في ضواحي مدينة القاهرة الصحراوية، واجه هاني محمود، مدير مزرعة لإنتاج الألبان صعوبة في دفع تكاليف إصلاحات سيارته الضرورية ليتمكن من الذهاب إلى العمل، إذ لم يكن لديه المال الكافي لدفع ثمنها أو دفع دفعة مقدمة. وعلى الرغم من أن وظيفته ثابتة فإنه لا يمتلك مدخرات أو سجلاً ائتمانياً، لذلك عندما تآكلت إطارات سيارته لم يستطع تحمل تكلفة استبدالها بالكامل.
اقترح عليه زميل له استخدام أحد تطبيقات الهاتف المحمول المالية التي تقدم قروضاً صغيرة فورية لطلب قرض، وبالفعل تمكن هاني من شراء الإطارات ودفع ثمنها على أقساط دون فوائد من راتبه. وقد ذكر في سياق تجربته: "لم أشعر حتى بأنني دفعت ثمن الإطارات بالجملة". واليوم يتحقق هاني من أرصدته ويسدد القرض عبر هاتفه الذكي بسهولة، وهو تحول جذري عن اعتماده السابق على النقد.
توضح قصة هاني كيف يمكن لتطبيق هاتف بسيط أن يحدث نقلة نوعية في الوصول المالي للفئات الأقل حظاً، حيث وفر ظهور التكنولوجيا المالية حلاً قابلاً للتطوير وفعالاً من حيث التكلفة مستفيداً من البنية التحتية المتنقلة واسعة الانتشار لشبكات الهواتف المحمولة لتقديم الخدمات مباشرةً إلى المجتمعات المهمشة، من خلال ابتكارات مثل الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول.
ومع ذلك، تظل هذه القصص نادرة؛ فلا يزال يوجد مئات الملايين حول العالم بلا حسابات مصرفية، حيث لا يزال ما يقرب من 1.4 مليار شخص بالغ حول العالم لا يملكون حسابات مصرفية وفقاً لبيانات البنك الدولي، ما يشكل تحدياً تنموياً حاسماً، ويمثل إخفاقاً ذريعاً للسوق العالمية، فما هو دور التكنولوجيا المالية في تقديم الخدمات المصرفية والائتمانية للفئات المحرومة أو غير المتعاملة مع البنوك؟
اقرأ أيضاً: قوة التكنولوجيا: السر وراء صعود شركات التكنولوجيا المالية
تعريف الإقصاء: التحدي المزدوج لعدم وجود حسابات مصرفية ونقصها
فشل القطاع المالي الرسمي تاريخياً في خدمة الفئات الأكثر ضعفاً في العالم. ويشكل هذا الإخفاق عوائق كبيرة أمام المرونة الاقتصادية والنمو، حيث تتجلى ضرورة الخدمات المالية الرسمية بوضوح تام في المناطق التي لا يزال فيها الإقصاء مرتفعاً بشكل مستمر، ما يحد من الفرص الاقتصادية ويضعف قدرة المنطقة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.
على سبيل المثال، لا يمتلك ما يقرب من 64% من البالغين في المنطقة العربية حسابات مالية رسمية، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 24%، ما يضطر أصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون كلياً على النقد إلى اللجوء إلى جهات إقراض غير رسمية عالية التكلفة للحصول على الائتمان، كما تتطلب المعاملات الرئيسية نقلاً مادياً محفوفاً بالمخاطر ويستغرق وقتاً طويلاً.
علاوة على ذلك، فإن الإقصاء ليس متساوياً؛ فالتحيزات الهيكلية تفاقم المشكلة، مثل التفاوت الصارخ بين الجنسين في المنطقة العربية، حيث تمتلك 29% فقط من النساء حسابات مصرفية، إذ تكمن المشكلة الأساسية بعمق ليس فقط في البنية التحتية ولكن أيضاً في نقص آليات تقديم الخدمات الموثوقة والمحلية وفي صرامة اللوائح التنظيمية.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن تسهم التقنية المالية في إدارة المخاطر في المؤسسات المالية؟
ما هي العوائق الرئيسية التي منعت البنوك من تقديم الخدمات المصرفية للفئات الضعيفة؟
أثبتت المؤسسات المالية التقليدية عجزها الهيكلي عن خدمة الفئات الضعيفة أو البعيدة جغرافياً، ما أدى إلى هذا الاستبعاد المستمر. وتنبع العوائق الرئيسية من ثلاثة عوامل متشابكة:
- تكاليف التشغيل الباهظة: تعتمد نماذج الخدمات المصرفية التقليدية على الفروع المادية، ورواتب الموظفين، والبنية التحتية الأمنية. هذه التكاليف التشغيلية الباهظة تجعل خدمة الفئات السكانية قليلة المعاملات والمتفرقة جغرافياً، خاصة في المناطق الريفية، غير مجدية اقتصادياً للبنوك الكبيرة.
- أزمة القدرة على تحمل التكاليف: تشكل تكاليف الخدمة المباشرة عائقاً رئيسياً للأفراد أصحاب الدخل المحدود. في بعض البلدان يمكن أن تتجاوز تكلفة فتح حساب وإجراء المعاملات الأساسية 2% أو حتى 5% من متوسط الدخل الشهري للفرد.
- عائق تحديد الهوية: تلزم البنوك العملاء بتقديم وثائق هوية رسمية لتلبية متطلبات الامتثال لفتح الحسابات، ولأن عدداً كبيراً من الناس حول العالم يفتقرون إلى هذه الوثائق المطلوبة، يستبعدون فوراً من الأنظمة الرسمية، بغض النظر عن احتياجاتهم المالية.
كيف تسهم التكنولوجيا المالية في تحقيق الشمول المالي؟
تعالج التكنولوجيا المالية هذه الإخفاقات الهيكلية من خلال استخدام التكنولوجيا بعدة طرق أساسية منها:
- الأموال عبر الهاتف المحمول والمحافظ الإلكترونية
تتمثل أنجح آلية للشمول المالي الشامل في دمج الخدمات المالية مع شبكات الهاتف المحمول، وهو ما يعرف بـ "تأثير M-Pesa"، حيث يربط هذا الابتكار الحسابات المصرفية بأرقام الهواتف المحمولة، وليس بفروع البنوك مستفيداً من تقنية بيانات الخدمة التكميلية غير المهيكلة (يو إس إس دي USSD) المعتمدة على الرسائل النصية.
إذ يتطلب النظام فقط اتصالاً أساسياً بشبكة هاتف محمول، ويعمل على الهواتف ذات المواصفات المنخفضة، ما يغني عن الهواتف الذكية باهظة الثمن أو الإنترنت الموثوقة، ويسمح للمستخدمين بتوفير المال، وتحويل الحوالات المالية، ودفع الفواتير حتى في أكثر المناطق عزلة جغرافياً أو رقمياً.
وقد حققت خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول إنجازين مهمين عام 2024 هما:
- تجاوز حاجز ملياري حساب مسجل.
- الإبلاغ عن أكثر من نصف مليار مستخدم نشط شهرياً حول العالم، وفقاً لتقرير حالة الصناعة حول المال المحمول لعام 2025 الصادر عن برنامج تحالف مشغلي شبكات الجوال (GSMA) للنقود المحمولة. بالإضافة إلى معالجة معاملات تجاوزت قيمتها 1.68 تريليون دولار عام 2024 وحده، ما يؤكد دوره الحاسم في النشاط الاقتصادي العالمي.
علاوة على ذلك، تعد التكنولوجيا المالية أداة قوية لمعالجة التفاوت بين الجنسين، ففي العديد من المجتمعات العربية حيث تواجه النساء قيوداً على الحركة أو لا يمتلكن وثائق هوية رسمية، توفر المحافظ الرقمية وسيلة لإنشاء "الهوية المالية" تمكنهن من تلقي المساعدات الاجتماعية، أو بدء مشاريع صغيرة، أو الحصول على تحويلات مالية دون الحاجة إلى موافقة أو وسيط، ما يعزز استقلالهن الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الصين الرائدة في التكنولوجيا المالية؟ ولماذا يعجز الغرب عن اللحاق بها؟
- الخدمات المصرفية بالوكالة: الهجين الرقمي-المادي
في حين تسهم الأموال المتنقلة في رقمنة المعاملات، لا تزال البنية التحتية المادية ضرورية لوظائف الإيداع والسحب النقدي، ومن ثم توفر شبكة الخدمات المصرفية بالوكالة هذا الهجين "الرقمي-المادي" الضروري، مستخدمة أصحاب المتاجر المحلية وتجار التجزئة أو الشركات الصغيرة المزودة بتطبيقات الهاتف المحمول أو أجهزة نقاط البيع للعمل كأجهزة صراف آلي بشرية في مجتمعاتهم.
يعتمد نجاح هذه الشبكات بشكل كبير على استدامة نموذج أعمال الوكيل، لا سيما في المناطق الريفية، حيث يكون حجم المعاملات منخفضاً.
وتعد منصة "فوري" في مصر مثالاً رائداً للخدمات المالية بالوكالة، فهي تستخدم ملايين نقاط البيع المنتشرة في الأحياء والمتاجر الصغيرة لتمكين المواطنين من دفع فواتير الخدمات، ورسوم الجامعات، وإعادة شحن الهواتف، وخدمات حكومية أخرى. هذا النجاح يجسد كيفية تحويل المتاجر التقليدية إلى بنية تحتية مالية غير مصرفية.
- ثورة البيانات: تقديم قروض الائتمان للمهمشين
يفتقر غير المتعاملين مع البنوك أو الذين لا يحصلون على تمويل كافٍ إلى تاريخ رسمي، ما يمنعهم من الحصول على الائتمان. تعالج التكنولوجيا المالية هذه المشكلة من خلال منهجية التقييم الائتماني البديل للبيانات.
وهي طريقة تحلل بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعليم الآلي أنماط الإشارات غير التقليدية، مثل مدفوعات فواتير الخدمات، وسجل استخدام الهاتف المحمول والمدفوعات (بيانات شركات الاتصالات) وبيانات المعاملات من المنصات الرقمية.
من خلال هذه الطريقة، يمكن التنبؤ بفاعلية بالجدارة الائتمانية للمقترضين "دون ملفات" أو "أصحاب الملفات المحدودة"، بمن فيهم المهاجرون والعاملون في القطاع الخاص والشباب. تحدث هذه القدرة تحولاً جذرياً في تقييم مخاطر الائتمان مخففةً من عدم تناسق المعلومات الذي استبعد هذه الفئات تاريخياً.
على سبيل المثال، في الأردن تعمل منصة الدفع الإلكتروني الموحد "إي - فواتيركم" حلاً موثوقاً لكيفية إنشاء سجل دفع رقمي موثوق. فكل مدفوعات الخدمات الأساسية تجري عبرها، ما يوفر للجهات المقرضة سجلاً رسمياً لالتزام الأفراد، وهو سجل كان غائباً قبل رقمنة هذه المدفوعات.
اقرأ أيضاً: ما هي التوجهات العالمية التي لا يمكن للبنوك تجاهلها في المال والتكنولوجيا؟
ما هي القيود التنظيمية الرئيسية التي لا تزال تعوق التوسع المسؤول للخدمات المالية الرقمية؟
على الرغم من الإمكانات التكنولوجية الواعدة، فإن توسع الخدمات المالية الرقمية مقيد بتحديات كبيرة منها:
فجوات البنية التحتية وضعف المستهلك
يعد استمرار الفجوة الرقمية أبرز القيود، فحتى مع الانتشار الواسع لشبكات الهاتف المحمول فإن نقص الأجهزة بأسعار معقولة وتوفر الكهرباء وتغطية الشبكة في المناطق التي يصعب الوصول إليها يعني أن الحلول الرقمية لا تزال غير متاحة، ما يعزز في كثير من الأحيان التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
علاوة على ذلك، يتطلب النجاح الثقة، وليس مجرد الوصول، إذ يفتقر العديد من المستخدمين الجدد إلى الثقافة الرقمية أو الثقافة المالية اللازمة للتعامل بأمان مع المنتجات المالية المعقدة، ففي المناطق التي تعاني تهميشاً كبيراً، يمكن أن يشكل انعدام الثقة في المؤسسات الرسمية -ما يعرف بـ "فجوة الثقة"- عائقاً أكبر من المسافة الجغرافية.
الحماية ومخاطر الاستغلال
تعد سرعة التمويل الرقمي وسهولته مخاطر كبيرة أيضاً، حيث تشكل رقمنة المعاملات والهوية عوامل جديدة لانتشار الجرائم المالية، بما في ذلك عمليات الاحتيال الرقمي المعقدة التي تستهدف المستخدمين عديمي الخبرة وسرقة الهوية.
علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي انتشار القروض الصغيرة الرقمية غير المضمونة إلى الإفراط في الاستدانة خاصة بين المستخدمين أصحاب الثقافة المالية المحدودة، كما يمكن لمنتجات مثل قروض: "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" أن تخفي التكلفة الحقيقية للاقتراض لأنها غالباً ما تعمل خارج سجلات الائتمان الرسمية، ما يمنع مكاتب الائتمان والهيئات التنظيمية من تتبع إجمالي الدفع المالي للمستهلكين بدقة.
المخاطر النظامية والتنظيمية
مع تزايد اعتماد النظام المالي على التكنولوجيا المشتركة، قد تظهر مخاطر نظامية جديدة مثل "مخاطر تركيز المنصات"، وتعني اعتماد العديد من المؤسسات المالية في وظائفها الأساسية، مثل معالجة المدفوعات أو الاستضافة السحابية، على عدد قليل من مزودي خدمات التكنولوجيا المسيطرين. إذ يمكن لحوادث خرق البيانات أو أي اضطراب تكنولوجي كبير على مزود واحد أن يؤثر بدوره في جزء كبير من القطاع المالي في آنٍ واحد، ما قد يؤدي إلى فشل نظامي.
اقرأ أيضاً: مرثاة الدفع نقداً: التكنولوجيا التي قد لا نستبدل بها على الإطلاق
المسار المستقبلي للتكنولوجيا المالية: التمويل المشمول وصعود التمويل المفتوح
يتجه السوق نحو التمويل المشمول، حيث تستفيد الجهات الفاعلة غير التقليدية من تطبيقات مشاركة الركوب ومنصات التجارة الإلكترونية، وتستخدم المؤسسات المالية علاقاتها الحالية مع العملاء وبيانات معاملاتهم لتقديم القروض والمدخرات والتأمين.
ويعزى هذا التغيير إلى التبني السريع لمفهوم التمويل المفتوح، فبينما يركز نظام الخدمات المصرفية المفتوحة على مشاركة بيانات حسابات الدفع مع جهات خارجية (بموافقة العميل)، يوسع التمويل المفتوح نطاقه ليشمل مجموعة أغنى بكثير من مدخلات البيانات المالية، مثل بيانات الرواتب والتأمين والاستثمار والوساطة.
يوفر هذا الوصول رؤية فورية للحياة المالية الكاملة للفرد، ما يسمح للمؤسسات المالية بإنشاء ملفات تعريف للمقترضين أكثر شمولاً وسرعة ودقة، الذي يؤدي بدوره إلى تحسين عملية اتخاذ قرارات المخاطر والاكتتاب لأولئك الذين كانوا يعتبرون سابقاً شديدي الخطورة.
وسيستفيد دمج الذكاء الاصطناعي من ثراء هذه البيانات، حيث من المتوقع أن يشغل الذكاء الاصطناعي التوليدي مساعدين ماليين متطورين قادرين على أتمتة استراتيجيات الادخار الصغيرة الشخصية، وتقديم خطط مخصصة لإدارة الديون، وتقديم توصيات استثمارية لمساعدة الأفراد أصحاب الدخل المنخفض على تجاوز التعقيدات وبناء مدخرات احتياطية.