كيف تحول الدفع اللاتلامسي من إجراء وقائي إلى ضرورة لنمو الشركات؟

5 دقيقة
كيف تحول الدفع اللاتلامسي من إجراء وقائي في الجائحة إلى ضرورة لنمو الشركات الصغيرة؟
حقوق الصورة: envato.com/seventyfourimages

لم يعد الدفع اللاتلامسي مجرد خيار تقني، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية تقود نمو الشركات الصغيرة في عصر الاقتصاد الرقمي. فمع وصول نسبة المعاملات اللاتلامسية عالمياً إلى 70%، أصبح الولاء يقاس بمدى سلاسة تجربة العميل وسرعتها.

أبرز نقاط التحول:

  • سيكولوجية الإنفاق: تسهم التقنية …

لم تغير جائحة كوفيد-19 طريقة تسوقنا فحسب، بل أعادت تشكيل سلوكنا جذرياً، فما بدأ كإجراء وقائي صحي أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من نمط عمليات التسوق اليومية. ففي أواخر عام 2024 أفادت شركة ماستركارد بأن المدفوعات اللاتلامسية تمثل الآن 70% من إجمالي معاملات الدفع على مستوى العالم، وهو ما يمثل ارتفاعاً كبيراً مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة، حيث كان التبني محصوراً إلى حد كبير في أسواق أوروبية وآسيوية محددة.

في حين كانت شركات التجزئة الكبرى أول من وضعت أسس البنية التحتية للدفع غير التلامسي، فإن التغييرات الأكثر جذرية وتأثيراً تظهر الآن في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فبالنسبة لهذه المتاجر الصغيرة لا تعد تقنية الدفع غير التلامسي مجرد تحسين تدريجي لتجربة نقاط البيع، بل هي تحول جوهري لتعزيز إنتاجيتها وتحسين ربحيتها، لا من خلال الإجابة عن سؤال: "هل ينبغي لنا توفير خدمة الدفع غير التلامسي؟"، بل: "ما هو مدى سرعتنا في تطبيقها؟".

لماذا أصبحت سرعة الدفع لدى المتاجر الصغيرة أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

الدفع غير التلامسي ويسمى أيضاً الدفع اللاتلامسي والدفع بنقرة واحدة آلية عمله بسيطة للغاية: فبدلاً من إدخال البطاقة في قارئ البطاقات أو إدخال الرمز الشخصي، يكمل العملاء عملية الشراء بتقريب بطاقاتهم أو هواتفهم أو ساعاتهم الذكية من جهاز الدفع لجزء من الثانية، ثم تعتمد المعاملة فوراً وتكتمل عملية البيع.

لكن الثورة الحقيقية لا تقتصر على السرعة فقط، بل تتعداها إلى كيفية إعادة تشكيل هذه التقنية لسلوك العملاء وعقلية الأعمال بشكل جذري، إذ تشير الأبحاث إلى أنه عندما تصبح عملية الدفع سلسة، ينفق العملاء المزيد وبشكل متكرر، وهو ما يطلق عليه علماء الاقتصاد السلوكي اسم "ألم الدفع"، وهو الشعور النفسي بعدم الارتياح الناتج عن إنفاق المال النقدي.

إذ تقلل خاصية الدفع غير التلامسي هذا الألم بشكل كبير -على الرغم من أنها قد تجعلك تنفق أكثر- بحيث لا تضطر إلى تسليم النقود فعلياً، أو البحث عن الفكة، أو انتظار الموافقة على البطاقة، إذ تبدو المعاملة سلسة للغاية، ما يترجم إلى ارتفاع متوسط ​​قيمة الطلبات.

على سبيل المثال: العميل الذي كان متردداً بشأن شراء قهوة أو حلوى إضافية بسبب بطء معالجة الدفع، يصبح مشترياً راغباً عندما تستغرق عملية الدفع ثانيتين فقط، إذ قد تزداد لديه نزعة الشراء الاندفاعية وتتكرر زياراته للمتجر، بالإضافة إلى تعمق ولائه لعلمه مسبقاً أن لا صفوف انتظار ستواجهه عند الدخول إلى المتجر.

ويعتبر جيل الألفية وجيل زد من أبرز المساهمين في هذا الواقع الجديد للدفع، حيث تشير البيانات إلى أن 73% من جيل الألفية و66% من جيل زد في الولايات المتحدة قد تبنوا باستمرار طرق الدفع غير التلامسية، بينما سيتراجع أربعة من كل خمسة عملاء عن الشراء إذا لم يعرض عليهم طريقة الدفع المفضلة لديهم.

ومن المتوقع أن يصبح سلوك الدفع غير التلامسي دائماً، إذ يعتزم 74% من المستهلكين الاستمرار في استخدام طرق الدفع غير التلامسية، وبالنسبة للشركات الصغيرة يعد توفير خدمة الدفع غير التلامسي إشارة إلى الحداثة والأمان، ما يجعل العلامة التجارية أكثر رغبة لدى المستهلكين.

اقرأ أيضاً: لماذا 27% من خروقات البيانات عالمياً تستهدف شركات التكنولوجيا المالية؟ وكيف يمكن تجنبها؟

لماذا يعد إدخال خدمة الدفع غير التلامسي نقلة نوعية للشركات الصغيرة؟

بالنسبة للمتاجر الكبيرة يعتبر الدفع بنقرة واحدة وسيلة لرفع الكفاءة، ولكن بالنسبة للشركات الصغيرة فإن تبني التكنولوجيا من شأنه أن يغير طريقها في التعامل مع العملاء جذرياً ورفع كفاءتها التشغيلية، وهذا يعود إلى سبب رئيسي وهو: أن المتاجر الصغيرة غالباً ما تعمل بطاقم عمل محدود، ما يعني أن سرعة إتمام المعاملة عامل أساسي في الربحية.

إذ يعد الدفع غير التلامسي أسرع بما يصل إلى 10 أضعاف من طرق الدفع الأخرى المباشرة، كما وجدت دراسة أجرتها شركة ماستر كارد بالتعاون مع شركة إكسيتو المالكة لسلسلة متاجر تجزئة في أميركا اللاتينية تحمل الاسم نفسه أن إدخال الدفع دون تلامس أدى إلى توفير إجمالي قدره 3.9% في وقت الدفع أو ما يقارب ثلاث ثوانٍ لكل عميل.

وفي بيئة عمل ذات ضغط متواصل مثل المقاهي أو المطاعم، فإن تراكم هذه الثواني من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، من خلال تمكينها من خدمة المزيد من العملاء خلال ساعات الذروة دون الحاجة إلى زيادة العمالة، بالإضافة إلى العديد من المزايا الإضافية منها:

  • الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف: عبر تجاوز أعباء التعامل النقدي مثل العد والتأمين والنقل ومخاطره، ما يتيح للموظفين التركيز على خدمة العملاء وضمان تدقيق آلي وفوري لجميع المعاملات.
  • تعزيز الولاء وتحليل البيانات: من خلال توفير بيانات دقيقة حول سلوك العملاء مثل: الأوقات المفضلة والمنتجات الأكثر مبيعاً، ما يسهل اتخاذ قرارات ذكية كتحسين القوائم وتعديل الأسعار وإدارة المخزون بفاعلية.
  • الثقة والإحترافية المدركة: يشير قبول المدفوعات اللاتلامسية إلى العملاء بأن المتجر يواكب أحدث التقنيات الاحترافية. هذه الصورة الذهنية مهمة، فالعملاء ينظرون لا شعورياً إلى العلامات التي تسهل عليهم إجراءاتهم ومن ضمنها عملية الدفع.

اقرأ أيضاً: ما بعد كوفيد-19: كيف يبدو مستقبل التكنولوجيا المالية؟

الأمان والخصوصية: هل الدفع غير التلامسي آمن حقاً؟

غالباً ما يتسلل القلق إلى أصحاب الأعمال الصغيرة والعملاء بشأن سهولة اختراق عمليات الدفع، ولكن الحقيقة هي أن تقنية الدفع اللاتلامسي تعتمد على بروتوكولات أمان هي الأقوى في عالم المدفوعات الرقمية، والتي تتمثل في:

  • لا ترسل بيانات البطاقة الفعلية (مثل رقم البطاقة أو الاسم) في أثناء المعاملة بل تستبدل برمز رقمي فريد صالح لعملية واحدة فقط، ما يجعل البيانات المسروقة -إن وجدت- عديمة الفائدة.
  • تعمل تقنية الاتصال قريب المدى وموجات الراديو اللتان تشغلان التكنولوجيا في نطاق لا يتجاوز 4 سم، ما يجعل من المستحيل تقريباً اعتراض الإشارة من مسافة بعيدة دون ملاحظة العميل.
  • تضع البنوك سقفاً مالياً معيناً للمشتريات اللاتلامسية التي لا تتطلب الرمز الشخصي، ما يحد من المخاطر في حالة فقدان البطاقة أو الهاتف.

كيف تسهم تكنولوجيا الدفع بنقرة واحدة في تشكيل مستقبل معاملات الشركات الصغيرة؟

لا يتوقف طموح التكنولوجيا عند حدود البطاقة أو الهاتف فقط، بل يتجه المسار نحو جعل "الإنسان" هو وسيلة الدفع بحد ذاته، حيث من المتوقع أن ننتقل من مرحلة ما تحمله (البطاقة) إلى مرحلة من أنت (هويتك الحيوية)، إذ يجري حالياً التوسع في تقنيات الدفع بالهوية الحيوية مثل النقر براحة اليد والتعرف إلى بصمة الوجه أو قزحية العين.

هذه التقنيات لا ترفع مستوى السلاسة فحسب، بل تعد الحصن المنيع الجديد للأمن السيبراني، فبينما يمكن سرقة البطاقة أو اختراق الهاتف الذكي، إلا أنه من المستحيل تقريباً نسخ البيانات البيومترية الفريدة للإنسان، ما يقضي تماماً على محاولات الاحتيال التقليدية.

علاوة على ذلك، سيؤدي دمج الذكاء الاصطناعي التنبؤي مع التكنولوجيا إلى تحويل نقطة الدفع من مجرد أداة لتحصيل المال إلى وكيل ذكي، حيث سيتمكن النظام من التعرف إلى العميل وتقديم حوافز شخصية أو خصومات ولاء لحظية بناءً على تاريخ شرائه، وهو مستوى فائق من التخصيص كان في السابق حكراً على عمالقة التجارة الإلكترونية وسيكون الآن متاحاً للمتاجر المحلية الصغيرة.

ومع توجه البنوك المركزية في المنطقة لا سيما في السعودية والإمارات نحو تبني العملات الرقمية للبنوك المركزية، سيصبح الدفع غير التلامسي بمثابة البوابة الرسمية لهذه العملات، ما سيقدم للمتاجر الصغيرة عملية "التسوية الفورية" التي تتيح انتقال الأموال من المحفظة الرقمية للعميل إلى حساب المتجر في أجزاء من الثانية، ويحسن التدفق النقدي بشكل لم يسبق له مثيل.

اقرأ أيضاً: 84% من المدفوعات في دول الخليج رقمية: كيف أصبحت البنوك التقليدية أمام منافسة جديدة غير متوقعة؟

متى تصبح خدمة الدفع غير التلامسي ضرورة ملحة لمشروعك التجاري؟

تعد خدمة الدفع غير التلامسي ضرورة استراتيجية وليست مجرد تقنية مضافة، وخاصة إذا كانت إجابتك "نعم" على أي مما يلي:

  • هل يطلب عملاؤك أو يتوقعون توفير خيار الدفع غير التلامسي؟
  • هل تؤثر سرعة المعاملات وطول قائمة انتظار العملاء في مبيعاتك؟
  • هل تفقد عملاءك الشباب لصالح المنافسين الذين يقدمون خيارات دفع حديثة؟
  • هل تؤثر تكاليف التعامل النقدي في ربحيتك؟
  • هل ترغب في إدارة مشروعك بطريقة قائمة على البيانات؟

الأمر لا يتعلق بالدفع بل بالعلاقة بين علامتك التجارية وعملائك

إن أهم ما يميز تقنية الدفع بنقرة واحدة ليس السرعة فحسب، بل أيضاً جانب العلاقة، إذ من المتوقع أن تغير بشكل كبير طريقة التفاعل بين علامتك التجارية وعملائك الحاليين والمحتملين. فمن خلال تقليل تعقيدات الدفع وتسريع المعاملات وتوفير تجربة دفع سلسة يرسل المتجر رسالة مهمة لعملائه مفادها أن وقتهم ثمين، وأن سلامتهم مهمة، وأن تفضيلاتهم مرغوبة.

قد تبدو هذه الرسائل بسيطة، ولكن في ظل مشهد صعود التجارة الرقمية والتنافسية المتزايدة واتجاه الاقتصاد الرقمي نحو واقع يصبح فيه النقد اختيارياً والمعاملات اللاتلامسية هي الخيار الافتراضي، سوف تتراكم هذه الرسائل لتعزز ولاء العملاء وتشجعهم على تكرار الشراء وتحسن صورة علامتك التجارية.

المحتوى محمي