التعلم الآلي (Machine Learning) هو فرع من فروع الذكاء الاصطناعي يهدف إلى تمكين الكمبيوتر من التعلم من البيانات واتخاذ القرارات أو إجراء التنبؤات دون أن تكون مبرمجة بشكل صريح لمعالجة كل حالة على حدة. أي بدلاً من برمجة الكمبيوتر بأوامر ثابتة، يدرب نموذج على البيانات ليتعلم الأنماط ويطبقها على بيانات جديدة.
يعد التعلم الآلي اليوم من أهم التقنيات المؤثرة في حياتنا اليومية. فهو وراء اقتراحات الأفلام على منصات البث، ونجاح أنظمة التعرف إلى الوجوه في الهواتف الذكية للقيام بعملها والترجمة الآلية، وحتى تشخيص الأمراض في القطاع الصحي.
اقرأ أيضاً: إلغاء التعلم الآلي: الحل الجديد لمنع استنساخ الأصوات في الذكاء الاصطناعي
كيف تختلف الخوارزميات عن البرامج التقليدية؟
في البرمجة التقليدية، يكتب المبرمج سلسلة من الأوامر التي تملي على الكمبيوتر كيف ينفذ مهمة معينة. أما في التعلم الآلي، فتحل محلها سلسلة خوارزميات، وهي مجموعة من القواعد الرياضية التي تسمح للكمبيوتر بأن يتعلم من البيانات بدلاً من الاعتماد على أوامر يدوية يدخلها المبرمج.
عند تدريب خوارزمية التعلم الآلي، نتيح لها مثالاً أو بيانات ذات مخرجات معروفة (بيانات مصنفة)، أو دون مخرجات (بيانات غير مصنفة)، وتتعلم الخوارزمية من هذه البيانات لاستخلاص الأنماط. وتكون النتيجة النهائية هي نموذج مدرب يمكنه تطبيق ما تعلمه على بيانات جديدة.
مثال:
لنفترض أننا نريد إنشاء نظام يتنبأ برسائل البريد الإلكتروني المزعجة spam:
- البيانات (المدخلات والمخرجات)
نقدم للخوارزمية مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني، وكل رسالة مرفقة بالنتيجة الصحيحة في حال البيانات المصنفة:
| التصنيف | نص الرسالة |
| الرسائل غير المرغوب فيها | أربح هدية مجانية الآن! |
| الرسائل الواردة | اجتماع عند العاشرة صباحاً |
| الرسائل غير المرغوب فيها | هل تريد إضافة المزيد إلى رصيدك البنكي؟ |
| الرسائل الواردة | مرفق تقرير المشاريع |
هنا المدخلات هي نصوص الرسائل، والمخرجات هي تصنيف الرسائل.
- ماذا تفعل الخوارزمية؟
الخوارزمية لا "تفهم" اللغة كما يفهمها الإنسان، لكنها:
- تحول الكلمات إلى أرقام.
- تلاحظ أن كلمات مثل ربح، ورصيد، ومجاناً، وهدية تظهر كثيراً في الرسائل المصنفة كرسائل غير مرغوب فيها أو Spam
- وتلاحظ أن كلمات مثل مرفق، ومشاريع، وتقرير، واجتماع تظهر غالباً في الرسائل العادية.
- عملية التعلم
تمر الخوارزمية بعملية متكررة:
- تتنبأ: هل الرسالة سبام أم لا؟
- تقارن التنبؤ بالنتيجة الحقيقية.
- تحسب الخطأ.
- تعدل نفسها لتقليل الخطأ في المرة القادمة.
بعد عدد كبير من الأمثلة، تتعلم الخوارزمية الأنماط الخفية في البيانات.
- النتيجة: نموذج مدرب
بعد التدريب، يصبح لدينا نموذج قادر على التعامل مع رسائل جديدة لم يرها من قبل.
- تطبيق ما تعلمه (التنبؤ)
نقدم للنموذج رسالة جديدة: "هدايا مجانية بانتظارك"
على الرغم من أن هذه الرسالة غير موجودة في بيانات التدريب، فإن النموذج يتعرف على كلمات شبيهة برسائل سبام السابقة، فيتنبأ بأنها سبام
لو أعطينا الخوارزمية فقط آلاف الرسائل دون تصنيف، فقد تفعل تلقائياً:
- تجميع الرسائل المتشابهة مع بعضها بعضاً.
- اكتشاف أن مجموعة منها تحتوي على كلمات ترويجية متكررة.
ملاحظة: النموذج هو ملف رياضي مدرب يحتوي على أوزان (Weights) واحتمالات وقواعد إحصائية تم تعلمها مسبقاً من آلاف أو ملايين رسائل البريد الإلكتروني المصنفة.
هذا النموذج لا يكون داخل الإيميل نفسه، بل يكون جزءاً من نظام البريد الإلكتروني، أو خادم خلفي (Mail Server)، أو خدمة ذكاء اصطناعي متصلة بخادم البريد.
اقرأ أيضاً: التعلم الآلي يكتشف 3 مركبات عشبية تحارب شيخوخة الخلايا
المكونات الأساسية للتعلم الآلي
لكي يعمل نظام تعلم آلي، هناك ثلاثة مكونات أساسية يجب وجودها:
- البيانات: وهي المعلومات أو الأمثلة التي يتعلم النظام منها.
- النموذج: تمثيل رياضي يتعلم من البيانات.
- دالة الخطأ: تقيس مدى دقة النموذج وتساعد على تحسينه بتعديل المعاملات.
هذه المكونات تعمل معاً بطريقة تشبه التجربة والخطأ: الخوارزمية تحاول أن تتنبأ، ثم تقيس خطأها، ثم تعدل نفسها لتحسن النتائج في المرات القادمة.
اقرأ أيضاً: يحلل المشاعر ويقيس الأداء: تعرف على تطبيقات التعلم الآلي بالشبكات الاجتماعية
أنواع التعلم الآلي الرئيسية
تصنف خوارزميات التعلم الآلي عادةً إلى ثلاث فئات رئيسية:
1. التعلم الخاضع للإشراف (Supervised Learning)
في هذا النوع، تدرب الخوارزمية باستخدام بيانات مصنفة تشتمل على أمثلة معروفة النتائج. الهدف هو أن تتعلم الخوارزمية علاقة الإدخالات بالمخرجات وتتمكن من التنبؤ بالمخرجات عند تقديم بيانات جديدة.
أمثلة على مهام التعلم الخاضع للإشراف:
- التصنيف: مثل تحديد ما إذا كانت رسالة البريد الإلكتروني "سبام" أم لا.
- الانحدار: مثل التنبؤ بأسعار المنازل بناءً على المساحة والموقع.
2. التعلم غير الخاضع للإشراف (Unsupervised Learning)
هنا لا تكون البيانات مصنفة، حيث تبحث الخوارزمية عن أنماط وخصائص مشتركة في البيانات من تلقاء نفسها، مثل تجميع البيانات في مجموعات.
مثال شائع: التجميع (Clustering)، مثل تقسيم العملاء إلى مجموعات ذات سلوكيات مشابهة دون وجود تسميات مسبقة.
3. التعلم المعزز (Reinforcement Learning)
في هذا النوع، يتعلم النظام من التجربة والخطأ من خلال التفاعل مع بيئة ما، بغرض تحقيق أكبر قدر من المكافأة. يعتمد هذا المجال بشكل واسع في الألعاب والروبوتات، بالإضافة إلى الوكلاء التي تتخذ قرارات في كل خطوة وتحصل على مكافآت إيجابية أو سلبية، ومن ثم تتعلم تحسين قراراتها.
هناك أيضاً أنواع أخرى مثل التعلم شبه الخاضع للإشراف (Semi-Supervised) والتعلم الذاتي الإشرافي (Self-Supervised)، يجمعان بين الأساليب السابقة حسب نوع البيانات المتوفرة.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن للصيانة التنبؤية المدعومة بالتعلم الآلي أن تفيد قطاع تجارة التجزئة؟
أمثلة على خوارزميات شائعة وكيف تعمل
الانحدار الخطي (Linear Regression)
هي واحدة من أبسط خوارزميات التعلم الخاضع للإشراف وتستخدم للنمذجة التنبؤية. عند إعطاء البيانات المدخلة والمخرجات المعروفة، تحاول الخوارزمية إيجاد أفضل خط مستقيم يناسب البيانات، بحيث يقلل الفرق بين التوقعات والنتائج الحقيقية.
شجرة القرار (Decision Tree)
شجرة القرار هي خوارزمية تصنيفية تقسم البيانات إلى أقسام بناءً على خصائص معينة حتى الوصول إلى قرار نهائي. يمكن تصورها مثل مخطط أسئلة "نعم/لا" لتحديد الفئة المناسبة.
دعم المتجهات (Support Vector Machine – SVM)
هي تقنية تعلم خاضع للإشراف تستخدم في التصنيف والتمييز بين الفئات من خلال إيجاد أقصى حد فاصل بين المجموعات في الفضاء الرياضي. تستخدم تقنية "الأنوية" لتطبيق التقسيم حتى في الحالات غير الخطية.
التعلم المعزز Q-Learning
هو خوارزمية يتعلم فيها الوكيل أن يربط الأفعال في حالة معينة بالمكافآت المتوقعة بقيم تعرف باسم دالة Q. هذا يمكنه من اختيار الأفعال التي تعظم المكافأة المستقبلية. تخيل روبوتاً أو شخصاً يتعلم من التجربة. في البداية يخطئ ويضيع، ثم يبدأ بتذكر النتائج: أي فعل يقربه من الهدف وأي فعل يبعده. مع الوقت، يختار دائماً الأفعال الأفضل. هذا هو التعلم المعزز: تعلم من المكافآت لتعظيم النجاح، سواء في لعبة أو الحياة اليومية.
اقرأ أيضاً: هل يتمكن التعلم الآلي من تسريع عمليات تطوير معادن جديدة؟
كيف تتعلم الخوارزميات فعلياً؟ خطوات عامة
عملية التعلم الآلي تمر عادة بخمس مراحل رئيسية:
- جمع البيانات: تجميع الأمثلة التي ستستخدم لتدريب النموذج.
- معالجة البيانات وتنظيفها: إزالة الأخطاء والقيم الناقصة وتحويل البيانات إلى صيغة قابلة للمعالجة.
- اختيار الخوارزمية المناسبة: اعتماداً على نوع المشكلة (تصنيف، تجميع، تنبؤ).
- التدريب والتحسين: تعديل المعاملات باستخدام دالة الخطأ لتحسين الأداء مع تكرار التدريب.
- الاختبار والتقييم: التأكد من أن النموذج مدرب جيداً ويمكنه التعميم على بيانات جديدة.
اقرأ أيضاً: هيكل خارجي يستخدم التعلم الآلي لمساعدة ذوي القدرة المحدودة على المشي
أين تستخدم خوارزميات التعلم الآلي في حياتنا؟
التعلم الآلي ليس تقنية مستقبلية بحتة، بل هو جزء من الواقع اليومي في:
- التجارة الإلكترونية: اقتراح المنتجات التي قد تعجبك بناءً على مشتريات سابقة.
- الرعاية الصحية: تحليل الصور الطبية والتنبؤ بالأمراض.
- التمويل: كشف الاحتيال والتنبؤ باتجاهات السوق.
- السيارات الذاتية القيادة: اتخاذ قرارات في الزمن الحقيقي بناءً على البيانات القادمة من الحساسات.
هذه التطبيقات توضح كيف تغير الخوارزميات طريقة تعاملنا مع التكنولوجيا والبيانات، وتفتح إمكانات واسعة عبر مختلف الصناعات.
اقرأ أيضاً: التعلم الآلي يتنبأ بما إذا كنت ستنفصل عن شريك حياتك
التحديات المستقبلية لاستخدام التعلم الآلي في حياتنا اليومية
التحيز في البيانات
أحد أكبر التحديات في التعلم الآلي هو التحيز الموجود في البيانات نفسها، إذ تعتمد خوارزميات التعلم الآلي على البيانات لتعلم الأنماط واتخاذ القرارات. فإذا كانت هذه البيانات غير متوازنة أو غير تمثيلية للحالات جميعها، فإن النموذج قد يتعلم سلوكيات غير عادلة أو نتائج غير دقيقة.
على سبيل المثال، إذا درب نظام توظيف آلي على بيانات موظفين سابقة تحتوي على تفضيل لمجموعة معينة، فقد يستمر النموذج في تكرار هذا التحيز دون وعي. هذا قد يؤدي إلى تمييز غير مقصود ويقلل موثوقية النظام في التطبيقات الحياتية.
صعوبة تفسير النتائج
بعض نماذج التعلم الآلي الحديثة مثل الشبكات العصبونية العميقة تتمتع بقدرة عالية على التنبؤ، لكنها غالباً ما تكون "صندوقاً أسود"؛ أي أن فهم سبب اتخاذ النموذج قراراً معيناً قد يكون صعباً للغاية.
في الحياة اليومية، مثل التطبيقات الطبية أو المالية، يحتاج المستخدمون والموظفون أيضاً إلى تفسير واضح للنتائج، وليس مجرد توقع آلي. إذا لم يكن بالإمكان شرح السبب وراء قرار النموذج، فإن ذلك قد يحد من الثقة في استخدامه أو حتى يؤدي إلى رفض النتائج.
الاعتماد على جودة البيانات وكميتها
تعتمد دقة أي نموذج تعلم آلي بشكل كبير على كمية البيانات المتاحة وجودتها. يمكن أن تؤدي البيانات غير الكافية أو الملوثة بالأخطاء إلى نماذج ضعيفة أو مضللة.
في الحياة اليومية، يمكن أن يكون ذلك واضحاً في التطبيقات مثل التنبؤ بالطقس والتشخيص الطبي أو أنظمة التوصية، وكلما زادت جودة البيانات وكانت أكثر تمثيلاً للواقع، كانت النتائج أدق وأكثر موثوقية. ولكن جمع بيانات كبيرة وعالية الجودة يمثل تحدياً تقنياً وأخلاقياً، خصوصاً مع قوانين حماية الخصوصية وحقوق الأفراد.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن تطوير نماذج تعلم آلي دون خبرة برمجية أو تقنية؟
التعلم الآلي أكثر من مجرد برمجة؛ إنه نهج جديد لحل المشكلات من خلال الاستفادة من البيانات والتعلم من الخبرة. مع استمرار تطور الخوارزميات وتوسع استخدامها، أصبح فهم مبادئها الأساسية أمراً ضرورياً لأي شخص يعمل في التكنولوجيا أو حتى يتفاعل معها يومياً. التعلم الآلي ليس مجرد رفاهية للمبرمجين، بل قوة تقنية تغير العالم حولنا.