شهد قطاع التكنولوجيا الحيوية تحولاً جذرياً؛ إذ لم يعد الاهتمام منصباً فقط على تفسير مفاهيم الحياة، بل انتقل إلى هندسة مكوناتها وتطويع النظم الحيوية كأدوات قابلة للتصنيع. هذا التحول يعيد رسم موازين القوى في مجالات الاقتصاد، والأمن القومي، والصحة العالمية.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن سوق التكنولوجيا الحيوية العالمي يتجه نحو نمو غير مسبوق. ووفقاً لتقرير بريسيدنس ريسيرش، من المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 6.34 تريليون دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 13.6%، ما يكرس التكنولوجيا الحيوية كقوة اقتصادية حديثة.
وبالتالي، فإن التفوق في هذا المجال لا يعتمد على التمويل فحسب، بل على هندسة "بيئة ابتكار" متكاملة تتواءم مع الاحتياجات الوطنية. على سبيل المثال، يرتكز النموذج الأميركي في بوسطن على ترابط استراتيجي بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي؛ فمن خلال الدعم الحكومي والبحث الأساسي في جامعة هارفارد، نجحت شركة موديرنا في تحويل تقنية الحمض النووي الريبوزي (mRNA) إلى لقاح عالمي في وقت قياسي. فيما تركز سنغافورة على التخصص عالي القيمة، إذ تهدف مبادرة بريسيس إلى تحليل البيانات الجينية لـ 100 ألف مواطن، ما خلق بيئة جاذبة لكبرى شركات الأدوية مثل جي إس كيه لإنشاء مراكز تطوير إقليمية هناك. أما بريطانيا، فقد استثمرت في الأصول الوطنية المشتركة عبر نموذج المثلث الذهبي، معتمدة على البنك الحيوي البريطاني كمنصة بيانات وطنية موحدة؛ ما مكن العقول البحثية من تحقيق اختراقات علمية كبرى وجذب استثمارات عالمية.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن المعطيات تؤكد أن الملاءة المالية وحدها لا تصنع الفارق، بل التكامل والتزامن هما محرك التطور الحقيقي.
استثمار المزايا السيادية نحو منظومة سعودية متكاملة
تمثل الملاءة والقوة المالية، والاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وامتلاك المواهب والكوادر الشابة المؤهلة، والأصول الجينية الفريدة للمجتمع السعودي مقومات أساسية لتميز المملكة في مجال الحلول التقنية المتقدمة، وذلك بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا الحيوية التي تسعى لترسيخ مكانة المملكة مركزاً عالمياً للابتكار، ليس فقط عبر توفير البنية التحتية المتطورة، بل عبر صياغة الأطر التشريعية التي تجعل من المملكة الوجهة الأكثر جاذبية للعقول المبدعة والاستثمارات العالمية النوعية.
لكن هذه المقومات لا تكفي، فهناك حاجة ملحة لتصميم نموذج تشغيلي يرتكز على معطيات الوضع الراهن، ويمتلك المرونة الهيكلية للتطور نحو منظومة مستدامة. إن الغاية لا تقتصر على المحاكاة الشكلية للنماذج التنظيمية القائمة عالمياً، بل تمتد إلى توطين الفكر الاستراتيجي الذي بنيت عليه تلك النماذج، ومن ثم إعادة صياغته ضمن سياق وطني يعالج الفجوات الهيكلية ويتواءم مع الأولويات الصحية الوطنية.
تشخيص الفجوات
وهنا، تبرز مجموعة من الفجوات التي تمثل فرصاً استراتيجية للتطوير، إذ سيمكن معالجتها من تسريع وتيرة الابتكار وتعظيم العائد على الأصول الوطنية:
- استمرار عمل الجهات الأكاديمية والصناعية والحكومية بمعزل عن بعضها، ما يؤدي إلى تكرار المشاريع والحد من كفاءة الإنفاق والاستفادة القصوى من الموارد، ويحصر الشراكات في إطار "تعاقد عابر" يفتقر إلى الأثر التحولي الجوهري.
- اتباع التوجهات العالمية العامة عوضاً عن التركيز على المستهدفات الوطنية ومعالجة الخصائص الجينية للمجتمع السعودي، مثل الاضطرابات الأيضية الشائعة والأمراض الوراثية النادرة.
- على الرغم من توفر بنية تحتية متطورة مثل البنوك الحيوية، فإنها تظل أصولاً مجزأة بحاجة إلى مزيد من الحوكمة وأطر الوصول المفتوح والمعايير الدولية لمشاركة البيانات.
- غياب المزامنة بين الجهات التشريعية والتمويلية، ما يخلق فجوات إجرائية تبطئ وتيرة النمو وتؤثر سلبياً في جاذبية البيئة الاستثمارية أمام المستثمر المحلي والدولي.
- التوجه نحو النتائج سريعة العائد، ما يضعف الاستثمار في الأبحاث الأساسية ورأس المال الصبور وهو أحد أشكال الاستثمار طويل الأجل الذي يمنح الأولوية للأثر المستدام على حساب تحقيق المكاسب السريعة.
- ضعف دور القطاع غير الربحي في تحفيز الأبحاث عالية المخاطر، والجمع بين مختلف القطاعات.
- الحاجة إلى أطر رسمية لاتخاذ القرار الجماعي، بما يرسخ مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه نجاح المنظومة الوطنية للتكنولوجيا الحيوية.
إن هذه الفجوات لا تعمل على نحو منفصل، بل تشكل عائقاً نظامياً متشابكاً؛ فالحوكمة المجزأة تفرز تعاوناً هشاً، وتشتت الأهداف يبدد قيمة الأصول الوطنية، بينما تؤدي الحوافز غير المتناغمة إلى إضعاف الثقة اللازمة لريادة الابتكار المشترك وتطوير المنظومة للتكنولوجيا الحيوية.
إطار التمكين: ثلاث ركائز للمستقبل
يتطلب سد هذه الفجوات البنيوية اعتماد نموذج تشغيلي موحد تقوده سلطة استراتيجية مركزية تتولى رسم الأولويات الوطنية، وتوجيه الاستثمارات النوعية، والإشراف على الأصول الوطنية. وتمثل هذه السلطة محركاً رئيسياً لأجندة التكنولوجيا الحيوية عبر وظيفتين محوريتين: تنسيق تشغيلي يعمل "كمركز عصبي" للتنفيذ، ولجنة توجيهية توحد السياسات وحوكمة البيانات والملكية الفكرية ومسارات المواهب وغيرها بما يواكب تطور المنظومة الحيوية ككل.
ويجري التنفيذ عبر شبكة فعالة من التعاون والشراكات ضمن مجالات محددة مثل البحث العلمي والبنية التحتية والبيانات الضخمة، كما يراعي الإطار التنظيمي ضمان الاستخدام المشترك للأصول الوطنية، ومزامنة الأولويات، ومعالجة العوائق الإجرائية بكفاءة عالية، ما يحول التعاون من مجرد خيار إلى ممارسة مؤسسية متجذرة. تدل هذه البنية على فلسفة حوكمة مرنة تتناسب مع سرعة قطاع التكنولوجيا الحيوية وتعقيده؛ فهي تتيح تطور السياسات والآليات مع تقدم العلوم، والحفاظ على وضوح المساءلة والتماسك الاستراتيجي.
وتستند هذه البنية على ثلاث ركائز استراتيجية تهدف إلى تحويل الطموحات الوطنية إلى واقع ملموس:
الركيزة الأولى: التكامل المنظومي وبناء شراكات وطنية فعالة
لا يتحقق النجاح في المنظومات الحيوية العالمية عبر العمل الفردي، بل من خلال التكامل البنيوي؛ فالريادة الحقيقية تتبلور حين تتضافر جهود الجهات الأكاديمية، والصناعية، والحكومية، والقطاع غير الربحي في إطار ابتكاري موحد. ولذلك، وضع التعاون في صميم الاستراتيجية بوصفه ركيزة تصميمية أساسية، لا ميزة ثانوية.
ويأتي على رأس هذه الجهود تأسيس التحالف الوطني للتكنولوجيا الحيوية، الذي لا يمثل إطاراً تنسيقياً فحسب، بل كياناً تشغيلياً محاسباً عن تنفيذ المبادرات المشتركة تحت إشراف السلطة الاستراتيجية لضمان كفاءة الأداء وتحقيق النتائج. ويهدف هذا التحالف إلى توحيد الجهود وتفكيك العزلة المؤسسية، وتعزيز الثقة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للمرافق المركزية والمعدات المتخصصة عبر تنسيق المبادرات الوطنية الكبرى والإشراف على الأصول المشتركة.
ويتوازى مع ذلك ضرورة الحوكمة الشفافة للأصول الوطنية المشتركة، حيث توحد إدارة البنى التحتية الحيوية مثل البيانات الضخمة والبنوك الحيوية تحت سياسات واضحة لمشاركة البيانات والملكية الفكرية والمعايير الأخلاقية، ما يمنع التكرار والتجزئة ويضمن الوصول العادل الذي يحمي الخصوصية ويتكيف مع الفرص الناشئة. ولتجاوز محدودية التمويل المنعزل، يجب تطوير نماذج تمويل عابرة للقطاعات وآليات مبتكرة تجمع بين الموارد الحكومية ورأس المال الخاص والمساهمات الخيرية؛ حيث تهدف هذه التمويلات المختلطة إلى تقليل مخاطر الأبحاث في مراحلها الأولى وتحفيز الابتكارات الجريئة ذات الأثر العالي.
الركيزة الثانية: تركيز الابتكار على الاحتياجات الصحية للمجتمع السعودي
تضمن هذه الركيزة توجيه جهود الابتكار نحو الاحتياجات الصحية الفريدة للمجتمع السعودي، محولة التحديات المحلية إلى فرص ريادة عالمية، ولا سيما في مجالات الطب الدقيق (الشخصي) والصحة العامة. ولتحقيق ذلك، يرتكز العمل على تحويل البيانات الوطنية إلى أصل استراتيجي عبر دمج البيانات الجينية والبيئية والسريرية ضمن منصات وطنية موحدة ذات حوكمة واضحة. إن هذا الربط ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو الوسيلة لتمكين البنوك الحيوية من التحول من "مستودعات للعينات" إلى "محركات للاكتشاف"، ما يسمح بفهم دقيق لمظاهر الأمراض وتطوير علاجات متخصصة تعزز ريادة المملكة في هذا القطاع.
وفي خطوة تالية، تركز الموارد الوطنية نحو القطاعات الصحية ذات الأثر الاستراتيجي كالأمراض غير السارية مثل السكري، وأمراض الكلى والأوعية الدموية، وذلك بهدف تحويل هذه التحديات إلى منطلقات لبناء مراكز تميز عالمية؛ حيث يتيح هذا التخصص النوعي تسريع نقل التقنية من المختبرات إلى التطبيق السريري.
وهنا، يمكن الاستفادة من نماذج عالمية ناجحة في حشد الجهود لحل المشكلات المعقدة باستخدام حلول ابتكارية مثل وكالة البحث والتطوير "داربا" التي كان لها الفضل في ابتكار تقنيات غيرت وجه العالم مثل شبكة الإنترنت، ونظام تحديد المواقع (جي بي إس)، وتكمن قوة هذا النموذج في عدم اعتماده على تمويل الأبحاث التقليدية فقط، بل تحديد تحديات كبرى تبدو مستحيلة الحل، ثم إطلاق مهمات موجهة تجمع أفضل العقول لتفكيك هذه المعضلات.
ولتسريع الاكتشاف في المجالات الصحية ذات الأولوية للمملكة، تقترح الخطة برامج وطنية للتحديات تعتمد على الجوائز والمهمات الموجهة لحشد الجهات الأكاديمية والشركات الناشئة والمؤسسات الصناعية وغير الربحية حول مستهدفات وطنية محددة مع التركيز على بناء الجيل القادم من العلماء السعوديين وتطويرهم.
يأتي بعد ذلك مهمة الربط بين الاكتشاف والنمو الاقتصادي عبر مواءمة البحث العلمي مع الصناعات الدوائية والتصنيع الحيوي والتوطين، ما يجذب شركات التكنولوجيا الحيوية ويخلق دورة مبتكرة لتنويع الاقتصاد وتحسين المخرجات الصحية.
الركيزة الثالثة: الاستدامة الهيكلية عبر نماذج الاستثمار المستدام والحوكمة المرنة
تتطلب الاكتشافات الكبرى في التكنولوجيا الحيوية "نفساً طويلاً" يتجاوز الحسابات المالية السريعة. لذا، تركز هذه الركيزة على ثلاث مسارات أساسية وهي: تأمين تمويل مستدام (رأس المال الصبور) عبر إنشاء أوقاف تخصصية ومؤسسات خيرية تدعم الأبحاث عالية المخاطر، إذ يحرر هذا التمويل العلماء من ضغوط الدورات المالية القصيرة ويمنحهم الاستقرار اللازم لتحقيق اختراقات علمية كبرى لا تستطيع الأسواق التقليدية تحمل مخاطرها.
والمسار الثاني هو الكفاءة التشغيلية والمزامنة التنظيمية، حيث يجب تبسيط المسار الإجرائي من المختبر إلى السوق. وذلك عبر توحيد الجهود بين الجهات التنظيمية والتمويلية لضمان سرعة اعتماد الابتكارات دون المساس بالسلامة، ما يعزز جاذبية المملكة للمستثمرين العالميين.
أما المسار الثالث فيتمثل في الحوكمة التكيفية والمرونة الثقافية وتبني المملكة سياسات مرنة تستجيب للتقنيات الناشئة فور ظهورها، مع ترسيخ ثقافة مؤسسية تؤمن بأن التجريب والتعلم المستمر هو جوهر النجاح.
لم يعد مستقبل التكنولوجيا الحيوية في المملكة العربية السعودية مجرد أفق بعيد، بل أصبح واقعاً في متناول اليد. فالإجراءات التي نتخذها اليوم ستتردد أصداؤها عبر الأجيال، لتشكل مملكة أكثر صحة، قائمة على المعرفة، تتصدر عالمياً بعقل وقلب ورؤية.