القطاع غير الربحي: فرصة لتعزيز استقلالية البحث العلمي ودعمه

3 دقيقة
القطاع غير الربحي: فرصة لتعزيز استقلالية البحث العلمي ودعمه
envato.com/Kundoy

يناقش المقال واقع تمويل البحث العلمي وأثره المباشر في استقلالية المنظومات البحثية واستدامتها، في ظل الاعتماد التقليدي على القطاعين الحكومي والخاص، وما يرافق ذلك من قيود تتعلق بالأولويات والتقلبات المالية. ويستعرض المقال الفجوة القائمة في مساهمة القطاع غير الربحي في دعم …

مع إعلان منظمة اليونسكو العقد الدولي للعلوم لخدمة التنمية المستدامة (2024–2033)، يعود النقاش حول الدور المحوري للبحث العلمي في مواجهة التحديات العالمية، ودفع عجلة التنمية والابتكار، وتعزيز التعاون الدولي بما يخدم المنفعة الإنسانية المشتركة ويدعم العدالة الاجتماعية والسلام.
ويعد البحث العلمي حجر الأساس في نهضة الدول وازدهارها، لما يتيحه من تطوير المعارف، وتنمية القدرات، وإيجاد حلول مبتكرة للتحديات المحلية والعالمية. ومن هنا يبرز الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار مؤشراً رئيسياً على وعي الدول بأهمية البحث العلمي في تعزيز تنافسيتها ومكانتها عالمياً. في هذا السياق تشير البيانات إلى أن إنفاق الدول المتصدرة لهذا المجال (الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا والصين وكوريا الجنوبية واليابان) مجتمعة عام 2021 بلغ ما نسبته 73% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير.

وعلى الرغم من تنوع مجالات البحث العلمي وأهدافه بين البحث القائم على الاستكشاف والفضول العلمي والبحث الموجه نحو تطوير حلول تطبيقية محددة، فإن بناء منظومة بحثية فعالة لا يتحقق دون توفر مقومات أساسية تشمل بنية تحتية متقدمة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وأطر حوكمة مرنة وشفافة، إلى جانب التمويل المستدام بوصفه شرطاً جوهرياً لضمان الاستقلالية والحياد العلمي.

ما هي موارد تمويل البحث العلمي؟

تعتمد استدامة البحث العلمي وقدرته على تحقيق أثر ملموس على مصادر تمويله واستقرارها، ويمكن تصنيف تمويل الأبحاث العلمية إلى مصادر داخلية (ذاتية) ومصادر خارجية، ويشمل التمويل الذاتي المخصصات التي تعتمدها مجالس إدارات الجهات البحثية، إضافة إلى الإيرادات المتولدة من الأنشطة والخدمات، وعوائد الاستثمارات والصناديق الاستثمارية، والشراكات مع مختلف الجهات.

أما مصادر التمويل الخارجية، فتشمل المنح الحكومية، وتمويل القطاع الخاص، والدعم المجتمعي من خلال برامج المسؤولية الاجتماعية، والمنح المقدمة من المؤسسات غير الربحية، والتبرعات.

ويسهم هذا التنوع في خلق بيئة بحثية جاذبة للكفاءات، ويعزز في الوقت ذاته استقلالية المؤسسات البحثية وقدرتها على تحديد أولوياتها بعيداً عن الضغوط المباشرة للممولين.

من يمول البحث العلمي؟ ولماذا لا يكفي ذلك؟

يتفاوت حجم الإنفاق على البحث العلمي بين الدول تبعاً لتوجهات القطاع الخاص من جهة، والظروف الاقتصادية والسياسية للحكومات من جهة أخرى. وتظهر بيانات المجلس الوطني للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية لعام 2021 أن القطاع الخاص يستحوذ على النسبة الأكبر من تمويل البحث والتطوير بنسبة تصل إلى 76%، في حين تسهم المؤسسات الحكومية بنحو 18%.

وعلى الرغم مما يتمتع به تمويل القطاع الخاص من استقرار نسبي، فإنه غالباً ما يوجه نحو الأبحاث ذات العائد التجاري المباشر، إذ ينفق معظم هذا التمويل على برامج البحث والتطوير التابعة للقطاع نفسه. ويؤدي اعتماد المؤسسات البحثية، ولو جزئياً، على هذا النوع من التمويل إلى تقييد استقلاليتها في تحديد أولوياتها البحثية.
في المقابل، يتسم التمويل الحكومي بمواءمته للأولويات الوطنية، ما يجعله خياراً استراتيجياً، خاصة في مراحل التأسيس والتوسع، غير أنه يبقى عرضة لتقلبات الموازنات العامة وضغوط الإنفاق على القطاعات الحيوية الأخرى مثل الصحة والتعليم والأمن.

يسلط هذا الواقع الضوء على تحدٍ جوهري يتمثل في محدودية الاستقلالية والاستدامة عند الاعتماد المفرط على القطاعين الحكومي أو الخاص، ويدعو إلى البحث عن مصادر تمويل أكثر مرونة واستقلالاً.

ماذا يقول الواقع في المملكة؟

فيما يخص المملكة العربية السعودية، تشير الإحصاءات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 إلى ارتفاع الإنفاق على مؤسسات وبرامج البحث والابتكار بنسبة 30.4% مقارنة بعام 2023، كما يتقاسم القطاعان الحكومي والخاص نسبة التمويل بواقع 40% لكل منهما.

وعلى الرغم من هذا التوجه الإيجابي نحو تنويع مصادر التمويل، يظل دور القطاع غير الربحي في دعم البحث العلمي غير واضح المعالم، في ظل غياب بيانات رسمية منشورة، ما يبرز فجوة معرفية وتمويلية تستدعي المعالجة.

التمويل المحدود أم الفرصة القادمة؟

يشهد القطاع غير الربحي في المملكة نمواً ملحوظاً، حيث تجاوز عدد الكيانات غير الربحية 62 ألف منشأة، وتشكل المنشآت المتخصصة في التعليم والأبحاث نحو 4% من إجمالي هذه الكيانات، كما تجاوزت مساهمة القطاع غير الربحي 100 مليار ريال، أي ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى الرغم من غياب الإحصاءات التفصيلية حول مساهمة هذا القطاع في تمويل البحث والابتكار، تشير البيانات المتاحة إلى أن المؤسسات غير الربحية العاملة في مجالات الصحة والتعليم والأبحاث تستحوذ على الحصة الأكبر من الإيرادات والنفقات مقارنة بغيرها من الكيانات غير الربحية، ما يعكس وجود قاعدة مالية وتنظيمية يمكن البناء عليها.

يخلق هذا الواقع تساؤلاً جوهرياً حول "كيف يمكن للقطاع غير الربحي أن يتحول من داعم محدود إلى ممول رئيسي مستقل يسهم في تعزيز استدامة البحث العلمي واستقلاليته؟"

كيف يمكن تفعيل دور القطاع غير الربحي؟

في ضوء ما سبق، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات العملية التي تسهم في تفعيل دور القطاع غير الربحي في تمويل البحث العلمي:

  1. على المستوى الوطني: تطوير إطار وطني يهدف إلى تنويع مصادر تمويل البحث العلمي وتعزيز المشاركة المجتمعية من خلال تشجيع دعم الأبحاث ذات الأثر التنموي.
  2. على مستوى المراكز البحثية: تشجيع المراكز البحثية على توسيع نطاق التعاونات والجهات التي يمكن التقدم إليها بطلب التمويل والدعم، بحيث تشمل مؤسسات القطاع غير الربحي والأوقاف.
  3. على مستوى القطاع غير الربحي: توجيه جزء من التبرعات والدعم نحو البحث العلمي الأساسي لبناء قاعدة معرفية وطنية كأساس لدفع الحراك البحثي وتجويده.
  4. على مستوى الجهات التمويلية: تشجيع إنشاء صناديق تمويل بحثية مشتركة لجمع الموارد من القطاعات الحكومية، والخاصة، وغير الربحية لتمويل مشاريع كبرى ذات أثر وطني.

نحو منظومة قوية للبحث والتطوير  

تعد النهضة التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم فرصة مواتية لتفعيل دور القطاع غير الربحي في تمويل البحث العلمي، وتمكينه ليكون بمثابة ركيزة أساسية في بناء منظومة بحث وابتكار مستدامة ومستقلة، قادرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، ودعم الأولويات الوطنية، والتواؤم مع مستهدفات العقد الدولي للعلوم لخدمة التنمية المستدامة، بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة وتعزيز التنافسية الوطنية والمنفعة الإنسانية المشتركة.

المحتوى محمي