من قوة الإرادة إلى الخوارزميات: الثورة الصامتة في سلوك الادخار الشخصي

7 دقيقة
من قوة الإرادة إلى الخوارزميات: الثورة الصامتة في سلوك الادخار الشخصي
حقوق الصورة: envato.com/laddawanpunna

لم يعد الادخار مجرد خزنة نضع فيها الفائض من المال، بل تحول بفضل التكنولوجيا المالية إلى نظام ذكي متكامل؛ حيث انتقل عبء الانضباط من عاتقك الشخصي وقوة إرادتك إلى خوارزميات صامتة تدير أموالك بذكاء، محولة الادخار من فعل واعٍ مجهد إلى عادة رقمية تلقائية تتناسب مع عصر اللانقد…

منذ صعود ثورة التكنولوجيا المالية الحديثة في أعقاب الأزمة المالية عام 2008 وانتشار الهواتف الذكية لاحقاً، شهد مفهوم الادخار الشخصي تحولاً كبيراً من مجرد مفهوم مترسخ في قدرة الفرد على تأجيل الإشباع وتفضيل المنفعة طويلة الأجل إلى عملية تعتمد على نقل عبء الانضباط المالي من الفرد إلى أنظمة خوارزمية متطورة.

هذا التحول ليس تقنياً فحسب، بل يرتبط به تحول نفسي عميق من خلال دمج الاقتصاد السلوكي وعلم النفس والذكاء الاصطناعي، ما أحدث ثورة جذرية ليس فقط في كيفية ادخار الناس أموالهم، بل في مفهوم الادخار نفسه، محولة إياه من فعل فردي يعتمد على قوة الإرادة إلى عادة مالية شخصية مدعومة اجتماعياً، ومعززة باستمرار، ما أعاد تعريف بنية الادخار الشخصي في عالم يتجه بسرعة إلى عصر اللانقدية.

من فروع البنوك إلى هاتفك: كيف تغير مفهوم الادخار الشخصي على مدار الساعة؟

كان الادخار التقليدي يعني زيارات مجدولة لفرع البنك والقيام بالإجراءات التقليدية اليدوية، وقد كان هذا الأمر يخدم البنوك، لكنه يثني الناس عن التعامل مع مدخراتهم بانتظام، ولكن مع صعود التكنولوجيا المالية بمفهومه الحديث قضت تماماً على هذه العملية المرهقة.

إذ صممت التطبيقات المالية لتمكنك من الوصول إلى مدخراتك ومراقبتها وتعديلها في أي وقت وفي أي مكان، هذا التوفر الدائم غير التوقعات بشأن التعامل المالي، حيث لم يعد ينظر إلى الادخار على أنه فعل يمكن القيام به كل نهاية شهر. بدلاً من ذلك أصبح بإمكانك الآن التفاعل مع أموالك بشكل فوري، ما يساعدك على تشكيل سلوكك المالي، فعندما تكون مدخراتك مرئية دائماً تصبح جزءاً لا يتجزأ من وعيك المالي بدلاً من كونها حساباً قد يكون منسياً.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الابتكار الأكثر تأثيراً الذي قدمته التكنولوجيا المالية ليس منتجاً جديداً، بل إلغاء الحاجة إلى قوة الإرادة تماماً. فوفقاً لدراسة من مركز الإدراك المتقدم بجامعة ديوك الأميركية، ارتفع عدد المشاركين من 60 إلى 95% بعد تطبيق خدمة التحويلات التلقائية إلى حسابات الادخار خلال 3 أشهر.

ولم يكن سبب هذا الارتفاع أن الناس أصبحوا أكثر انضباطاً فجأة، بل لأن قرار الادخار لم يعد من مسؤوليتهم، فبدلاً من أن تسأل نفسك أسبوعياً ما إذا كنت ستحول المال إلى حساب التوفير (ثم تنساه أو تنفقه)، تفعل التطبيقات ذلك نيابةً عنك.

تعرف هذه الآلية باسم "انحياز الخيار الافتراضي"، وهو مبدأ من مبادئ الاقتصاد السلوكي يظهر أن الناس يميلون إلى قبول أي خيار محدد مسبقاً إذا كان إلغاء الاشتراك يتطلب جهداً، حيث تظهر الأبحاث أن هذا التأثير قوي للغاية، فالتسجيل التلقائي للأفراد في برنامج ادخار يحقق معدلات مشاركة تعادل تقديم مكافأة مالية بنسبة 50%.

اقرأ أيضاً: كيف تستفيد التكنولوجيا المالية من الذكاء الاصطناعي لمكافحة الجرائم المالية؟

علم النفس وراء نمو مفهوم الادخار الشخصي الذكي وتقليل ألم الدفع

على مدار التاريخ مثلت ملموسية الأوراق النقدية المادية رادعاً طبيعياً للإنفاق، وهي ظاهرة يطلق عليها اسم "ألم الدفع". ولكن مع المعاملات الرقمية يختفي هذا الإدراك المادي، ما يؤدي غالباً إلى الإسراف وتراجع الرغبة في الادخار.

وقد أدركت تطبيقات التكنولوجيا المالية هذا التحدي، حيث أصبحت تصمم بشكل متزايد لإعادة إدخال مفهوم "الدفع الأخلاقي" في تجربة المستخدم. على سبيل المثال، يستخدم تطبيق مونزو إشعارات الإنفاق الفورية وعبارة "هل أنت متأكد؟"، حيث تجبر التنبيهات المستخدمين على التريث والتفكير ملياً قبل إجراء عمليات شراء كبيرة، مستخدمة التصميم بفاعلية لإبطاء القرارات المالية التي أصبحت متسرعة للغاية بالنسبة للإدراك السليم.

بالإضافة إلى ميزة الادخار الجزئي، تستخدم العديد من التطبيقات مثل تطبيق البنك العربي وتطبيق كاشي في الإمارات والسعودية وتطبيق إم إن تي-حالاً في مصر ميزة "التقريب": فعند شراء عبوة قهوة بمبلغ 3.82 ريالات يقرب التطبيق المبلغ إلى 4.00 ريالات ويدخر تلقائياً الفرق البالغ 0.18 ريالاً.

والأهم،  أنها عملية سلسة وآلية تلقائياً تكاد تكون غير مرئية لكنها ثابتة، ما يمكنك من ادخار أموال كنت ستنفقها على أي حال ولم تلحظها حتى خروجها من حسابك. يعالج هذا النهج عائقاً نفسياً لم تستطع منهجية المدخرات التقليدية التغلب عليه وهو الشعور بالحرمان.

فعندما تحول 50 ريالاً يدوياً إلى حساب التوفير يسجل عقلك خسارة محتملة، ولكن عندما يوفر التطبيق المبلغ نفسه من خلال تقريب المبالغ المتراكمة عبر عشرات المعاملات الصغيرة، فلن تشعر أبداً بهذا التأثير، بدلاً من ذلك تتراكم المبالغ ببطء ثم فجأة تكون صندوق طوارئ أو محفظة استثمارية صغيرة دون أن تعاني الألم النفسي الناتج عن "التخلي" عن المال.

اقرأ أيضاً: كيف تحول الدفع اللاتلامسي من إجراء وقائي إلى ضرورة لنمو الشركات؟

ما هي الأدوات الجديدة التي قدمتها التكنولوجيا المالية وتتيح لنا الادخار الشخصي تلقائياً؟

قدمت شركات التكنولوجيا المالية مجموعة من الميزات التي تسهل عملية الادخار بشكل كبير مثل تقسيمات الإيداع المباشر التي تتيح لك ضبط التطبيق لإرسال جزء من كل راتب مباشرة إلى حساب التوفير (مثلاً 10%)، أو التحويلات الدورية من خلال جدولة إرسال مبلغ صغير (1 ريال) مع كل عملية شراء إلى حساب التوفير تلقائياً.

بالإضافة إلى ذلك، استغلت الشركات استجابة الدماغ البشري بقوة للتغذية البصرية ومؤشرات التقدم لتصميم أساليب ادخار مرتبطة بالسلوك النفسي للفرد. على سبيل المثال، تعرض بعض التطبيقات إشعارات فورية عند وصول الأموال وعند حدوث إنفاق غير معتاد.

حيث توضح الرسوم البيانية أين تذهب أموالك في الوقت الفعلي، ومن خلال أشرطة التقدم يمكنك تتبع مدى تقدمك نحو أهداف محددة، وهذه المنهجية ليست مجرد معلومات بل هي تدخلات نفسية مصممة لتحفيز استجابات المكافأة في الدماغ.

ففي كل مرة ترى فيها شريط تقدم هدف الادخار الخاص بك يتقدم، يفرز دماغك كمية صغيرة من الدوبامين مرتبط بالتحفيز والرضا، حيث تخلق الشارات وإشعارات الإنجاز بالآلية النفسية ذاتها التي تجعل استخدام منصات التواصل الاجتماعي إدماناً، ولكنه موجه نحو تحسين السلوك المالي.

إذ إن رؤية إشعار بتوفير 100 ريال هذا الشهر أو الحصول على شارة "سلسلة التوفير" لإيداعات متتالية عدة أسابيع من شأنه أن يثير شعوراً حقيقياً بالإنجاز، وهو ما يختلف جذرياً عن عملية الادخار التقليدية، حيث نادراً ما ستشعر بأي نوع من التحفيز للذهاب إلى البنك وإيداع الأموال.

كما عملت الشركات على تقديم الخيار الافتراضي في تطبيقاتها الاستهلاكية فيما يتعلق بتحويل الأموال لإزالة ما يسمى في علم النفس مفهوم "انحياز الحاضر"، حيث يعطي البشر بطبيعتهم الأولوية للإشباع الفوري على حساب الأمان المستقبلي.

على سبيل المثال بدلاً من تتساءل: "هل يجب أن أدخر 10 ريالات اليوم؟" يفعل التطبيق ذلك نيابة عنك بهدوء من خلال تحليل التطبيق دخلك المالي وسلوكك الإنفاقي وفواتيرك القادمة، لتظهر لك مبلغاً آمناً للإنفاق ثم تحول أي فائض تلقائياً إلى حساب الادخار.

هذا يعني أن التطبيق يخصم احتياجاتك والتزاماتك أولاً ثم يدخر الباقي، ومن ثم حتى إذا نسيت عملية الادخار فإن التطبيق يضمن لك ادخار مبلغ بسيط كل شهر. يقلل هذا النهج التلقائي بشكل كبير من اعتمادك على ضبط النفس، إذ لن تنتظر حتى نهاية الشهر لتقرر ما إذا كنت ستدخر أم لا، فالتطبيق يفعل ذلك نيابةً عنك.

وهذا من شأنه أن يؤدي إلى اتباع سلوك ادخاري أكثر انتظاماً، فمن خلال إزالة عملية الادخار من قائمة مهامك تحول التكنولوجيا المالية الادخار من مجرد نية إلى قاعدة تلقائية، أنت تدخر لأن النظام يدخر وليس لأنك تجبر نفسك على ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف تمكن التكنولوجيا المالية الجميع من فتح حسابات مصرفية؟

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي والتخصيص في عملية الادخار الشخصي مستقبلاً؟

بالنظر إلى ما هو أبعد من الوضع الراهن، يعمل الذكاء الاصطناعي على جعل عملية الادخار أكثر ذكاءً وتخصيصاً، فالخوارزميات ستكون قادرة بالفعل على التنبؤ بالتدفقات النقدية مثل الراتب الشهري والمكافآت وعوائد الاستثمار وغيرها، والذي يؤدي بدوره إلى التنبؤ تلقائياً بنفقاتك الشهرية وتخصيص المبلغ الأمثل قبل أن تدرك حتى إمكانية الادخار.

على سبيل المثال، إذا لاحظ النظام أن فاتورة الكهرباء الخاصة بك مستحقة خلال أسبوعين قادمين، فبإمكانه استخدام تقنية التقريب من مشترياتك اليومية لتغطية كل أو جزء من مبلغ الفاتورة، وهذا التخصيص الفائق يعني أن أهداف الادخار لن تكون نمطية كقاعدة "ادخار 10% من الدخل" القديمة.

بدلاً من ذلك، ستصمم التطبيقات نصائح مخصصة لنمط حياتك. على سبيل المثال، قد يحصل العامل المستقل على توصيات ادخار مختلفة عن الموظف، ويحصل الوالد الذي يدخر لتعليم طفله على أولويات مختلفة عن الشخص الذي يدخر للتقاعد.

علاوة على ذلك، يمكن للتطبيقات المستقبلية أن تتحول إلى مساعدات فاعلة، فبدلاً من تسجيل ميزانيتك يومياً، قد تتحدث إليك مباشرة: "أرى أنك أنفقت أكثر على البقالة خلال الثلاثة أسابيع الماضية، هل تريد تعديل مدخراتك فيما تبقى من هذا الشهر؟".

أو إجراء تحويلات نيابة عنك من خلال معالجة بياناتك (سجلاتك البنكية، فواتيرك) لإنشاء رحلة ادخار مخصصة بالكامل، وعلى المدى البعيد يمكن أن تصبح خطة ادخارك الشخصية ديناميكية مثل توصيات تطبيقات البث: مصممة خصيصاً لك وفي الوقت الفعلي.

اقرأ أيضاً: لماذا 27% من خروقات البيانات عالمياً تستهدف شركات التكنولوجيا المالية؟ وكيف يمكن تجنبها؟

ما هي المخاطر والتحديات التي تضيفها التكنولوجيا المالية إلى عملية الادخار الشخصي؟

على الرغم من أن عملية الادخار تتطور بصورة كبيرة، فإنها لا تخلو من بعض المخاطر، أولها الأمن الرقمي والخصوصية؛ فكلما ازداد اعتمادنا على التطبيقات لإدارة أموالنا زادت مخاطر انكشاف بياناتنا، إذ إن مركزية المدخرات في المنصات الرقمية قد تجعلها هدفاً جذاباً للمخترقين.

ومن المخاوف الأخرى الاعتماد المفرط على الخوارزميات، فعندما تتخذ التطبيقات المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قرارات نيابة عنا تظهر مشكلة "الصندوق الأسود"، إذ قد لا تفهم كيفية إدارة مدخراتك. فعلى سبيل المثال، إذا غير التطبيق معدل ادخارك دون علمك، فقد لا تلاحظ السبب ومع مرور الوقت قد تنفصل عن فهم شؤونك المالية.

وأخيراً تحديات التأثيرات النفسية، إذ إن أسلوب اللعب والتغذية الراجعة الفورية قد يحفزان المستخدم على بناء عادات غير صحية مثل التحقق من الأرصدة بشكل قهري أو الإفراط في الادخار، ما يتطلب من الشركات ضرورة الموازنة بين التفاعل والرفاهية المالية لتنمية عادات إدخارية عملية.

نصائح عملية: كيف تبدأ رحلة الادخار الشخصي الذكي اليوم؟

إذا كنت ترغب في الاستفادة من هذه الثورة التقنية، فإليك خطوات بسيطة للبدء:

  • ابحث في تطبيق الدفع الذي تستخدمه عن ميزة تقريب المشتريات التي تعد أسهل طريقة للادخار دون الشعور بألم الدفع، حيث ستندهش من حجم المبالغ المتراكمة من فكة القهوة والمشتريات البسيطة.
  • لا تنتظر حتى نهاية الشهر لتدخر ما تبقى (لأنه غالباً لن يتبقى شيء)، اضبط تحويلاً تلقائياً لدخلك الشهري حتى لو كان مبلغاً رمزياً.
  • استخدم ميزة تقسيم المدخرات مثلاً: حصالة للسفر أو حصالة للطوارئ، إذ إن رؤية شريط التقدم لكل هدف ترفع من هرمون الدوبامين وتحفزك على الاستمرار.
  • استخدم الأدوات التحليلية في التطبيقات المالية لمراجعة الاشتراكات الشهرية التي تخصم تلقائياً ولا تستخدمها، حيث إن إلغاء اشتراك واحد قد يوفر لك مبلغاً استثمارياً جيداً سنوياً.
  • خصص 10 دقائق أسبوعياً لمراجعة التقارير المالية التي يصدرها التطبيق لتكون مطلعاً على اتجاهات إنفاقك وتعديل مسارك عند الحاجة، ولا تدع الخوارزمية تقرر كل شيء.

اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟

عندما يصبح الادخار قراراً صامتاً: من يقود من؟

لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد وسيلة لتخزين الأموال، بل أصبحت شريكاً ذكياً يعيد صياغة علاقتنا بالمال، إذ إن الانتقال من الادخار القائم على قوة الإرادة إلى الادخار القائم على التصميم الذكي هو أعظم انتصار حققته هذه الثورة، فهي لم تغير "أين" ندخر فحسب، بل غيرت "كيف" نفكر في مستقبلنا المالي، محولة إياه من عبء ثقيل إلى عملية صامتة ومستمرة.

ومع ذلك، فإن هذا النظام الآلي يتطلب منا يقظة رقمية لضمان عدم الانفصال التام عن واقعنا المالي، إذ إن التكنولوجيا هي الأداة ولكن الوعي يظل هو القائد.

المحتوى محمي