في 28 أبريل/نيسان من عام 2022، وفي حفل موسيقي مرتقب في مدينة سبوكين بولاية واشنطن، أذهل الموسيقار بول مكارتني جمهوره بتطبيق رائد للذكاء الاصطناعي: فقد بدأ أداء عرض موسيقي مع تصوير نابض بالحياة لشريكه الموسيقي الراحل منذ فترة طويلة، جون لينون.
وباستخدام التطورات الحديثة التي تحققت في معالجة الصوت والفيديو، أخذ المهندسون الأداء الأخير للثنائي (في لندن عام 1969)، وفصلوا صوت لينون وصورته عن المزيج الأصلي وأعادوا ترميمهما بوضوح نابض بالحياة.
على مدى سنوات، عمل باحثون مثلي على تعليم الآلات "الرؤية" و"السمع" لجعل مثل هذه اللحظة ممكنة. وبينما بدا أن مكارتني ولينون قد التقيا من جديد عبر الزمان والمكان، خيم الصمت على القاعة، وانهمرت دموع الكثير من الحضور. وبصفتي عالماً في مجال الذكاء الاصطناعي ومحباً لفرقة البيتلز منذ الصغر، شعرت بامتنان عميق لأننا استطعنا أن نعيش هذه اللحظة التي غيرت مجرى حياتنا.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، انبهر العالم بإنجاز كبير آخر: محادثة الذكاء الاصطناعي. فلأول مرة في التاريخ، أصبحت الأنظمة القادرة على توليد تعليقات جديدة ذات صلة بالسياق في الوقت الحقيقي، حول أي موضوع تقريباً، متاحة على نطاق واسع بفضل إطلاق تشات جي بي تي. أصبح المليارات من الأشخاص فجأة قادرين على التفاعل مع الذكاء الاصطناعي. وقد أشعل هذا الأمر خيال الجمهور حول إمكانات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى انفجار الأفكار الإبداعية والآمال والمخاوف.
بعد حصولي على درجة الدكتوراة في مجال توليد اللغات بمساعدة الذكاء الاصطناعي (الذي كان يعتبر لفترة طويلة مجالاً متخصصاً)، شعرت بسعادة غامرة لأننا وصلنا إلى هذا الحد. لكن الرهبة التي انتابتني كان ينافسها غضبي المتزايد من سيل الآراء الإعلامية والخبراء المدعين، الذين نصبوا أنفسهم خبراء، يصرون على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على فعل أشياء لا يستطيع فعلها ببساطة، ويحذرون من أن أي شخص لا يتبناه سيتخلف عن الركب.
اقرأ أيضاً: لا تقلق! تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف لا يزال محدوداً
سوء فهم واسع النطاق حول ماهية الذكاء الاصطناعي
ساهم هذا الضجيج في انتشار سوء فهم واسع النطاق حول ماهية الذكاء الاصطناعي في الواقع وما يمكنه فعله وما يعجز عنه. والأهم من ذلك هو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل تشتيتاً مغرياً عن نوع الذكاء الاصطناعي الذي من المرجح أن يجعل حياتك أفضل، أو حتى ينقذها: الذكاء الاصطناعي التنبؤي. على النقيض من الذكاء الاصطناعي المصمم للمهام التوليدية، يتضمن الذكاء الاصطناعي التنبؤي مهام ذات مجموعة محدودة ومعروفة من الإجابات؛ كل ما على النظام هو معالجة المعلومات لتحديد الإجابة الصحيحة. ويعد التعرف على النباتات مثالاً أساسياً على ذلك: وجه كاميرا هاتفك نحو نبتة ما، وسيتعرف النظام عليها ويزودك باسمها ومعلومات عنها. في المقابل، لا تحتوي المهام التوليدية على مجموعة محدودة من الإجابات الصحيحة؛ إذ يجب على النظام أن يدمج بين مقتطفات من المعلومات التي سبق أن تدرب عليها لإنشاء صورة جديدة للنبات على سبيل المثال.
إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي المتضمنة في بوتات الدردشة وتطبيقات مبادلة الوجوه والفيديوهات المصنعة تقدم عروضاً توضيحية مذهلة، وتجذب النقرات على الروابط التشعبية وتزيد المبيعات، إذ يتخيل المشاهدون أن الذكاء الاصطناعي الخارق قادر على تحقيق الوفرة أو جلب الفناء. في المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي التنبؤي يعمل بهدوء على تحسين التنبؤ بالطقس وسلامة الغذاء، وتمكين إنتاج موسيقى عالية الجودة، والمساعدة في تنظيم الصور، والتنبؤ بدقة بأسرع طرق القيادة. نحن ندمج الذكاء الاصطناعي التنبؤي في حياتنا اليومية دون أن نفكر في ذلك، وهذا دليل على فائدته التي لا غنى عنها.
اقرأ أيضاً: عصر المؤامرة الرقمية: كيف أصبح الذكاء الاصطناعي العام أسطورة القرن؟
تقدم هادئ وهائل للذكاء الاصطناعي التنبؤي
وللتعرف على التقدم الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي التنبؤي وإمكاناته المستقبلية، يمكننا استعراض مساره خلال السنوات العشرين الماضية. ففي عام 2005 لم يكن الذكاء الاصطناعي قادراً على التمييز بين الإنسان وقلم الرصاص. وبحلول عام 2013، كان الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن اكتشاف طائر في صورة بدقة، وكان التمييز بين المشاة وزجاجة الكولا محيراً للغاية (وهكذا اكتشفت أن الزجاجات تشبه الأشخاص إلى حد ما، لو لم يكن للبشر رؤوس). كان مجرد التفكير في تطبيق هذه الأنظمة في العالم الحقيقي ضرباً من الخيال العلمي.
ولكن على مدى السنوات العشر الماضية، لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي التنبؤي بالكشف عن الطيور بكل أنواعها فحسب، بل حسن بسرعة الخدمات الطبية الحيوية مثل تحديد الآفات الإشكالية وعدم انتظام ضربات القلب. وبفضل هذه التكنولوجيا، يمكن للعلماء أن يتنبؤوا بوقوع الزلازل، ويمكن لخبراء الأرصاد الجوية التنبؤ بالفيضانات بدرجة من الموثوقية غير المسبوقة. وقد ارتفعت الدقة إلى حد كبير بالنسبة للتكنولوجيا الموجهة للمستهلكين التي تكتشف كل شيء وتصنفه بدءاً من الأغنية التي تفكر فيها عندما تدندن لحناً ما إلى الأشياء التي يجب تجنبها في أثناء القيادة، ما يجعل السيارات الذاتية القيادة حقيقة واقعة.
في المستقبل القريب جداً، يجب أن نكون قادرين على اكتشاف الأورام بدقة والتنبؤ بالأعاصير قبل أن تؤذي أي شخص بوقت طويل، ما يحقق آمال الناس في أنحاء العالم كافة. قد لا يكون هذا الأمر مبهراً مثل إنتاج فيلم على غرار الأفلام التي ينتجها تطبيق استوديو غيبلي على هاتفك، ولكنه يستحق كل هذا الحماس بالتأكيد.
وقد ثبت أيضاً أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية مفيدة للغاية عندما تستفيد من تقنيات توليدية معينة ضمن مجموعة محدودة من الخيارات. تتنوع الأنظمة من هذا النوع، حيث تشمل كل شيء بدءاً من تصور الأزياء وصولاً إلى الترجمة بين اللغات. وقريباً، ستتيح الأنظمة الهجينة التوليدية التنبؤية إمكانية استنساخ صوتك وأنت تتحدث لغة أخرى في الزمن الحقيقي، وهي وسيلة مساعدة استثنائية للسفر (مع مخاطر كبيرة لانتحال الشخصية). ثمة مجال كبير للنمو هنا، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقدم قيمة حقيقية عند دعمه بأساليب تنبؤية قوية.
اقرأ أيضاً: أهمية الذكاء الاصطناعي في أعمال الصيانة التنبؤية للمؤسسات
كيف يستفيد الذكاء الاصطناعي التوليدي من التنبؤي؟
ولفهم الفرق بين هاتين الفئتين الرئيسيتين من الذكاء الاصطناعي، تخيل نفسك نظام ذكاء اصطناعي مكلفاً بعرض صورة قطة لشخص ما. يمكنك اتباع نهج توليدي، حيث يمكنك قص أجزاء صغيرة من صور قطط مختلفة (ربما من مصادر تعترض على ذلك) ولصقها لإنشاء صورة تبدو مثالية. إن قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث على إنتاج مثل هذه الصورة المجمعة المتقنة هي ما يجعله مذهلاً للغاية.
بدلاً من ذلك، يمكنك اتباع النهج التنبؤي: ببساطة، حدد موقع صورة قطة موجودة وأشر إليها. هذه الطريقة أقل جاذبية بكثير ولكنها أكفأ في استهلاك الطاقة وأدق على الأرجح، كما أنها تقر بالمصدر الأصلي. صمم الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء أشياء تبدو حقيقية؛ أما الذكاء الاصطناعي التنبؤي فيحدد ما هو حقيقي. وقد أدى سوء الفهم بأن الأنظمة التوليدية تسترجع الأشياء بينما هي تنشئها في الواقع إلى عواقب وخيمة عند التعامل مع النصوص، ما أدى إلى سحب الأحكام القانونية وسحب المقالات العلمية.
يعزى هذا الالتباس إلى ميل الناس إلى ترويج الذكاء الاصطناعي دون توضيح النوع الذي يتحدثون عنه (أظن أن الكثيرين يجهلون ذلك). من السهل جداً مساواة "الذكاء الاصطناعي" بالذكاء الاصطناعي التوليدي، أو حتى الذكاء الاصطناعي المولد للغة فقط، وافتراض أن القدرات الأخرى كلها تنبثق من هناك. هذه المغالطة منطقية للغاية: فالمصطلح يشير حرفياً إلى "الذكاء"، وغالباً ما يكون فهمنا البشري لمعنى "الذكاء" متأثراً باللغة. (تنبيه: لا أحد يعرف حقيقةً ما هو الذكاء). لكن عبارة "الذكاء الاصطناعي" صممت عمداً في الخمسينيات من القرن الماضي لإثارة الإعجاب والإشارة إلى شيء شبيه بالبشر. أما اليوم، فهي تشير فقط إلى مجموعة من التكنولوجيات المتباينة لمعالجة البيانات الرقمية. ويجد بعض أصدقائي أنه من المفيد تسميته بـ "الرياضيات المعقدة" بدلاً من ذلك.
إن التحيز نحو التعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي باعتباره أقوى أشكال الذكاء الاصطناعي وأكثرها واقعية أمر مثير للقلق نظراً لأنه يستهلك طاقة أكبر بكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية. كما أنه يعني استخدام العمل البشري الحالي في منتجات الذكاء الاصطناعي ضد رغبات مبتكريها الأصليين والاستعاضة عن الوظائف البشرية بأنظمة ذكاء اصطناعي اكتسبت قدراتها بفضل جهودهم في المقام الأول دون أي تعويض. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتمتع بقوة مذهلة، لكن هذا لا يعني أنه يجب سرقة جهود المبدعين.
اقرأ أيضاً: كيف تؤثر التحيزات السياسية في أداء بوتات الدردشة؟
الأساليب التنبؤية كافية أحياناً لإنجاز المهمات
بصفتي مطوراً لبرمجيات الذكاء الاصطناعي في مجال التكنولوجيا، أتابع هذا التطور من كثب، وقد استخلصت دروساً مهمة للخطوات التالية. من الواضح أن الجاذبية الواسعة النطاق للذكاء الاصطناعي مرتبطة بالطبيعة البديهية للتفاعلات القائمة على المحادثة. لكن طريقة التفاعل هذه تفرط في الوقت الحالي في استخدام الأساليب التوليدية في حين أن الأساليب التنبؤية كافية، ما يؤدي إلى وضع محرج ومربك للمستخدمين، ويكبدهم تكاليف باهظة في استهلاك الطاقة والاستغلال وفقدان الوظائف.
لم نشهد سوى لمحة خاطفة عن الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي، والحماس الحالي تجاه الذكاء الاصطناعي يعكس إمكاناته المحتملة لا إمكاناته الفعلية؛ فالأساليب القائمة على التوليد تستنزف الموارد، بينما لا تزال قاصرة بشأن تمثيل الأشخاص الذين تدمج أعمالهم في النظام ودقتهم ورغباتهم.
اقرأ أيضاً: 5 ميزات وطرق لتحويل تشات جي بي تي إلى أداة قوية لإنجاز مهامك المعقدة
إذا استطعنا تحويل التركيز من الضجة الإعلامية المحيطة بالتكنولوجيات التوليدية إلى التطورات التنبؤية التي تحدث تحولاً جذرياً في حياتنا اليومية، فسنتمكن من بناء ذكاء اصطناعي مفيد واعد ومستدام حقاً. فالأنظمة التي تساعد الأطباء على اكتشاف الأمراض في وقت مبكر، وتساعد العلماء على التنبؤ بالكوارث في وقت أبكر، وتساعد الناس العاديين على عيش حياتهم بأمان أكبر هي الأنظمة الأقدر على إحداث أكبر تأثير.
لن يحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي المفيد من خلال العروض البراقة، ولكن من خلال التقدم الهادئ والدقيق الذي يجعل التكنولوجيا جديرة بالثقة. وإذا بنينا على هذا الأساس -أي إقران القوة التنبؤية بممارسات أكثر نضجاً للبيانات وواجهات لغة طبيعية سهلة الاستخدام- فسيبدأ الذكاء الاصطناعي أخيراً بتحقيق الوعد الذي يتصوره الكثير من الناس اليوم.