كيف يخطط الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات العلمية؟

11 دقيقة
كيف يخطط الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات العلمية؟
صورة توضيحية لسارة روجرز/إم آي تي تي آر | غيتي إميدجيز

تتجه نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى أداء دور مباشر في تسريع البحث العلمي، لا عبر استبدال العلماء، بل من خلال توسيع قدراتهم على التفكير، وربط المعرفة، واستكشاف حلول كانت بعيدة المنال:

  • أطلقت أوبن أيه آي فريقاً متخصصاً بالعلوم لدعم إنتاجية الباحثين باستخدام نماذج لغوي…

في السنوات الثلاث التي تلت الظهور المذهل لتشات جي بي تي أول مرة، أحدثت تكنولوجيا شركة أوبن أيه آي تغييراً جذرياً في مجموعة ملحوظة من الأنشطة اليومية في المنزل والعمل والمدارس، في أي مكان يستخدم فيه الناس متصفحاً أو هواتف محمولة، وهو ما يحدث في كل مكان.

واليوم، تركز أوبن أيه آي جهودها على خدمة العلماء. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلنت الشركة عن إطلاق فريق جديد بالكامل، يدعى "أوبن أيه آي للعلوم" ( OpenAI for Science)، مكرساً لاستكشاف كيفية إسهام نماذجها اللغوية الكبيرة في دعم العلماء وتطوير أدواتها بما يناسب احتياجاتهم.

وقد شهد الشهران الماضيان عدداً كبيراً من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمنشورات الأكاديمية التي وصف فيها علماء الرياضيات والفيزيائيون وعلماء الأحياء وغيرهم كيف ساعدتهم نماذج اللغة الكبيرة (وتشات جي بي تي 5 على وجه الخصوص) على التوصل إلى اكتشافات أو توجيههم نحو حلول ربما فاتتهم لولاها. وقد كان أحد أسباب إنشاء فريق أوبن أيه آي للعلوم هو التفاعل مع هذه الفئة من العلماء.

ومع ذلك، فإن أوبن أيه آي متأخرة أيضاً في هذا المجال. فقد كان لدى جوجل ديب مايند، الشركة المنافسة التي تقف وراء النماذج العلمية الرائدة مثل ألفا فولد (AlphaFold) وألفا إيفولف (AlphaEvolve)، فريق ذكاء اصطناعي للعلوم منذ سنوات. (عندما تحدثت إلى الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة جوجل ديب مايند، ديميس هاسابيس، في عام 2023 عن هذا الفريق، قال لي: "هذا هو السبب الذي دفعني لتأسيس ديب مايند. في الواقع، هذا هو السبب الذي جعلني أعمل طوال حياتي المهنية في مجال الذكاء الاصطناعي").

فلماذا الآن؟ كيف يتناسب الاندفاع نحو العلوم مع مهمة أوبن أيه آي الأوسع نطاقاً؟ وما الذي تأمل الشركة في تحقيقه بالضبط؟

طرحت هذه الأسئلة على نائب رئيس أوبن أيه آي، كيفن ويل، الذي يقود فريقها الجديد للعلوم، في مقابلة حصرية.

اقرأ أيضاً: ألفا فولد بعد 5 سنوات: كيف يغير الذكاء الاصطناعي دراسة البروتينات؟

حول المهمة

ويل خبير في مجال المنتجات، فقد انضم إلى أوبن أيه آي منذ عامين ليشغل منصب الرئيس التنفيذي للمنتجات بعد أن شغل منصب رئيس قسم المنتجات في كل من شركتي تويتر وإنستغرام. لكنه بدأ حياته عالماً. فقد قطع ثلثي الطريق للحصول على درجة الدكتوراة في في فيزياء الجسيمات في جامعة ستانفورد قبل أن يتخلى عن المجال الأكاديمي من أجل حلم وادي السيليكون. يحرص ويل على إبراز خلفيته الأكاديمية، إذ يقول: "ظننت أنني سأكون أستاذاً للفيزياء بقية حياتي، ما زلت أقرأ كتب الرياضيات في الإجازات".

ورداً على سؤال حول مدى توافق فريق أوبن أيه آي للعلوم مع مجموعة الشركة الحالية من أدوات الإنتاجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي أو تطبيق الفيديو الشهير "سورا"، ردد ويل شعار الشركة: "مهمة أوبن أيه آي هي محاولة بناء ذكاء اصطناعي عام، وجعله مفيداً للبشرية جمعاء".

ويقول إن تأثير الإصدارات المستقبلية من هذه التكنولوجيا على العلوم قد يكون مذهلاً: أدوية جديدة، ومواد جديدة، وأجهزة جديدة. ويضيف: "تخيل كيف ستساعدنا على فهم طبيعة الواقع، وتساعدنا على التفكير في المسائل التي لم يجد لها الباحثون حلولاً بعد. ربما سيكون التأثير الأكبر والأكثر إيجابية الذي سنشهده من الذكاء الاصطناعي العام هو قدرته على تسريع وتيرة البحث العلمي".

ويضيف: "مع تشات جي بي تي 5، رأينا أن ذلك أصبح ممكناً".

وكما يقول ويل، فإن النماذج اللغوية الكبيرة الآن جيدة بما فيه الكفاية لتكون مساعدات علمية مفيدة، حيث يمكنها طرح الأفكار واقتراح اتجاهات جديدة لاستكشافها، وإيجاد أوجه تشابه مثمرة بين السؤال البحثي الذي يطرحه العالم والأوراق البحثية الغامضة المنشورة منذ عقود أو بلغات أجنبية.

لم يكن هذا هو الحال قبل عام أو نحو ذلك. فمنذ إعلان أوبن أيه آي عن أول نموذج للتفكير المنطقي، "أو 1" (o1)، في ديسمبر/كانون الأول من عام 2024، تعمل الشركة على توسيع آفاق إمكانات هذه التكنولوجيا. يقول ويل: "بالعودة إلى بضع سنوات خلت، كنا جميعاً مندهشين للغاية من قدرة هذه النماذج على الحصول على 800 نقطة في اختبار الالتحاق بالجامعات الأميركية".

ولكن سرعان ما كانت النماذج اللغوية الكبيرة تتفوق في مسابقات الرياضيات وتحل مسائل فيزيائية على مستوى الدراسات العليا. في العام الماضي، أعلنت كل من أوبن أيه آي وجوجل ديب مايند أن نماذجهما اللغوية الكبيرة قد حققت أداء متميزاً بحصولها على الميدالية الذهبية في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهو أحد أصعب مسابقات الرياضيات في العالم. يقول ويل: "لم تعد هذه النماذج أفضل من 90% من طلاب الدراسات العليا فحسب، بل وصلت في الواقع إلى أقصى حدود القدرات البشرية".

هذا ادعاء جريء، وثمة تحفظات تحيط به. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن جي بي تي 5 يمثل تحسناً ملحوظاً عن جي بي تي 4 في حل المسائل المعقدة. يتضمن جي بي تي 5 ما يسمى بنموذج التفكير المنطقي، وهو نوع من النماذج اللغوية الكبيرة التي يمكنها تقسيم المشاكل إلى عدة خطوات والعمل عليها واحدة تلو الأخرى. وقد أدت هذه التقنية إلى تحسين أداء النماذج اللغوية الكبيرة في حل المسائل الرياضية والمنطقية إلى حد كبير مقارنة بأدائها سابقاً.

عند اختبار جي بي تي 4 وفق مقياس معياري في هذا المجال يعرف باسم "المقياس المعياري لأسئلة وأجوبة جوجل المثبتة على مستوى الدراسات العليا" أو اختصاراً "جي بي كيو أيه" (GPQA)، والذي يتضمن أكثر من 400 سؤال متعدد الخيارات يختبر المعرفة على مستوى الدكتوراة في علم الأحياء والفيزياء والكيمياء، حقق نتيجة قدرها 39%، أي أقل بكثير من المستوى الأساسي للخبراء البشريين الذي يبلغ نحو 70%. في حين حقق جي بي تي 5.2 (آخر تحديث للنموذج، الذي صدر في ديسمبر/كانون الأول) وفقاً لأوبن أيه آي، نتيجة قدرها 92%.

اقرأ أيضاً: لماذا تراجعت جودة الكتابة في تشات جي بي تي 5.2؟

تقييم مبالغ فيه

الحماسة واضحة وربما مفرطة أيضاً. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تفاخر مسؤولون بارزون في أوبن أيه آي، بمن فيهم ويل، على منصة إكس بأن جي بي تي 5 قد وجد حلولاً للعديد من المسائل الرياضية التي لم تحل بعد. وسارع علماء الرياضيات إلى الإشارة إلى أن ما فعله جي بي تي 5 في الواقع هو استخراج حلول موجودة في أوراق بحثية قديمة، بما في ذلك ورقة واحدة على الأقل مكتوبة باللغة الألمانية. كان ذلك مفيداً، لكنه لم يكن الإنجاز الذي ادعت أوبن أيه آي تحقيقه. بعد ذلك، حذف ويل وزملاؤه منشوراتهم.

أصبح ويل أكثر حذراً الآن. فهو يقول إنه غالباً ما يكفي إيجاد إجابات موجودة ولكنها منسية، ويضيف: "نحن جميعاً نقف على أكتاف عمالقة، وإذا كان بإمكان النماذج اللغوية الكبيرة أن تجمع تلك المعرفة بحيث لا نضيع الوقت في محاولة حل مسألة تمكن أحدهم من حلها بالفعل، فسيكون ذلك بمثابة تسريع لعجلة البحث العلمي بحد ذاته".

وهو يقلل أهمية فكرة أن النماذج اللغوية الكبيرة على وشك التوصل إلى اكتشاف جديد يحدث تحولاً جذرياً. يقول: "لا أعتقد أن النماذج بلغت تلك المرحلة بعد، ربما تصل إليها مستقبلاً. وأنا متفائل بأنها ستحقق ذلك".

لكنه يصر على أن هذه ليست المهمة المنشودة: "مهمتنا هي تسريع العلم. ولا أعتقد أن معيار تسريع وتيرة التقدم العلمي هو إعادة تصور مجال بأكمله على مستوى أينشتاين".

بالنسبة لويل، فإن السؤال الجوهري هو: "هل يتسارع التقدم العلمي فعلاً لأن العلماء المدعومين بالنماذج الذكية قادرون على تحسين إنجازاتهم وتسريع وتيرتها مقارنة بالعلماء الذين يعملون وحدهم؟ أعتقد أننا نشهد ذلك بالفعل".

في نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت أوبن أيه آي سلسلة من دراسات الحالة القصصية التي أسهم بها علماء من داخل الشركة وخارجها على حد سواء، والتي توضح كيفية استخدامهم للنموذج جي بي تي 5 وكيف ساعدهم ذلك. يقول ويل: "كانت غالبية الحالات لعلماء كانوا يستخدمون بالفعل جي بي تي 5 مباشرة في أبحاثهم وتواصلوا معنا بطريقة أو بأخرى قائلين: "انظروا إلى ما يمكنني فعله بهذه الأدوات".

يبدو أن أهم الأعمال التي يجيد تنفيذها جي بي تي 5 هو العثور على مراجع وروابط للأعمال الموجودة التي لم يكن العلماء على دراية بها، ما يؤدي أحياناً إلى ظهور أفكار جديدة؛ ومساعدة العلماء على رسم البراهين الرياضية؛ واقتراح طرق للعلماء لاختبار الفرضيات في المختبر.

يقول ويل: "لقد قرأ النموذج جي بي تي 5.2 تقريباً كل ورقة بحثية كتبت في الأعوام الثلاثين الماضية. وهو لا يفهم فقط المجال الذي يعمل فيه عالم معين؛ بل يمكنه أيضاً أن يجمع أوجه التشابه من مجالات أخرى غير ذات صلة".

ويتابع ويل: "هذا أمر بالغ الأهمية، يمكنك دائماً العثور على متعاون بشري في مجال ذي صلة، ولكن من الصعب إيجاد 1,000 متعاون في كل تلك المجالات ذات الصلة التي قد تكون مهمة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكنني العمل مع النموذج في وقت متأخر من الليل -فهو لا ينام- ويمكنني أن أطرح عليه 10 أسئلة على التوازي، وهو أمر يصعب فعله مع شخص بشري".

اقرأ أيضاً: 3 ملايين بحث سنوياً: غياب الرقابة يهدد نزاهة النشر العلمي

حل المسائل

أيد معظم العلماء الذين تواصلت معهم أوبن أيه آي موقف ويل.

أخبرني أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في جامعة فاندربيلت، روبرت شيرر، أنه جرب التعامل مع تشات جي بي تي فقط على سبيل التسلية ليس إلا (إذ أخبرني قائلاً: "لقد اعتدت على إعادة كتابة الأغنية الرئيسية لجزيرة غيليغان بأسلوب بيوولف، وقد فعل ذلك بصورة جيدة للغاية") إلى أن أخبره زميله في فاندربيلت أليكس لوباسكا، وهو فيزيائي زميل يعمل الآن في أوبن أيه آي، أن جي بي تي 5 ساعده على حل مسألة كان يعمل عليها.

منح لوباسكا شيرر إمكانية الوصول إلى الإصدار جي بي تي 6 برو، وهو خدمة اشتراك مميزة من أوبن أيه آي تبلغ قيمتها 200 دولار شهرياً. يقول شيرر: "لقد تمكن من حل مسألة عجزت أنا وطالب الدراسات العليا عن حلها على الرغم من عملنا عليها عدة أشهر".

ويقول: "لا يزال جي بي تي 5 يرتكب أخطاء ساذجة. وبالطبع، أنا ارتكبت مثلها أيضاً، لكن الأخطاء التي يرتكبها جي بي تي 5 أغبى بكثير". ومع ذلك فهو يتحسن باستمرار، كما يقول: "إذا استمرت الاتجاهات الحالية -وهذا احتمال وارد- أعتقد أن العلماء جميعهم سيستخدمون النماذج اللغوية الكبيرة قريباً".

يستخدم أستاذ علم الأحياء في مختبر جاكسون، وهو معهد أبحاث غير ربحي، دريا أونوتماز، النموذج جي بي تي 5 لتوليد الأفكار وتلخيص الأوراق البحثية وتخطيط التجارب ضمن عمله في دراسة الجهاز المناعي. في دراسة الحالة التي شاركها أونوتماز مع أوبن أيه آي، استخدم جي بي تي لتحليل مجموعة بيانات قديمة كان فريقه قد درسها سابقاً. وتوصل النموذج إلى رؤى وتفسيرات جديدة.

يقول أونتوماز: "تعد النماذج اللغوية الكبيرة ضرورية بالفعل للعلماء، فعندما تكتشف أن بإمكانك إجراء تحليل كامل لمجموعات البيانات التي كانت تستغرق شهوراً من التحليل، فإن عدم استخدامها لم يعد خياراً مطروحاً بعد الآن".

يقول الخبير الإحصائي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، نيكيتا زيفوتوفسكي، إنه يستخدم النماذج اللغوية الكبيرة في أبحاثه منذ ظهور الإصدار الأول من تشات جي بي تي.

وكما هو حال شيرر، يجد زيفوتوفسكي أن النماذج اللغوية الكبيرة مفيدة جداً عندما تسلط الضوء على الروابط غير المتوقعة بين عمله والنتائج الموجودة التي لم يكن على دراية بها. يقول: "أعتقد أن النماذج اللغوية الكبيرة أصبحت أداة تقنية أساسية للعلماء، تماماً كما كانت أجهزة الكمبيوتر والإنترنت من قبل. أتوقع أن يتأثر من لا يستخدمها سلباً على المدى الطويل".

لكنه لا يتوقع أن تحقق النماذج اللغوية الكبيرة اكتشافات جديدة في أي وقت قريب. ويقول: "لم أر سوى عدد قليل جداً من الأفكار أو الحجج الجديدة حقاً التي تستحق النشر بمفردها. حتى الآن، يبدو أنها تجمع بصورة أساسية بين النتائج الموجودة، وأحياناً بأسلوب خاطئ، بدلاً من ابتكار أساليب جديدة حقاً".

لقد تواصلت أيضاً مع عدد قليل من العلماء غير المرتبطين بأوبن أيه آي.

كان أستاذ الكيمياء في جامعة ليفربول ومدير مركز ليفرولم للأبحاث لتصميم المواد الوظيفية، أندي كوبر، أقل حماساً. حيث يقول: "لم نجد، حتى الآن، أن النماذج اللغوية الكبيرة تحدث تغييراً جذرياً في طريقة إجراء البحوث العلمية. لكن نتائجنا الأخيرة تشير إلى أن لها دوراً مهماً".

يقود كوبر مشروعاً لتطوير ما يسمى "عالم الذكاء الاصطناعي" الذي يمكنه أتمتة أجزاء من سير العمل العلمي بالكامل. ويقول إن فريقه لا يستخدم هذه التكنولوجيا للتوصل إلى أفكار جديدة. لكن هذه التكنولوجيا بدأت تثبت فائدتها بوصفها جزءاً من نظام مؤتمت أوسع حيث يمكن لنموذج لغوي كبير أن يساعد على توجيه الروبوتات، على سبيل المثال.

يقول كوبر: "أعتقد أن دور النماذج اللغوية الكبيرة قد يرتبط أكثر بسير المهام الروبوتية، على الأقل في البداية، لأنني لست متأكداً من أن الناس مستعدون لتلقي الأوامر من نموذج لغوي كبير، وأنا أرفض ذلك بالتأكيد".

اقرأ أيضاً: 10 نصائح من سدايا لتحقيق أعظم استفادة من النماذج اللغوية الكبيرة

ارتكاب الأخطاء

قد تزداد فائدة النماذج اللغوية الكبيرة بمرور الوقت، لكن توخي الحذر لا يزال مطلوباً. ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، نبه العالم المتخصص في ميكانيكا الكم، جوناثان أوبنهايم، إلى خطأ وصل إلى إحدى المجلات العلمية. إذ كتب أوبنهايم على منصة إكس قائلاً: "تروج قيادة أوبن أيه آي لورقة بحثية في ’مجلة رسائل الفيزياء ب‘ حيث اقترح جي بي تي 5 الفكرة الرئيسية، ربما تكون أول ورقة بحثية خضعت لمراجعة الأقران يقدم فيها نموذج لغوي كبير المساهمة الأساسية. لكن ثمة مشكلة صغيرة: فكرة جي بي تي 5 تختبر الشيء الخطأ".

وتابع: "طلب من جي بي تي 5 اختبار لاكتشاف النظريات غير الخطية. فقدم اختباراً يكتشف النظريات غير المحلية. ربما يظن المرء أنهما متشابهان، لكنهما مختلفان في الواقع. فالأمر يشبه طلب اختبار كوفيد، فيقدم لك النموذج اللغوي الكبير اختباراً للكشف عن جدري الماء بكل سرور".

من الواضح أن الكثير من العلماء يجدون طرقاً مبتكرة وبديهية للتفاعل مع النماذج اللغوية الكبيرة. ومن الواضح أيضاً أن التكنولوجيا ترتكب أخطاء قد تكون دقيقة جداً لدرجة يصعب فيها حتى على الخبراء إدراكها.

يكمن جزء من المشكلة في قدرة تشات جي بي تي على خداع المستخدم ودفعه إلى تخفيف حذره. وكما قال أوبنهايم: "المشكلة الأساسية هي أنه يجري تدريب النماذج اللغوية الكبيرة على التحقق من صحة المستخدم، في حين أن العلم يحتاج إلى أدوات تتحدى قدراتنا". وفي إحدى الحالات المتطرفة، أقنع تشات جي بي تي أحد الأفراد (الذي لم يكن عالماً) بالاعتقاد أشهراً أنه اخترع فرعاً جديداً في الرياضيات.

بالطبع، يدرك ويل جيداً مشكلة الهلوسة. لكنه يصر على أن النماذج الأحدث تظهر تراجعاً في هذا الجانب السلبي. ومع ذلك، يقول إن التركيز على الهلوسة قد يغفل جوهر الموضوع.

يقول ويل: "قال أحد زملائي في الفريق هنا، وهو أستاذ رياضيات سابق، شيئاً ظل عالقاً في ذهني. فقد قال: 'عندما أكون منكباً على العمل البحثي، إذا كنت أتبادل الأفكار مع زميل لي، أكون على الجانب المخطئ بنسبة 90% من المرات، وهذا هو بيت القصيد. كلانا نطلق أفكاراً عشوائية ونحاول التوصل إلى حل ناجح".

ويقول ويل: "تلك الحالة في الواقع هي ما نطمح إليه. فحين نجرب أفكاراً كثيرة خاطئة، قد يصادف أحدنا فكرة واعدة، فيلتقطها الآخر ويبني عليها: 'هذا يقترب من الصواب، لكن ماذا لو طورناه على هذا النحو..' وهكذا ننساب شيئاً فشيئاً حتى نسير على طريق واضح وسط التعقيدات".

هذه هي رؤية ويل الأساسية لفريق أوبن أيه آي للعلوم. النموذج جي بي تي 5 جيد، لكنه ليس مرجعاً نهائياً. ويقول إن قيمة هذه التكنولوجيا تكمن في توجيه الناس في اتجاهات جديدة، وليس في التوصل إلى إجابات نهائية.

في الواقع، أحد الجوانب التي تدرسها أوبن أيه آي الآن هو إيجاد طريقة تجعل جي بي تي 5 يخفض درجة تأكيده عند تقديم الإجابات. فبدلاً من أن يقول "هذا هو الجواب"، قد يوجه العلماء بالقول: "إليك فكرة تستحق النظر فيها".

يقول ويل: "هذا جانب نقضي فيه الكثير من الوقت في الواقع، إذ نحاول التأكد من أن النموذج يتمتع بشيء من التواضع المعرفي".

الجانب الآخر الذي تبحث فيه أوبن أيه آي، هو كيفية استخدام جي بي تي 5 للتحقق من صحة الإجابات التي يقدمها بنفسه. ففي كثير من الأحيان، إذا أدخلت إحدى إجابات جي بي تي 5 إلى النموذج، فسيعمل النموذج على تحليلها وتسليط الضوء على الأخطاء.

يقول ويل: "يمكنك ربط النموذج بنفسه ليعمل ناقداً يتولى تقييم ذاته. عندها يمكنك إنشاء سير عمل حيث يفكر النموذج ثم ينتقل إلى نموذج آخر، وإذا وجد هذا النموذج جوانب يمكن تحسينها، فإنه يعيدها مرة أخرى إلى النموذج الأصلي، ويقول: 'مهلاً، انتظر لحظة. هذا الجزء لم يكن صحيحاً، لكن هذا الجزء كان مثيراً للاهتمام. احتفظ به‘. الأمر أشبه ما يكون بوكيلين يعملان معاً ولا ترى الناتج إلا بعد أن يجتازا الناقد".

ما يصفه ويل يشبه إلى حد كبير ما فعلته جوجل ديب مايند مع ألفا إيفولف، وهي أداة دمجت النموذج اللغوي الكبير جيميناي (LLM Gemini) ضمن نظام أوسع يتولى فلترة الردود الجيدة من السيئة وإعادة تغذيتها مرة أخرى لتحسينها. وقد استخدمت جوجل ديب مايند النموذج ألفا إيفولف لحل العديد من المشاكل الواقعية.

وتواجه أوبن أيه آي منافسة شديدة من الشركات المنافسة، التي يمكن لنماذجها أن تنفذ معظم -إن لم يكن كل- الأشياء التي تدعيها أوبن أيه آي لهذه النماذج. إذا كانت هذه هي الحال، لماذا يجب على العلماء استخدام جي بي تي 5 بدلاً من جيميناي أو كلود من شركة أنثروبيك، وهما مجموعتان من النماذج التي تتطور كل عام؟ في نهاية المطاف، قد يكون مشروع أوبن أيه آي للعلوم مجرد محاولة لدخول مجال جديد، فالابتكارات الحقيقية لم تظهر بعد.

اقرأ أيضاً: كيف تساعد النماذج التي تحل مسائل الرياضيات على تطوير الذكاء الاصطناعي؟

يقول ويل: "أعتقد أن عام 2026 سيمثل بالنسبة للعلوم ما كان يمثله عام 2025 بالنسبة لهندسة البرمجيات. ففي بداية عام 2025، إذا كنت تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة معظم نصوصك البرمجية، فأنت من أوائل من تبنوا هذه التكنولوجيا. في حين أنه بعد 12 شهراً، إذا كنت لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة معظم نصوصك البرمجية، فمن المحتمل أنك متخلف عن الركب. ونحن نشهد اليوم هذه البدايات المبكرة نفسها في مجال العلوم كما شهدناها في مجال البرمجة".

ويتابع قائلاً: "أعتقد أنه في غضون عام، إذا كنت عالماً ولا تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة مكثفة، فسوف تفوتك الفرصة لزيادة سرعة تفكيرك وجودته".

المحتوى محمي