كيف يقيس الذكاء الاصطناعي ما لا تراه الإدارة في أداء الموظفين؟

6 دقيقة
كيف يقيس الذكاء الاصطناعي ما لا تراه الإدارة في أداء الموظفين؟
حقوق الصورة: envato.com/ iLixe48

في عالم يتسارع فيه إيقاع الأعمال، لم يعد نظام تقييم الأداء السنوي التقليدي مجرد وسيلة قديمة، بل أصبح عائقاً حقيقياً يستنزف مئات الساعات من المدراء، ويدفع بنحو 37% من الكفاءات للرحيل بسبب غياب الموضوعية، وهنا تبرز "التغذية الراجعة الذكية" كضرورة استراتيجية تعيد صياغة الع…

أشارت دراسة لشركة ماكنزي نشرتها عام 2024 إلى أن أنظمة تقييم أداء الموظفين القديمة قد وصلت إلى نقطة الإنهيار، إذ غالباً ما تخفق في تلبية احتياجات كل من القادة والمرؤوسين، حيث اعترف نحو 90% من قادة الموارد البشرية بأن التقييمات السنوية التي تتبعها الأنظمة الحالية التقليدية نادراً ما تعكس المساهمات الفعلية للموظفين.

ويمكن قياس خطورة هذه الأنظمة التقليدية استناداً إلى دراسة حديثة وجدت أن نحو 37% من الموظفين سعوا بشكل جاد في البحث عن وظائف جديدة كنتيجة مباشرة لنتائج التقييم التي قدمتها هذه الأنظمة القديمة.

علاوة على ذلك، يعد العبء الإداري هائلاً، حيث يقضي المدراء نحو 210 ساعات سنوياً في إعداد تقارير الأداء السنوية لفرقهم، ولكن بحلول وقت إجراء التقييمات السنوية قد لا تكون الملاحظات ذات صلة بالتحديات والفرص الحالية.

ومع تسارع دورات الأعمال ونمو أساليب العمل الهجين والعمل عن بعد، نجد أن النموذج الحالي قد وصل إلى مرحلة التقادم، بينما في المقابل ظهر نموذج جديد يعرف باسم "إدارة الأداء 2.0" ليس بديلاً عن حكمك الشخصي بل مرآة ذكية تظهر لك ما ينقصك في عملية التقييم بكفاءة ومنهجية قائمة على البيانات.

لماذا يعد التحيز البشري في عمليات تقييم الآداء أمراً لا مفر منه وطبيعياً؟

قبل الحديث عن الحلول علينا أن نكون صادقين بشأن معضلة التقييم نفسها، فالبشر ليسوا مهيئين بطبيعتهم للتقييم الموضوعي، إذ إن أدمغتنا فعالة، لكن هذه الكفاءة لها ثمن: فالتحيزات البشرية المتأصلة في النفس البشرية تؤثر بصورة مباشرة في الحكم الموضوعي والمهني على المرؤوسين.

حيث تظهر الأبحاث أن نحو 60% من المدراء يقرون بتأثر أحكامهم المهنية بميول شخصية لا إرادية تؤدي إلى نتائج غير دقيقة وتفتقر للعدالة. على سبيل المثال، يمكن أن يدفعك تحيز الحداثة إلى تقدير أداء الموظف بناءً على أدائه الأخير فقط بدلاً من أدائه طوال العام.

بينما قد يجعلك تأثير الهالة تقدم تقييمات مبالغاً فيها للموظف في مجالات غير مرتبطة تماماً بأدائه، بالإضافة إلى تحيز الألفة الذي قد يقودك إلى تفضيل الموظفين الذين يشاركونك خصائصك الشخصية أو اهتماماتك دون وعي، وتحيز التأكيد الذي قد يجعلك تبحث عن أدلة تؤكد انطباعك الأول عن الموظف بدلاً من التشكيك فيه، وأخيراً تحيز التوفر الذي يجعلك تقيم أداء الموظف على الأداء الحالي بدلاً من المساهمات المتسقة وطويلة الأمد التي أجراها.

هذه التحيزات كلها ليست عيوباً شخصية، بل هي طبيعة بشرية منتشرة بكثرة في منهجيات إدارة الأداء وتقييمها، وتتفاقم المشكلة في الفرق العالمية والهجينة متعددة الثقافات، فعندما يعمل المدراء عبر مناطق زمنية مختلفة أو لا يرون أعضاء فرقهم وجهاً لوجه، أو ينتمون إلى خلفيات ثقافية مختلفة، قد يتضاعف خطر سوء فهم النوايا والجهود والتأثير.

وفي المنطقة العربية حيث نجد العديد من المؤسسات والشركات العائلية، قد تضيف الديناميكيات الثقافية بعداً آخر، إذ قد تثني التسلسلات الهرمية الموظفين الجدد عن الدفاع عن أنفسهم، وقد تدفع قيم حفظ ماء الوجه الأفراد إلى تجنب المواجهة، وقد تعتبر العلاقات غير الرسمية أكثر أهمية من البيانات.

هذا كله يعني أن التقييمات السنوية التقليدية تبدو غير متوافقة جوهرياً مع إيقاع العمل السريع اليوم، وأمام هذه التحديات يبرز مفهوم التقييم الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي كضرورة مهنية لتحويل العملية من حدث سنوي جامد إلى حوار لحظي مستمر يرتكز على توصيات قائمة على البيانات لمعالجة تراجع الأداء وتصحيح المسار فوراً، وضمان التمييز الدقيق بين الإخفاقات العارضة والقصور الحقيقي للموظف بطريقة موضوعية ومجردة.

اقرأ أيضاً: كيف تعزز أداء فريقك باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

التقييم الذكي: المستويات الثلاثة الرئيسية لتقييم أداء الفرق والأفراد

عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتقييم أداء فرق العمل والأفراد ينبغي أولاً تحديد ما تقيسه من خلال 3 مستويات رئيسية هي:

  1. المؤشرات الكمية (الأرقام): بيانات إحصائية مباشرة (المشاريع المنجزة وسرعة التنفيذ) تمتاز بوضوحها وقابليتها للمقارنة والقياس الدقيق.
  2. المؤشرات السلوكية (الأفعال): سلوكيات ملاحظة تتنبأ بالنجاح، مثل روح المساعدة والاستجابة للملاحظات، وعلى الرغم من صعوبة قياسها فإنها المعيار الأهم لتقييم صحة الفريق ونموه المستقبلي.
  3. التقييم النوعي (السياق): آراء الزملاء والمدراء التي تكتسب قيمتها من "التكرار"، فظهور نمط معين في الملاحظات يحولها إلى معلومة موضوعية، بينما تظل الملحوظة الفردية مجرد انطباع شخصي.

عند دمج هذه المستويات الثلاثة، تنتقل من: "ما هو شعوري تجاه هذا الموظف؟" إلى: "ماذا تظهر الأدلة والبيانات عن أداء الموظف؟".

اقرأ أيضاً: كيف تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في خلق بيئة محفزة للموظفين؟

من التدقيق إلى التطبيق: استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم أداء فريقك بموضوعية

لا يهدف الذكاء الاصطناعي لإقصاء العنصر البشري، بل لتحويل التقييم من حدس شخصي إلى رؤية موضوعية عبر خطوات منظمة من ضمنها:

1. جرد الواقع: التدقيق قبل التغيير

البداية ليست بشراء الأدوات بل بفهم دورة حياة البيانات الحالية. اطرح الأسئلة الجوهرية: كيف نجمع بياناتنا؟ وأين تحفظ؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ والأهم: هل تدرك المؤسسة أن الاستثمار في هذه الأدوات من شأنه أن يقلل نسبة استقالة الكفاءات الناتجة عن التقييم غير العادل ومعالجة دوران الموظفين بشكل استباقي؟

2. هندسة التكامل: اختيار الأدوات المناسبة

لست بحاجة إلى منصة معقدة، بدلاً من ذلك حدد مصادر جمع بيانات الأداء لديك ثم أضف إليها الذكاء الاصطناعي:

  • بالنسبة للفرق التي تستخدم سلاك أو مايكروسوفت تيمز، يمكن لأدوات مثل بيتر ووركس Betterworks الاستماع إلى القنوات وتحليل أنماط التواصل وجمع ملاحظات الموظفين مباشرة في بيئة العمل اليومية.
  • بالنسبة لفرق تطوير المنتجات أو فرق الهندسة التي تستخدم أداة مثل جيرا Jira، يمكن استيراد البيانات إلى لوحات معلومات الأداء، وبالتكامل مع سلاك تتضح الصورة الكاملة لمخرجات العمل وتفاعل الفريق في مكان واحد.
  • بالنسبة لفرق المبيعات التي تستخدم أنظمة إدارة علاقات العملاء، يمكن ربط تقدم مسار المبيعات وتعليقات العملاء بملاحظات المدراء وآراء الزملاء، لكشف أنماط لا يمكن رصدها بالاعتماد على الحدس فقط.
  • بالنسبة للشركات ذات الميزانيات المحدودة، يمكن لأدوات مثل سمول إمبروفمنتس Small Improvements أو حتى نماذج جوجل البدء بجمع تعليقات منظمة بتكلفة منخفضة.

3. ميثاق الثقة: الشفافية والعدالة

الذكاء الاصطناعي بلا أخلاقيات هو مجرد أداة انحياز، لذا ينبغي أن يعرف الموظف بوضوح: ما هي البيانات التي تراقب؟ وكيف ستؤثر في مستقبله المهني؟ مع التأكيد على الالتزام بمعايير خصوصية البيانات العالمية، فالثقة تبدأ من شعور الموظف بأن بياناته تعالج تقنياً لتطويره لا للتجسس عليه.

4. الإنسانية كحكم أخير: من البيانات إلى الحوار

تظل الأرقام صماء ما لم يمنحها المدير سياقاً بشرياً، فإذا أظهر النظام أن إنتاجية موظف ما زادت بنسبة 15% فهذه معلومة، أما الرؤية فتكمن في فهم "لماذا" حدث ذلك، إذ إن الأثر الحقيقي للمدراء يكمن في تحويل ملاحظات الآلة إلى لغة سلوكية محفزة، فبدلاً من إلقاء الأحكام العامة يستخدم البيانات لدعم الموظف وتوجيهه نحو التعاون المثمر.

اقرأ أيضاً: مشرح الذكاء الاصطناعي: وظيفة مستقبلية لفهم ما وراء القرار الخوارزمي

النظام البيئي للبرمجيات: أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم أداء فرق العمل

يتطلب تطبيق التقييم الذكي اختيار النظام البيئي البرمجي المناسب، ويوجد حالياً نوعان من الأنظمة؛ أنظمة معلومات شاملة للموارد البشرية ومنصات متخصصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتتكامل مع سير العمل الحالي.

1- لا تيس Lattice: المعيار المؤسسي للتغذية الراجعة المتكاملة

منصة موحدة لبيانات الأداء والمشاركة والتطوير تتميز برؤاها التنبؤية لتحليل نتائج الاستبيانات تلقائياً، وتتبع الأهداف بالإضافة إلى ميزة "التحقق من التحيز" لكشف أنماط التمييز المحتملة في تقييمات الأداء وتكاملها السلس مع منصات التواصل والتعاون.

2- إيفي أيه آي Effy AI: متخصص التغذية الراجعة الشاملة

تتفوق المنصة في تحليل التعليقات النصية المفتوحة وإخفاء هوية الردود، لتشجيع تقديم ملاحظات صادقة وبناءة، بالإضافة إلى القدرة على توفير رؤى سريعة قائمة على البيانات، ما يجعلها خياراً مناسباً للشركات الناشئة ومدراء الفرق الصغيرة التي تعطي الأولوية للسرعة.

3- 15 فايف 15Five: منصة التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي

تركز بشكل كبير على تدريب المدراء، وتتبع مؤشرات الأداء الرئيسية وتوفير إرشادات مدعومة بالذكاء الاصطناعي للمدراء وتقديم نصائح فورية حول كيفية تقدير الإنجازات وتدريب تفاعلي لتطوير المهارات الشخصية.

اقرأ أيضاً: كيف يستخدم القادة الذكاء الاصطناعي لتوقع المخاطر وتحسين الأداء؟

كيف تتجنب التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الموظفين وفرق العمل؟

لا يخلو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تقييم الموظفين وفرق العمل من المخاطر والتحديات الاخلاقية والثقافية، أبرزها:

المخاطرة الأولى: الاعتماد المفرط على الأرقام

إذا اختزلنا قيمة أي شخص في مقاييسه الكمية، فإننا نغفل ما يجعله ذا قيمة حقيقية للفريق أو للشركة على حد سواء. على سبيل المثال:،قد يحقق موظف أرقاماً قياسية في تحقيق الأهداف، لكنه قد يكون غير مبالٍ عاطفياً، بينما قد يستغرق موظف آخر وقتاً أطول لإنجاز المهام لكنه داعم مهنياً لزملائه الجدد ويعزز ثقافة الفريق.

  • الحل: لا تجعل الرقم الكلمة الأخيرة، بل ادمج المقاييس الكمية بالتقييم النوعي واسأل دائماً عن: "لماذا" خلف النتيجة قبل إطلاق الحكم.

المخاطرة الثانية: وراثة التحيز

إذا درب نظام الذكاء الاصطناعي على بيانات تاريخية تحمل تحيزاً ضد فئة معينة، فسيعيد النظام تدوير هذا الظلم وتضخيمه ما لم يصحح بشكل صريح.

  • الحل: مراجعة دورية لبيانات التدريب واختبار النظام عبر فئات ديموغرافية متنوعة لضمان العدالة مع إشراك آراء متعددة في التقييم لكسر احتكار النظرة الواحدة.

المخاطرة الثالثة: أزمة الثقة

الشعور بالرقابة اللصيقة يقتل الإبداع ويخلق ثقافة "الخوف من عقوبة المجتهد"، إذ إن الموظف الذي يشعر بأنه تحت المجهر دائماً سيفقد حماسه ويتحول لآلة.

  • الحل: اشرح للموظفين ما يقاس وكيف يقاس وامنحهم حق الرد أو إضافة السياق لتقييماتهم، ليتحول النظام من أداة مراقبة إلى شريك تطوير.

المخاطرة الرابعة: عدم التوافق الثقافي

في الشركات العائلية في بيئاتنا العربية، قد ينظر للنظام كتهديد للروابط الإنسانية أو وسيلة باردة للإدارة.

  • الحل: صياغة النظام كأداة لتحقيق النزاهة ومحاربة المحسوبية، والتأكيد على أنه وسيلة تضمن حق المجتهد، بغض النظر عن صلة القرابة، مع الحفاظ على قيم الاحترام والسرية.

اقرأ أيضاً: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكان مدير الموارد البشرية؟

اختبار الثلاثين يوماً: هل هذا مناسب لفريقك؟

تشترك المؤسسات الناجحة التي تستخدم أنظمة التقييم الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في سمة مشتركة: فهي تتعامل مع الأداة كنقطة انطلاق للحوار لا كحكم نهائي، وتجعل عملياتها شفافة وتجري تدقيقاً دورياً للكشف عن أي تحيز، وتستمع عندما يقول الموظفون: "هذا ليس عدلاً" وتتخذ الإجراءات اللازمة.

لذا خلال الثلاثين يوماً القادمة، استخدم أداة واحدة وراقب وضعك الحالي، واجمع الملاحظات وحللها وقيمها واستنتج ما تعلمته، ثم قرر: إن نجحت الأداة عززها وإن لم تنجح جرب شيئاً مختلفاً آخر، ولكن على الأقل ستعرف ذلك بناءً على أدلة لا على حدسك.

لأن البديل المتمثل في ذاكرتك المحدودة وإدراكك المتقلب وتحيزاتك اللاواعية، قد يكون غير فعال وغير مستدام، وأفراد فريقك يستحقون أفضل من مجرد تخمينك.

المحتوى محمي