في غضون شهرين فقط من انطلاقه في ديسمبر من عام 2024، استقطب بنك دي 360 (D360) السعودي نحو 600 ألف عميل محققاً أسرع معدلات اكتساب للعملاء لأي بنك رقمي في العالم، ويعكس في الوقت نفسه فجوة طالما تجاهلتها البنوك التقليدية، وهي التركيبة السكانية الشابة التي ترى في الهاتف الذكي بنكاً متكاملاً لا مجرد أداة للتواصل.
ولا يعزى هذا الواقع الديموغرافي إلى مجرد تفضيل للراحة، بل هو حجر الزاوية لواقع مصرفي رقمي شامل يجتاح العالم العربي حالياً، فبمتوسط سن يبلغ 22 عاماً تقريباً مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 28 عاماً، تمتلك المنطقة العربية شريحة واسعة من الشباب تشكل حافزاً قوياً لتبني خدمات المصارف الرقمية.
وقد فصل هذا الجيل الشاب الذي نشأ في بيئة رقمية مفهوم الخدمات المالية عن إرث المؤسسات التقليدية، فخلق سوقاً أصبحت فيه تطبيقات الهاتف المحمول هي البنك. فما هي العوامل الرئيسية التي تجعل شباب المنطقة العربية المحرك الأمثل لمستقبل مصرفي رقمي بالكامل؟
ما هي السلوكيات الرقمية لدى الشباب العربي التي تهيئ انتشار المصارف الرقمية؟
إن شريحة الشباب في المنطقة العربية -الذين يمثلون نحو 60% من السكان- ليست كبيرة الحجم فحسب، بل ملمة بالتقنية بشكل أعمق، ما خلق جيلاً من المواطنين الرقميين الذين يتفاعلون مع التكنولوجيا كجزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية.
وبالنسبة لهؤلاء المستهلكين الشباب، فإن الهاتف الذكي قد تحول بالفعل من أداة تواصل إلى محرك اقتصادي حيوي عززه في دول الخليج تحديداً تحول سلوكي يتصرف على أساسه الشباب على أن الخدمات المصرفية الرقمية ليست علاقة مؤسسية بل خدمة متاحة عند الطلب.
يعد هذا التحول عميقاً لدرجة تجاوز فيها استخدام الشباب العربي منصات التواصل الاجتماعي من مجرد الترفيه إلى التسوق وإجراء المعاملات. على سبيل المثال، حقق تطبيق تيك توك انتشاراً استثنائياً وسط شريحة الشباب السعودي، ما خلق حاجة ملحة لخدمات التمويل المدمج التي تتيح إتمام عمليات الشراء والدفع اللحظي الذي يتماشى مع نمط الحياة الحديث.
كما يؤكد الخبراء أن الابتكار وسهولة الاستخدام هما المحركين الرئيسيين لتبني أنظمة الدفع الرقمية وسط هذه الفئة، وهو ما توفره لهم البنوك الرقمية التي أدت إلى تراجع نماذج الدفع عند الاستلام مقابل الاعتماد على الحلول الرقمية، ما أسهم في تغيير جذري للأنماط الاستهلاكية التقليدية.
فوفقاً للبنك المركزي السعودي، استحوذت التطبيقات المالية الرقمية على نحو 79% من إجمالي مدفوعات التجزئة ممثلة في الانتشار الواسع لمنصات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" التي نجحت في تجاوز بطاقات الائتمان التقليدية، لتصبح الأداة المالية الأكثر تفضيلاً وتأثيراً في السلوك المالي لفئة الشباب.
بالتوازي مع ذلك، أدت أنظمة الهوية الرقمية الموحدة دوراً جوهرياً في تسهيل الوصول للخدمات الحكومية، ما جعل التعامل التقني جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. هذا التطور في البنية التحتية الرقمية لم يسهل الإجراءات فحسب، بل مهد الطريق بشكل استباقي لتقبل وتبني الخدمات المصرفية الرقمية بالكامل، حتى قبل أن يبدأ المستخدم بتثبيت تطبيقاته البنكية.
اقرأ ايضاً: كيف تمكن التكنولوجيا المالية الجميع من فتح حسابات مصرفية؟
ثورة المصارف الرقمية في المنطقة العربية بدأت بالفعل
يعد وصول بنك دي 360 إلى 600 ألف عميل خلال شهرين من إطلاقه، وإلى أكثر من مليون عميل في غضون 4 أشهر فقط، ليس مجرد توقعات بل رؤية ثاقبة، وهذا يتقاطع مع طفرة مماثلة في المنطقة مثل ون بنك في مصر ووايو في الإمارات أعادت تعريف العلاقة مع العملاء الشباب، ووضعت سرعة تبنيهم الخدمات المالية الرقمية كأهم عامل لها في الانطلاق.
إذ إن نمو هذه البنوك جاء فورياً وهائلاً وسريعاً، ما يشير إلى أن السوق لم يكن ينتظر ظهور البنوك الرقمية بل كان ينتظر إطلاق بنك رقمي، هذا التحول العابر للحدود يؤكد أن الشباب العربي من الرياض إلى القاهرة وأبوظبي، يتشاركون لغة رقمية موحدة تتجاوز الأنظمة المصرفية التقليدية المتصلبة.
وتدعم بيانات الاستثمار هذا التحول الجذري، حيث جمعت شركات التكنولوجيا المالية في المنطقة نحو 372 مليون دولار في الربع الأول من عام 2025، وهو ما يتجاوز نصف إجمالي رأس مال عام 2024 كاملاً.
هذا الزخم الاستثماري يعكس ثقة رؤوس الأموال في انخفاض تكلفة الاستحواذ على العميل وزيادة القيمة الدائمة للعميل في المنطقة العربية، ما يحول المصارف الرقمية من مجرد تجربة تقنية إلى كيانات ربحية مستدامة تتفوق في كفاءتها التشغيلية على البنوك العريقة.
على الصعيد الحكومي، تحولت السياسات الطموحة إلى واقع ملموس، فقد تجاوزت السعودية مستهدفاتها الوطنية من المعاملات غير النقدية قبل الموعد المحدد، وفي مصر ارتفعت معدلات الشمول المالي لتصل إلى 76.3%، ما يتيح للشباب بناء بصمة رقمية مالية أول مرة، وهي الأساس الذي تعتمد عليه خوارزميات البنوك الرقمية لمنحهم الائتمان لاحقاً.
اقرأ أيضاً: لماذا 27% من خروقات البيانات عالمياً تستهدف شركات التكنولوجيا المالية؟ وكيف يمكن تجنبها؟
لماذا يعد الشباب في العالم العربي حافزاً مثالياً لثورة مصرفية رقمية شاملة؟
تمر المنطقة العربية حالياً بمرحلة "العائد الديموغرافي"، وتعني أن نسبة البالغين في سن العمل أعلى مقارنة بالمعالين مثل الأطفال وكبار السن، ما يعني أن الكتلة السكانية الأعلى الآن هي فئة الشباب في سن العمل، ويمثل ميزة هيكلية تدفع نحو تسريع النمو الاقتصادي وتكوين رأس المال، ويضع الشباب في قلب المشهد الاقتصادي الجديد كقوة فاعلة ومؤثرة.
لكن التركيبة السكانية وحدها لا تحدث ثورات، فما يجعل الشباب العربي في وضع فريد للتحول في القطاع المصرفي الرقمي هو أن الخدمات المصرفية التقليدية أصبحت جزءاً من الإخفاق المؤسسي التي تعانيه، حيث يفضل الشباب العربي الشفافية الخوارزمية التي توضح الرسوم والخصومات فوراً عبر إشعارات الهاتف على انتظار دور في فرع بنكي لمجرد الاستفسار عن عملية معلقة.
فالخدمات المصرفية الرقمية لا تحمل هذا العبء، فهي تأتي دون ذاكرة مؤسسية للرفض ودون الفروع المادية التي لم يزرها الشباب قط ودون الرسوم التي لم يكونوا قادرين على تحملها. وبالنسبة لجيل يشعر بالتهميش من قبل الهياكل الاقتصادية القائمة، لا تمثل البنوك الرقمية خدمة أفضل فحسب، بل تمثل أيضاً جهات خارجية مؤسسية تتحدى الوضع الراهن.
ويزيد عامل التوقيت هذا التقبل، فالشباب العربي الآن يدخلون إلى سوق العمل والبنية التحتية الرقمية قد نضجت تقريباً، ما يجعل علاقتهم المصرفية الأولى رقمية بالنشأة؛ أي أنهم لا يمرون بمرحلة انتقال من التقليدي إلى الرقمي بل يبدؤون رحلتهم المالية مباشرة عبر التطبيقات دون عادات قديمة تحتاج إلى تغيير.
وبفضل مستواهم التعليمي العالي، يمتلك هؤلاء الشباب وعياً مالياً يمكنهم من استيعاب المنتجات المعقدة وتقييمها كالمحافظ الاستثمارية والتأمين، ما يسهل على البنوك الرقمية تقديم خدمات متطورة لهم بتكلفة تشغيلية منخفضة.
اقرأ أيضاً: لماذا يثق الجيل زد بالتكنولوجيا المالية أكثر من البنوك التقليدية؟
الشمول المالي الذي فشلت فيه البنوك التقليدية وتصححه البنوك الرقمية
يضفي التفاوت بين الجنسين بعداً ملحاً لم يعالجه النظام المصرفي التقليدي قط، إذ لا تزال نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل في المنطقة العربية وفقاً لمنظمة العمل الدولية أقل من 20%، وحتى النساء العاملات يعانين، إذ تبلغ نسبة البطالة بينهن نحو 16% وترتفع هذه النسبة إلى 40% من الشابات بالتحديد.
ومع تحقيقهن تقدماً ملحوظاً في مجال التعليم، حيث وصلت العديد من الدول إلى نسبة 99% في معدلات تعليم الشابات، وأغلبهن ملمات جيدات بالتكنولوجيا المالية الرقمية، فإن النظام المصرفي الرقمي أمام فرصة تاريخية في تقديم السبل المثلى لاستقلالهن المادي.
ويصبح الشمول المالي ممكناً عبر إلغاء التحيز البشري في منح الائتمان، إذ إن المنصات الرقمية تعتمد على خوارزميات موضوعية لتقييم الملاءمة المالية، ما يمنحهن فرصاً متساوية للحصول على التمويل والادخار بعيداً عن المعايير التقليدية الجامدة.
كما يؤدي الضغط الاقتصادي لتوليد الدخل إلى زيادة الطلب على حلول التكنولوجيا المالية، إذ لا يستطيع الشباب العربي الذين يعملون سائقين في أوبر أو يعملون لحسابهم الخاص عن بعد أو يديرون مشاريع صغيرة التأهل للحصول على قروض تقليدية على الرغم من تحقيقهم دخلاً.
ومن ثم فإن معضلة إثبات الدخل هذه يمكن للبنوك الرقمية حلها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث تقيم الجدارة الائتمانية بناءً على تدفقات المحافظ الرقمية وسلوك الدفع التاريخي بدلاً من الاعتماد الكلي على خطاب تعريف بالراتب التقليدي.
كما تضيف التحويلات المالية بعداً آخر، حيث تتقاطع التركيبة السكانية للشباب مع احتياجات الخدمات المصرفية الرقمية. فمع عمل ملايين الشباب العربي في الخارج وإرسالهم الأموال إلى عائلاتهم عبر خدمات التحويلات المالية التقليدية التي تستقطع رسوماً تستهلك نسباً كبيرة من التحويلات، تعالج البنوك الرقمية هذه المشكلة بشكل مباشر، فعندما يرسل شخص يعمل في الرياض أموالاً إلى عائلته في الرباط، فإن توفير 2% فقط من قيمة كل تحويل من شأنه أن يراكم مبالغ كبيرة سنوياً، وبهذه الطريقة تكتسب البنوك الرقمية ولاء عملائها، ليس من خلال الإعلانات التجارية بل من خلال حل مشكلات حقيقية.
جدير بالذكر أنه على الرغم من غياب الفروع المادية، فإن ثورة البنوك الرقمية ترتكز على بنية تحتية سيبرانية متطورة، حيث توفر أماناً قد يفوق الأنظمة التقليدية، مثل ميزة الدخول البيومتري. وبالنسبة لجيل يخشى البيروقراطية أكثر مما يخشى التكنولوجيا، فإن القدرة على الدخول الفوري للتطبيق يمنحه شعوراً بالسيطرة والأمان لا توفره البنوك التقليدية.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي تشكيل الشمول المالي في المنطقة العربية باستخدام البيانات؟
الموجة القادمة: الابتكار للحاق بالركب أو مواجهة خطر التخلف
يمثل الشباب العربي محفزاً لثورة الخدمات المصرفية الرقمية؛ فهم الفئة السكانية التي تنظر إلى السيادة المالية كقدرة على التحكم الكامل واللحظي في أصولهم دون قيود زمنية أو جغرافية، ما يحول علاقتهم مع البنوك الرقمية من التبعية إلى امتلاك للقرار المالي عبر الواجهة الرقمية.
ومع دخول هذه الشريحة إلى سوق العمل سيجبر طلبها على الشفافية والسيولة اللحظية البنوك التقليدية على تبني المعايير المصرفية المفتوحة لمشاركة البيانات مع أطراف ثالثة، أو مواجهة التخلف أمام منصات مرنة صممت من أجل مواطن رقمي لم يعتد زيارة البنك، ولكن يتوقع أن يأتي إليه البنك عبر هاتفه الذكي.