يشهد العالم في السنوات الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في تطوير الذكاء الاصطناعي، إلى درجة أن هذا المجال لم يعد ينظر إليه بوصفه مشروعاً مستقبلياً أو تجربة تقنية هامشية، بل أصبح عنصراً محورياً في بنية الاقتصاد العالمي. هذا التحول كان واضحاً في النقاشات التي دارت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث قالت سارة فراير، المديرة المالية لشركة أوبن أيه آي، إن الذكاء الاصطناعي بات يناقش جنباً إلى جنب مع قضايا كبرى مثل السياسة والدفاع وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي باعتباره بنية تحتية أساسية لا تقل أهمية عن شبكات الكهرباء أو الاتصالات.
لكن على الرغم من هذا الاعتراف العالمي المتزايد بأهمية الذكاء الاصطناعي، تبرز مفارقة لافتة: القدرات التقنية للذكاء الاصطناعي تطورت بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الشركات على استيعابها وتوظيفها. هذه الفجوة، التي وصفتها فراير بمصطلح "فائض القدرة"، تعكس حالة من عدم التوازن بين ما تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي إنجازه فعلياً اليوم، وبين الاستخدام المحدود والسطحي الذي تعتمد عليه معظم الشركات. فالأدوات جاهزة، والنماذج قادرة على التحليل والتنبؤ واتخاذ القرار، لكن هناك عدة شركات لا تزال تستخدم الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ثانوية، وليس جزءاً متكاملاً من عملية اتخاذ القرار أو التخطيط الاستراتيجي.
اقرأ أيضاً: 15 صفة يختلف فيها الذكاء الاصطناعي عن الذكاء البشري
فائض القدرة هو مشكلة غير مرئية
يشير مفهوم "فائض القدرة" إلى حالة تكون فيها التكنولوجيا أكثر تقدماً من الهياكل التنظيمية والإدارية التي يفترض أن تستفيد منها. فالذكاء الاصطناعي اليوم قادر على تحسين سلاسل التوريد وتحليل الأسواق وأتمتة العمليات، وحتى دعم القرارات الإدارية العليا. ومع ذلك، تكتفي عدة شركات بتجارب محدودة أو مشاريع تجريبية لا تصل إلى مرحلة الدمج الكامل في صميم العمل. يعود ذلك إلى أسباب متعددة، من بينها نقص الكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع هذه التقنيات، والخوف من المخاطر التنظيمية والأخلاقية، إضافة إلى مقاومة التغيير في الهياكل الإدارية التقليدية.
هذا الواقع يؤكد أن التحدي الحقيقي لم يعد تقنياً بحتاً، بل أصبح تحدياً ثقافياً وتنظيمياً. فالتحول إلى اقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي يتطلب إعادة تعريف للأدوار الوظيفية وتحديثاً لآليات اتخاذ القرار واستثماراً طويل الأمد في تدريب الموظفين. دون ذلك، سيبقى الذكاء الاصطناعي قوة كامنة غير مستغلة بالشكل الأمثل.
اقرأ أيضاً: أفضل الكتب العربية في مجال الذكاء الاصطناعي للمبتدئين
نموذج أوبن أيه آي
تعكس التطورات الأخيرة داخل شركة أوبن أيه آي هذا التحول المتسارع في مكانة الذكاء الاصطناعي على المستوى الاقتصادي. فنمو الشركة يعكس الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي. هذا النمو السريع دفع الشركة إلى تعزيز بنيتها المالية والإدارية، من خلال تعيين قيادات مالية ذات خبرة طويلة في الأسواق العالمية.
إن توسعة الفريق المالي في أوبن أيه آي ليست مجرد خطوة إدارية، بل مؤشراً واضحاً على أن الشركة تستعد لمرحلة أكثر تعقيداً وتتطلب انضباطاً مالياً عالياً وتخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى، وربما طرحاً عاماً للأسهم في المستقبل. وهذا يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجالاً تقنياً محضاً، بل صناعة متكاملة ذات أبعاد مالية واستثمارية وتنظيمية عميقة.
اقرأ أيضاً: أهم 5 مخاطر ومسائل أخلاقية مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي
هل الشركات مستعدة حقاً؟
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى السؤال الجوهري: هل الشركات حول العالم مستعدة فعلياً لهذا التحول؟ الإجابة في معظم الحالات، لا؛ فالكثير من الشركات لا تزال تفتقر إلى رؤية واضحة لكيفية دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، كما أن الاعتماد المفرط على استبدال الوظائف المبتدئة بالأنظمة الذكية بهدف خفض التكاليف وزيادة الأرباح على المدى القصير قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، من خلال استنزاف المواهب البشرية وخلق فجوة في الخبرات المستقبلية.
الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا ينظر إليه بديلاً كاملاً للعنصر البشري، بل أداة داعمة تعزز الإنتاجية وتفتح المجال أمام أدوار جديدة أكثر تعقيداً وإبداعاً. الشركات التي تفشل في تحقيق هذا التوازن قد تجد نفسها بعد سنوات أمام نقص حاد في الكفاءات القادرة على الابتكار.
اقرأ أيضاً: أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات
التغيير الاستراتيجي في عالم الأعمال
ما تجريه شركات كبرى من إعادة توجيه استثماراتها وإغلاق مشاريع لم تحقق العائد المتوقع يعكس واقعاً أوسع في عالم الأعمال؛ التكيف مع المتغيرات التكنولوجية لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية. فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سلاسل القيمة ويغير طبيعة المنافسة ويفرض على الشركات إعادة النظر في نماذج أعمالها باستمرار.
في المحصلة، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي جاهز بالفعل لقيادة المرحلة المقبلة من التطور الاقتصادي، لكن الجاهزية الحقيقية يجب أن تبدأ من داخل الشركات نفسها. الاستعداد لهذا التغيير لا يقتصر على تبني التكنولوجيا، بل يشمل بناء ثقافة تنظيمية مرنة وتطوير رأس المال البشري ووضع أطر أخلاقية وتنظيمية واضحة. فقط عند تحقيق هذا التكامل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من قدرة فائضة إلى محرك فعلي للنمو المستدام والابتكار طويل الأمد.