في ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها مستقبل العمل الآن، لم يعد دور المدير التقليدي كافياً للصمود، إذ نشهد اليوم ولادة مفهوم القيادة الرقمية ممثلة في مسمى المدير الهجين كضرورة حتمية للبقاء، حيث إن الاعتماد المتزايد على تقنيات الأتمتة الذكية الإدارية والذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيار تقني، بل هو تحول شامل يضع المدراء أمام خيارين: إما احتراف أدوات العصر وإما مواجهة التهميش في سوق عمل لا يعترف إلا بالكفاءة المعززة تكنولوجياً.
إذ يواجه سوق العمل العالمي تحولاً جذرياً، فقد أشار تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي المنشور عام 2020 إلى احتمالية الاستغناء عن نحو 85 مليون وظيفة وظهور نحو 97 مليون وظيفة جديدة في الوقت نفسه، وهذه ليست قصة تراجع بل قصة تحول. إذ ليس السؤال الآن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير مفهوم الإدارة حيث غيرها بالفعل ولكن: هل سيقود المدراء هذا التغيير أم يهمشون بسببه؟
التحول الجيني لمفهوم الإدارة المتوسطة: التآكل الهيكلي وصعود المدير الهجين
ركزت النقاشات مع صعود الذكاء الاصطناعي في مكان العمل في كثير من الأحيان على إمكانية أن يحل محل الموظفين الذين يجرون أعمالاً ابتدائية أو أعمالاً يدوية متكررة، ومع ذلك تكشف دراسة شركة التوظيف العالمية ريفيليو لابز بعد تحليل أكثر من 100 مليون ملف توظيف بين عامي 2023 و2025 عن تأثير أكثر تحديداً في مستوى الإدارة نفسه.
حيث وجدت الدراسة أن إعلانات وظائف الإدارة الوسطى في أميركا شهدت انخفاضاً مذهلاً عام 2025 بنسبة 42% عن ذروتها في أبريل 2022، وتشير هذه الظاهرة التي تسمى (الانعكاس العظيم Great Inversion) أو (انقلاب التسلسل الهرمي) إلى أن الشركات لم تعد تنظر إلى الإدارة الوسطى كفئة محمية، بل كطبقة إدارية يمكن الاستغناء عنها واستبدالها بالأتمتة.
ويتجلى تآكل هذه الطبقة بشكل أوضح في اتجاهات تقليص القوى العاملة العالمية، إذ شكل المدراء المتوسطون عام 2024 نحو 32% من إجمالي المسرحين، بزيادة ملحوظة على 20% عام 2019 بحسب شركة تحليلات القوى العاملة لايف داتا تكنولوجيز.
ويفرض هذا الانكماش تغييراً جذرياً في دور المدير، لا سيما وأن 49% من مهام الإدارة التقليدية الحالية تعتبر الآن قابلة للأتمتة، وتتوقع شركة غارتنر أنه بنهاية العام الحالي 2026 والأعوام القادمة ستستخدم نحو 20% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي بنشاط لتبسيط هياكلها التنظيمية، ما سيؤدي إلى إلغاء أكثر من نصف مناصب الإدارة الوسطى الحالية.
ويخاطر المدير "المتجاهل" الذي يبقى أسيراً لنموذج "المسمى الوظيفي" ويرفض التكيف مع هذا التغيير، والذي يقضي ما يصل إلى نحو 75% من وقته في تنفيذ المهام الإدارية، ليس خطر الركود فحسب، بل خطر الإزالة الهيكلية الكاملة، لأنه في الواقع سيتنافس حرفياً مع أدوات ذكية لا تعرف التعب وقادرة على معالجة البيانات على نطاق لا نهائي.
في المقابل يدرك المدير "الهجين" أن الذكاء الاصطناعي "عضو معزز في دوره"، وليس منافساً، فهو يتبنى التحول من إدارة المهام إلى وضع الاستراتيجيات مدركاً أنه بينما يتولى الذكاء الاصطناعي "كيفية" التنفيذ ينبغي أن يكون هو المتحكم بلا منازع في الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: "لماذا" و"من" (الرؤية والقيادة).
اقرأ أيضاً: مستقبل العمل: ما الذي يحمله لنا وكيف نستعد له؟
أدوات النجاح: كيف يمكنك النجاح كمدير هجين؟
يعرف المدير الهجين لا كعالم أو محلل بيانات، بل كقائد يتعاون مع الذكاء الاصطناعي كشريك استراتيجي ويدرك أنه لن يحل محله بل هو عامل مضاعف لفاعلية الإدارة وإنتاجيتها يطلق العنان لطاقته الذهنية لصالح شركته، وفي بيئة مثل المنطقة العربية التي بنيت الأعمال فيها تاريخياً على العلاقات الشخصية، يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة.
إذ لا يطلب المدير الهجين من الذكاء الاصطناعي أن يحل محل حكمه، بل يطلب منه تسريع عملية الحكم وتوضيحها، ويستخدم البيانات لا للقضاء على الحدس البشري بل لتأكيده وتطويره، ويستفيد من الأتمتة لا للتهرب من أداء المهام، بل لتخصيص المزيد من الوقت لما هو أهم: تنمية المواهب وبناء ثقافة مؤسسية قوية وإلهام الرؤية.
ويرتكز نجاح المدير الهجين على ثلاثة أركان أساسية يعزز كل منها بالاستخدام الاستراتيجي لأدوات الذكاء الاصطناعي ومجموعة جديدة من المهارات المكتسبة:
أولاً: تحول جذري من المهام التقليدية إلى الاستراتيجية
بدلاً من قضاء أيام في تنسيق مهام مثل كشوفات الرواتب والموافقة على جداول الدوام وجدولة الاجتماعات التي تستنزف طاقة كان من الممكن توجيهها نحو النمو والابتكار والرؤية، يمكنك استخدام الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارتها تلقائياً وبالحد الأدنى من التدخل البشري.
فمهام تقليدية مثل معالجة كشوفات الرواتب يمكنك تجميعها ومعالجتها آلياً، إذ أظهر بحث لشركة غارتنر أن الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من المتوقع أن تحل محل نحو 69% من العمل الروتيني الذي يؤدى حالياً من قبل المدراء، ما يسمح لهم بالتحول نحو قيادة بشرية ذات قيمة عالية
اقرأ أيضاً: مستقبل العمل عن بعد: من خيار ضرورة إلى خيار مستدام
ثانياً: قرارات مبنية على البيانات بدلاً من الحدس
لا تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات نيابة عن المدير، بل في معالجته كميات هائلة من البيانات بشكل فوري كاشفاً أنماطاً يصعب على البشر رصدها. على سبيل المثال، قد يلاحظ مدير يحلل مستوى تفاعل الموظفين انخفاضاً في الروح المعنوية، لكن نظام الذكاء الاصطناعي عند تحليله البيانات نفسها يكشف أن هذا الانخفاض جاء بعد تغيير محدد في السياسة، وأن هذه الحالة تؤثر بشكل غير متناسب في فئة ديموغرافية معينة، وترتبط بزيادة التغيب عن العمل، ما يجعل التحديد واضحاً جلياً وينقل القرار من حالة غامضة إلى حالة مركزة.
وفي بيئة الأعمال العربية، حيث تؤثر العلاقات غالباً في اتخاذ القرارات الموضوعية، يقدم هذا النهج القائم على البيانات قيمة ثمينة وهي: العدالة دون قسوة، فهو يزيل التحيز مع الحفاظ على الحكم البشري، وبذلك يستطيع المدير اتخاذ قرارات سليمة تحليلياً ومراعية للحساسيات الثقافية.
ثالثاً: قيادة محسنة للموارد البشرية
لعل أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي للمدراء الذين يجمعون بين أساليب الإدارة الهجينة يكمن في تنمية المواهب، إذ لطالما تمحور دور المدير حول الموظفين وتطويرهم وتحفيزهم والحفاظ عليهم، ومن ثم لا يقلل الذكاء الاصطناعي هذا الدور بل يعززه بشكل كبير.
على سبيل المثال، تحلل أدوات الذكاء الاصطناعي الآن بيانات الموظفين لتحديد فجوات المهارات قبل أن تتحول إلى أزمات، كما تقترح مسارات تدريبية مخصصة وتشير إلى الموظفين المعرضين لخطر الإرهاق أو الاستقالة، ما يتيح للمدراء التدخل استباقياً بدلاً من رد الفعل.
لكن تأثير الذكاء الاصطناعي في قيادة الموارد البشرية يتجاوز مجرد الكفاءة، إذ أظهر بحث توقعات غارتنر لمكان العمل لعام 2025 أن نحو 86-87% من الموظفين أظهروا ثقة في أن الخوارزميات قادرة على تقديم تقييم أداء أكثر عدلاً من مدرائهم بسبب التحيز البشري المتصور.
ولا يمثل هذا الأمر أزمة للمدراء الهجينين بل فرصة لإعادة توجيه دورهم، فإذا تولى الذكاء الاصطناعي تقييم الأداء بموضوعية، يتحول دوره إلى مدرب ومرشد وموجه، وهي الأدوار التي تحفز التطور الحقيقي.
اقرأ أيضاً: حوار مع بشار كيلاني حول مستقبل العمل ودور التكنولوجيا في رسمه
الطريق إلى الزوال: ثمن تجاهل الذكاء الاصطناعي في سير العمل
بتجاهلك الذكاء الاصطناعي أنت تختار العمل بجهد أكبر ونتائج أقل، فبينما ينجز منافسك 'الهجين' تحليل أسبوع كامل في ساعة واحدة، ستظل أنت عالقاً في دوامة جمع البيانات وترتيبها يدوياً، مع الإشارة إلى أن هذا ليس عيباً مؤقتاً بل عدم كفاءة يتفاقم مع مرور الوقت، حيث ستدور في حلقة مفرغة -تعمل بجهد أكبر مقابل نتائج متضائلة- بينما يتقدم المدراء الهجينون بخطى سريعة باستخدام أدوات أفضل.
ويتشكل تأثير هذا التطور بشكل فريد في منطقتنا العربية، حيث يسلط استطلاع شركة الأبحاث برايس ووترهاوس كوبرز لعام 2025 وعياً مفاجئاً: إذ يقود الموظفون التوجه العالمي في تبني الذكاء الاصطناعي، ما يضع ضغطاً إضافياً على المدراء لمواكبة فرق عملهم.
حيث يستخدم نحو 75% من الموظفين بالفعل الذكاء الاصطناعي في وظائفهم متجاوزين المتوسط العالمي البالغ 69%، ويتجلى هذا الزخم في الاستخدام اليومي، حيث يتفاعل 32% منهم مع الذكاء الاصطناعي التوليدي يومياً مقارنة بنحو 28% على مستوى العالم.
وعلى الرغم من أن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه يشير إلى استحداث نحو 97 مليون وظيفة جديدة بفضل الذكاء الاصطناعي، فإن هذا المكسب مضلل، إذ إن المهارات المطلوبة للوظائف الجديدة تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي فقدت.
حيث سيؤثر الاستغناء بشكل أساسي في المهام المعرفية الروتينية والأدوار الإدارية الكتابية لصالح وظائف تعتمد اعتماداً كلياً على الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن 50% من الموظفين جميعهم على مستوى العالم سيحتاجون إلى إعادة تأهيل كبيرة تتوافق مع الثورة التكنولوجية التي نحن فيها الآن.
ومن ثم بصفتك مديراً هجيناً أنت في موقف بارز لقيادة جهود إعادة التأهيل، محولاً تركيز فريقك من المسميات الوظيفية التقليدية إلى الكفاءات الحديثة، إذ إن تبنيك أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي في مهامك الإدارية سيضمن لك موقعاً فريداً في مؤسستك، أما تجاهلك له ستجد دورك الوظيفي إما ملغى تماماً وإما متقلصاً بشكل كبير أو معاداً توزيعه.
اقرأ أيضاً: هل ستصبح واجهات الدماغ الحاسوبية الأداة الرئيسية للمدراء لمعرفة مستوى تركيز الموظفين؟
كيف تصبح مديراً هجيناً يستخدم الذكاء الاصطناعي مساعداً ذكياً وليس منافساً؟
- اختر مهمة روتينية واحدة على سبيل المثال كتابة ملخصات الاجتماعات أو ما شابه، وجرب استخدام أداة ذكاء اصطناعي مرة واحدة أسبوعياً لتوفير ساعات من العمل.
- طور مهاراتك ومهارات فريقك واستخدم الموارد المتاحة حول الذكاء الاصطناعي للأعمال لتعميق معرفتك وصقل مهاراتك، وتذكر أنك لست بحاجة إلى أن تصبح عالم بيانات، ولكن تعلم الأساسيات مثل كيفية تحليل البيانات قد يكون كافياً في الوقت الحالي.
- شجع فريقك على تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة في مهام بسيطة مثل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين صياغة رسائل البريد الإلكتروني أو أدوات التمثيل البياني لفهم البيانات.
- تواصل مع زملائك الذين اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي مبكراً وانضم إلى منتديات أو ندوات متخصصة في المجال، وحدد هدفاً واضحاً قصير المدى مثل: تقليل وقت إعداد التقارير بنسبة 50% ثم قس النتيجة.
- راجع عملية اتخاذ القرارات مدة أسبوع وراقبها: كم منها استند إلى الحدس؟ وكم منها إلى معلومات غير مكتملة؟ وكم منها كان من الممكن أن يستفيد من البيانات الآنية؟ هذه المراجعة ليست حكماً بل هي نقطة انطلاق لإظهار كيف يمكن لاتخاذ القرارات المبنية على البيانات أن يحسن النتائج.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن ردم الهُوة الخاصة بمهارات العمل المستقبلية؟
كل خطوة من هذه الخطوات من السهل البدء بها وستبدأ بتحويل دورك من مجرد التعامل مع البيانات إلى قيادة قائمة على البيانات، مع وضع في الاعتبار أن دمج الذكاء الاصطناعي في دورك الوظيفي ليس قفزة إلى المجهول، بل هي خيار استراتيجي لحماية مستقبلك ومسارك المهني.
وفي نهاية الأمر فإن ما ذكره المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جونسون هوانغ: "لن تفقد وظيفتك بسبب الذكاء الاصطناعي، بل ستفقد وظيفتك لصالح شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي" هو ما ينبغي أن تضعه نصب عينيك من الآن ولاحقاً إذا أردت أن ترتقي في دورك ومستقبلك المهني.