذكاء الاصطناعي التوليدي بفترة طويلة. فقد عشنا سنوات طويلة مع شيء من الخوف من تعرضنا للتوجيه، ومن هندسة أذواقنا وتوجيه انتباهنا، لذا ليس من المستغرب أن ينصب الغضب على أحدث المذنبين، وأوضحهم. في بعض الأحيان يكون الغضب في غير محله بالتأكيد، ولكنني أشعر أيضاً برغبة ملحة في تأكيد قدرتنا البشرية على مقاومة قوة جديدة يبدو أنها تدفعنا جميعاً بعيداً عما نعرفه، نحو شيء لم نختره بأنفسنا.
لكن هذه الصورة السلبية تلحق ضرراً حقيقياً بالمستخدمين الأوائل. فصانعو فيديوهات الذكاء الاصطناعي الذين تحدثت إليهم ذكروا لي كلهم أنهم تلقوا رسائل وتعليقات بغيضة لمجرد استخدامهم هذه الأدوات أصلاً. حيث تتهم هذه الرسائل صانعي المحتوى بمساعدة الذكاء الاصطناعي بأنهم يسلبون الفرص من الفنانين الذين يكافحون أصلاً لكسب لقمة العيش، والبعض يصف عملهم على أنه "احتيال" و"هراء". وبالطبع لم يأت رد الفعل العنيف هذا من فراغ. فقد وجدت دراسة أجرتها مؤسسة بروكينغز على إحدى أسواق العمل المستقل الكبرى أنه بعد إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديدة في عام 2022، شهد العاملون المستقلون في المهن المتأثرة بالذكاء الاصطناعي انخفاضاً في العقود بنسبة 2% تقريباً وانخفاضاً في الأرباح بنسبة 5%.
تقول ميندي سيو، الباحثة والفنانة والأستاذة المشاركة في الفنون الرقمية في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس: "إن عبارة ’المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي‘ تشير إلى سهولة معينة في الإبداع تزعج الكثير من الناس، وهذا أمر مفهوم، لأن [صناعة مقاطع الفيديو التي يولدها الذكاء الاصطناعي] لا تتضمن العمل الفني الذي نربطه عادة بالفن المعاصر".
تكمن جذور الصراع هنا في أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الفن لا يزال في مراحله الأولى؛ إذ إن الممارسات المثلى نادرة، ولا وجود لأي ضوابط تقريباً. وثمة نوع من الخجل يرافق ذلك، وهو شعور أدركه عندما أجد نفسي أطيل النظر في محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء.
على مدى التاريخ، لطالما ارتبط ظهور التكنولوجيات الجديدة أول مرة بنوع من النفور، خاصة في المجالات الإبداعية؛ حيث يبدو أنها تتعدى على حرفة يدوية كانت سائدة فيما مضى. تقول سيو إن الفن الرقمي وفن الإنترنت والوسائط الجديدة تأخرت في نيل الاعتراف من المؤسسات الثقافية، التي لا تزال تعد المرجع الأساسي لتحديد ما يعتبر فناً "جاداً" أو "مفيداً".
بالنسبة لكثير من الفنانين، بات الذكاء الاصطناعي يندرج ضمن هذا السياق، حيث تقول سيو: "كل تقدم كبير في التكنولوجيا يطرح السؤال: ’ما هو دور الفنان؟‘". وهذا صحيح حتى لو كان صانعو المحتوى لا يرون فيه بديلاً عن التأليف، بل مجرد طريقة أخرى للإبداع.
تعتقد مؤسسة أوبن آرت، ماو، أن تعلم كيفية استخدام أدوات الفيديو التوليدية سيكون أمراً حاسماً لصانعي المحتوى في المستقبل، تماماً كما كان تعلم الفوتوشوب مرادفاً تقريباً للتصميم الغرافيكي لجيل كامل. وتقول: "إنها مهارة يجب تعلمها وإتقانها".
ثمة تفسير متفائل للظاهرة التي يطلق عليها الكثير من الناس اسم "المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي"، وهو أنها تمثل تقريب الإبداع من متناول العامة. وهي مهارة نادرة تنتقل من الحرفية إلى شيء أقرب إلى التوجيه الإبداعي: القدرة على وصف المطلوب بدقة لغوية كافية، وربطه بمراجع من المحتمل أن يفهمها النموذج. عليك أن تعرف كيف تسأل، وما الذي تشير إليه. بهذا المعنى، أصبح التمييز والنقد في صميم العملية أكثر من أي وقت مضى.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بالتوجيه الإبداعي، بل يتعلق بالنية الإنسانية الكامنة وراء الإبداع. تقول ليم: "من السهل جداً تقليد الأسلوب. من السهل جداً أن أصنع شخصيات تجسد، مثلاً، نساء آسيويات كبيرات في السن يفعلن أشياء مختلفة، لكنهم [المقلدون] لا يفهمون لماذا أفعل ذلك. حتى عندما يحاول الناس تقليد ذلك، لا يكون لديهم هذا الاتساق".
يقول الأستاذ في مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، زاك ليبرمان، الذي يقود مجموعة بحثية تسمى "الرسومات المستقبلية" حيث يستكشف الأعضاء الصور المولدة بواسطة البرمجة: "إن الفكرة الكامنة وراء الإبداع القائم على الذكاء الاصطناعي هي التي تجعله مجالاً مثيراً للاهتمام". يخبرني ليبرمان، الذي ينشر منذ سنوات رسومات تخطيطية يومية مولدة بواسطة البرمجة، أن المنطق الرياضي ليس عدواً للجمال. وهو يوافق ماو الرأي بقوله إن الجيل الأصغر سناً سيرى حتماً أن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة أخرى في صندوق الأدوات. ومع ذلك، فهو يشعر بعدم الارتياح: من خلال الاعتماد إلى حد كبير على نماذج الذكاء الاصطناعي المبهمة، يفقد الفنانون بعضاً من السيطرة المباشرة على المخرجات وهو ما كان ركيزة أساسية في العمل الفني التقليدي.
اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أدوات توليد الصور الواقعية ومقاطع الفيديو باستخدام فايرفلاي من أدوبي
ثقافة جديدة على الإنترنت
بالنسبة للكثير من الناس، يمثل المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي ببساطة كل ما يكرهونه في الإنترنت ولكن بصورة مضاعفة: قبيح، ومزعج، ومزاحم للعمل البشري. ولم يكن هذا ليصبح ممكناً لولا أنه تدرب على أخذ كل الأعمال الإبداعية وتحويلها إلى مادة خام، مجردة من هويتها الأصلية وسحرها الفني وحقوق إبداعها، ومدمجة في منتج مصمم بذكاء ليحقق الوسطية الأقرب إلى المثلى من منظور رياضي، بل يمكن القول إن المنتج يعبر عن المتوسط تماماً، بطريقة متعمدة. يصف الكاتب في موقع ذا فيرج، تشارلز بوليام-مور، هذا "الاشتقاق النمطي" الذي يحدد بالفعل الكثير من ثقافة الإنترنت بأنه خال من الإبداع، وغير أصيل، وغير مثير للاهتمام.
لكنني أحب ثقافة الإنترنت، ولطالما أحببتها. حتى في أسوأ حالاتها، فهي سيئة بطريقة مثيرة للاهتمام؛ إذ توفر مساحة لكل أنواع الهوس وتدعوك لإضافة هوسك الخاص. لقد علمتني سنوات من الحضور الدائم على الإنترنت أن المنطق الحقيقي لاستهلاك المحتوى الرديء ليس الإتقان، بل هو نوع من الإذعان. فبصفتي مستخدماً، لا أملك أي نفوذ تقريباً على المنصات أو الخوارزميات؛ لا أستطيع تغيير طريقة عملها. ومع ذلك، فإن الإذعان لا يعني الاستسلام. إنه أشبه بالاعتراف بأن التيار أقوى منك، وحتى إن اخترت تركه يحملك معه. التصفح الجيد لا يتعلق بالسيطرة على أي حال، بل هو أقرب إلى ركوب الأمواج، وأحياناً يغمرك التيار في مكان سخيف، لكنك لست وحيداً تماماً.
ظاهرة المحتوى الضخم المصمم لجذب النقرات ليست جديدة على الإطلاق. لكن الجديد هو أننا نستطيع الآن أن نشاهد عملية إنشائه في الزمن الحقيقي، وعلى نطاق لم يكن من الممكن تصوره من قبل. والطريقة التي نستجيب بها له تشكل بدورها محتوى جديداً (كما في مثال الأرانب التي تقفز على الترامبولين) وثقافة إضافية وهكذا دواليك. لعل المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي وليد الإذعان لمنطق الخوارزميات. فهو غير جاد وسريالي ومذهل بطرق تحاكي علاقتنا بالإنترنت نفسها. إنه مبتذل للغاية -رديء بصورة مفرطة ومتوسط الجودة بطريقة خالية من البصمة البشرية- لدرجة أنه يتحول في النهاية إلى ما يشبه السحر العكسي.
إن "حب المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي" هو بمثابة اعتراف بأن الإنترنت معطوبة، وأن البنية التحتية للثقافة انتهازية واستغلالية. ولكن حتى في خضم هذا الخراب، لا يزال الناس يجدون طرقاً للعب والضحك وإيجاد المعنى.
اقرأ أيضاً: كيف تستخدم أداة توليد الفيديو الجديدة من أوبن أيه آي «سورا»؟
في وقت سابق من هذا الخريف، بعد أشهر من انخداعي بفيديو الأرنب فترة وجيزة، كنت أتصفح موقع ريد نوت (Rednote) ووجدت مقاطع فيديو لمو تيانران، وهو صانع محتوى صيني يقدم مشاهد هزلية غريبة تحاكي الذكاء الاصطناعي. في أحد المقاطع المتداولة على نطاق واسع، يجسد دور محاور في الشارع يسأل الممثلين الآخرين حيث يقول: "هل تعلمون أنكم من صنع الذكاء الاصطناعي؟" في محاكاة ساخرة لموجة سابقة من مقابلات الشارع يجريها الذكاء الاصطناعي. وتبدو ردود الممثلين وكأنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، لكنها بالطبع ليست كذلك: فعيونهم ثابتة بعيداً عن الكاميرا، وضحكاتهم أبطأ من اللازم، وحركاتهم غير طبيعية بعض الشيء.
عند مشاهدة ذلك، كان من الصعب تصديق أن الذكاء الاصطناعي كان على وشك القضاء على الإبداع البشري. بل على العكس، إذ منح الناس أسلوباً جديداً يتبنونه ويسخرون منه، ومسرحاً جديداً لعبثهم الإبداعي. ربما يكون كل شيء على ما يرام، وربما لا تزال الرغبة في التقليد وإعادة المزج والمزاح متأصلة في الإنسان، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتزعها منه.