في أواخر عام 2025، كشفت دراسة لشركة باين آند كومباني للتكنولوجيا عن مؤشر مقلق: فبينما أفادت نحو 88% من المؤسسات حول العالم باستخدامها المنتظم للذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائفها، فإن الغالبية العظمى منها -نحو 95%- فشلت في تحقيق أثر مالي ملموس على مستوى المؤسسة من هذه الاستثمارات.
ولا يعود هذا التفاوت في الأداء بالدرجة الأولى إلى قصور تكنولوجي، بل إلى جمود هيكلي، حيث يشهد العصر الحالي الذي أطلق عليه الخبراء "عصر سلوبوسين" -وهو مصطلح صِيغ لوصف التدفق الهائل الحالي لمخرجات الذكاء الاصطناعي غير الموثوقة والتطبيقات الفاشلة- إلغاء نحو 42% من مشاريع الذكاء الاصطناعي في العام الماضي وحده بزيادة حادة على نسبة 17% في العام السابق.
ويكمن جوهر هذه الأزمة في عدم توافق أساسي بين سرعة نمو الذكاء الاصطناعي اللامركزية وغير الخطية والهياكل الهرمية الرأسية الجامدة التي هيمنت على بنية الشركات منذ الثورة الصناعية، حيث لا تزال مشاريع الذكاء الاصطناعي الواعدة تتعثر في حلقات الموافقة وتستغرق مراجعات المخاطر شهوراً، والأشخاص الأقرب إلى البيانات هم الأقل قدرة على اتخاذ القرار.
كيف نجحت الهياكل الهرمية التقليدية؟ ولماذا تنهار الآن؟
تعد الهياكل الهرمية في الإدارة سابقاً ذروة الكفاءة التنظيمية، حيث صممت لتنسيق عمل آلاف الموظفين في مهام نمطية في عصر اتسم بندرة المعلومات وبطء انتقالها، وقد كانت المركزية استجابة منطقية لهذا الواقع الذي يعتمد على الورق والبريد التقليدي، ما جعل سلطة القرار تنحصر في القمة التي تملك الرؤية الشاملة.
أما الإدارة الوسطى فكانت بمثابة الموجه البشري، حيث تصفي المعلومات تصاعدياً وتمرر التعليمات تنازلياً، وقد أسهم هذا الهيكل في تعظيم الاستقرار وتقليل التباين، وهما الهدفان الرئيسيان للعصر الصناعي، حيث عرفت الكفاءة بأنها القدرة على تكرار عملية موحدة بدقة عالية على مدى فترات طويلة.
مع ذلك، فإن منطق خط التجميع القديم هذا يتعارض جوهرياً مع منطق الشبكة العصبية الحالية، فالذكاء الاصطناعي لا يزدهر في ظل التوحيد القياسي بل يزدهر في ظل التكرار وسلاسة البيانات، خاصة مع انتشار البيانات وتوفرها في البيئة المعاصرة اليوم.
ولم يعد العقل المركزي للهيكل التنظيمي قادراً على معالجة الكم الهائل من البيانات المتولدة بكثافة مستمرة، فبحلول الوقت الذي تصل فيه فكرة من الخطوط الأمامية إلى أعلى التسلسل الهرمي وتناقش في اجتماع موسع لكبار المسؤولين وتُعتمد كإجراء مُجاز، يكون نموذج الذكاء الاصطناعي قد انحرف على الأرجح وتغيرت ظروف السوق، وقد يكون المنافس قد غير استراتيجيته بالفعل.
ومن ثم أصبح التسلسل الهرمي التقليدي الذي كان مصدر قوة عبئاً هيكلاً صلباً يتصدع تحت ضغط التغيير غير الخطي، وتعد البيروقراطية والبطء في اتخاذ القرار العائق الأول، حيث تعجز الهياكل الهرمية وتعدد مستويات الموافقة عن مواكبة السرعة الفائقة لمعالجة البيانات في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فبينما يمكن للأنظمة الذكية رصد الأنماط واتخاذ إجراءات فورية، تؤدي العمليات التقليدية إلى ضياع الفرص، بسبب انتظار دورة الموافقات الطويلة التي تجعل البيانات قديمة وغير فعالة بحلول وقت تنفيذها.
كما تعوق صوامع البيانات الابتكار، حيث تعزل المعلومات داخل أقسام مغلقة، ما يدفن الحلول الذكية في دوامة الإجراءات المعقدة. هذا الجمود يمتد لإدارة المخاطر التي تعتمد قواعد صناعية قديمة تفتقر إلى المرونة اللازمة لاحتواء مخاطر الذكاء الاصطناعي الديناميكية، ما يكبت روح التجريب والمخاطرة المحسوبة.
واخيراً، تصطدم جهود التحول الرقمي بـالعقبة البشرية والتنظيمية، حيث تمتلك المؤسسات الأدوات التقنية لكنها تفتقر إلى سلاسل قرار رشيقة، وتظهر هذه الفجوة بوضوح في عدم القدرة على الانتقال من "الوعي بالإمكانات" إلى "التنفيذ العملي"، ما يحول دون القدرة على المنافسة ويجعل المؤسسات عالقة في نقاشات نظرية وكتيبات سياسات قديمة لا تلائم العصر الحالي.
اقرأ أيضاً: كيف غير الذكاء الاصطناعي قواعد المنافسة بين الشركات؟
صعود الهياكل الشبكية: بنية الإدارة الحديثة في القرن الحادي والعشرين
تعد هياكل الإدارة الشبكية البديل الأمثل للهياكل الهرمية التقليدية، فهي ليست مجرد هيكل نظري بل نظام بيئي متطور ومترابط، حيث توزع السلطة وتمنح الفرق صلاحيات العمل كعقد مستقلة. في هذا النموذج تعمل الشركة بشكل أقرب إلى منهجية "فريق الفرق"، وهو مفهوم مقتبس من البيئات العسكرية عالية المخاطر، حيث يعد التدفق السريع للمعلومات والثقة العاملين الأساسيين للنجاح.
ويتميز هذا النموذج بثلاثة خصائص رئيسية هي:
1. اتخاذ القرارات اللامركزية
يعتمد على مفهوم "تمكين الأطراف" عبر نقل سلطة اتخاذ القرار من المركز إلى الموظفين المباشرين، من خلال بناء بنية تحتية مدعومة بأدوات الذكاء الاصطناعي توفر رؤى وبيانات فورية تغني الموظف عن انتظار الموافقات الإدارية التقليدية.
ويجسد نموذج شركة هاير الصينية (رين دان هيي) هذا التحول الجذري، حيث نجحت في تفكيك هيكلها الهرمي إلى شبكة تضم أكثر من 4000 "مؤسسة صغيرة ذاتية الإدارة"، ما جعل الخبرة تتدفق ديناميكياً إلى حيث تشتد الحاجة إليها بدلاً من بقائها حبيسة المكاتب العليا.
2. ظهور الفرق الهجينة والوعي المشترك
مع انتشار الفرق الهجينة، حيث يندمج خبراء المجال وعلماء البيانات مع وكلاء الذكاء الاصطناعي في بوتقة واحدة، يُولد وعي مشترك يضمن تدفق المعلومات للجميع وفهم دور كل فرد في تحقيق الأهداف الكبرى للمؤسسة.
ويؤدي الذكاء الاصطناعي هنا دور النسيج الرابط، حيث يتولى مهمة تشكيل الفرق الأمثل لحل المشكلات المعقدة وتسهيل تبادل المعرفة بين المجموعات المؤقتة. وبذلك يتفرغ المدراء للأدوار القيادية العليا كالتفكير النقدي والتدقيق الأخلاقي وبناء العلاقات الإبداعية.
3- دور قيادي جديد: من قائد إلى منسق
يتحول القائد في النموذج الشبكي من مصدر للأوامر إلى "مهندس لبيئة العمل" مهمته تحديد الأهداف وتذليل العقبات البيروقراطية، ومن ثم فإن القيادة هنا بحسب وزير الدولة لشؤون الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات، عمر العلماء، هي عملية تقاسم مسؤولية بناء قوة عاملة ملمة رقمياً، حيث يتشارك الجميع وعياً مشتركاً بإمكانات الذكاء الاصطناعي بدلاً من حصرها في النخبة الإدارية.
اقرأ أيضاً: كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ باستقالة الموظف قبل أن يفكر بها؟
كيفية صياغة قواعد العمل المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي
يتطلب الانتقال إلى هيكل شبكي إعادة هيكلة جذرية لبنية المؤسسة بالكامل يمكن صياغتها في 5 مبادئ أساسية، هي:
المبدأ الأول: البيانات كأصل مشترك
التعامل مع البيانات كمورد عالمي وليس كملكية خاصة بإدارات محددة، ويتطلب ذلك كسر الحواجز بين الأقسام وإنشاء منصات بيانات ونمذجة مشتركة يمكن الوصول إليها من الجميع أو معظم الموظفين.
- النتيجة: مصدر موحد للمعلومات يسمح لنماذج الذكاء الاصطناعي باستخلاص رؤى شاملة من مختلف الأقسام.
المبدأ الثاني: اتخاذ القرارات على مستوى الإدارات
تفويض صلاحيات اتخاذ القرار إلى الفرق الأقرب إلى البيانات والعميل وإنشاء أطر عمل مبسطة لاتخاذ القرارات تصنف الخيارات حسب مستوى المخاطرة.
- النتيجة: زيادة سرعة اتخاذ القرار، ما يقلل الوقت اللازم للانتقال من مرحلة التوصل إلى الرؤى إلى مرحلة التنفيذ من أسابيع إلى ساعات.
المبدأ الثالث: إنشاء فرق صغيرة مسؤولة
الابتعاد عن الإدارات الكبيرة والمعقدة والتوجه نحو فرق منتجات صغيرة متعددة الوظائف كل منها مسؤولة عن مهمتها وحالات استخدام الذكاء الاصطناعي ونتائجها التشغيلية.
- النتيجة: تعزيز المرونة ووضوح المساءلة عن عائد الاستثمار على مستوى حالات الاستخدام.
المبدأ الرابع: تفويض المهمة للآلة والمسؤولية للإنسان
تحديد الشراكة بين الأفراد (الحكم، والأخلاقيات، والصياغة الإبداعية) والأنظمة (اكتشاف الأنماط، والمحاكاة، والتخصيص) بشكل واضح، للتقليل من الخوف النابع من الاستبدال والسماح بتعاون أكثر فاعلية.
- النتيجة: تحسين الإنتاجية وإعادة توجيه المواهب البشرية إلى أعمال ذات قيمة أعلى.
المبدأ الخامس: حلقات التعلم المستمر
استبدل التخطيط السنوي الجامد بالتجريب والمراقبة المستمرين، وإنشاء آليات لتغذية استراتيجية المؤسسة بالتعلم من نماذج الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي.
- النتيجة: مؤسسة ديناميكية تتكيف بسرعة تواكب سرعة الخوارزميات التي تستخدمها.
اقرأ أيضاً: 7 وكلاء ذكاء اصطناعي تساعد الشركات على تبسيط العمليات
لماذا لا يزال التسلسل الهرمي التقليدي في الإدارة مهماً ولن يختفى؟
على الرغم من التوجه نحو نموذج الشركات المرنة، لا يزال التسلسل الهرمي التقليدي يحتفظ بدور حيوي لا يمكن الاستغناء عنه، خاصة في جوانب المساءلة الاستراتيجية والأخلاقية، فالمجالس الإدارية والهيئات التنظيمية والمجتمع تتطلب وجود جهة مسؤولة بوضوح عند حدوث الأزمات أو الإخفاقات، لذا تظل الهياكل الرأسية هي الضامن النهائي للقيم والشرعية وسلامة العلامة التجارية.
ويبرز هذا الدور التقليدي كضرورة لمواجهة مخاطر "اللامركزية غير المراقبة" التي قد تؤدي إلى تشتت النماذج وظهور "ذكاء اصطناعي خفي" يعمل خارج نطاق الحوكمة الرسمية، فبدون رقابة مركزية تصبح التجارب غير متسقة والمخاطر القانونية والتقنية خارجة عن السيطرة، ما يهدد استقرار الشركة.
لذلك، تتبنى الشركات الأكثر نجاحاً نموذجاً هجيناً يدمج بين الثبات والمرونة، فهي تحافظ على بنية أساسية راسخة تحدد الغايات والمعايير المشتركة والمساءلة، وفي الوقت ذاته تمنح الشبكات الفرعية حرية التنفيذ المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ويضمن هذا التوازن الانطلاق بسرعة التقنية مع البقاء تحت مظلة الحوكمة والأمان.
اقرأ أيضاً: 10 أدوات ذكاء اصطناعي لا غنى عنها لمدراء الشركات الصغيرة
معضلة العقلية: لا تكتفِ بتبني الذكاء الاصطناعي، بل أعد هيكلة مؤسستك حوله
لا يمثل الذكاء الاصطناعي عصا سحرية قادرة على ترميم هياكل الإدارة الهرمية التقليدية، بل يعمل كمرآة تكشف عيوبها الهيكلية، فدمج التقنيات الحديثة داخل هياكل تنظيمية تقليدية لن يثمر إلا عن مكاسب ضئيلة، وقد يولد مشكلات معقدة تضيع مسؤوليتها خلف الإجراءات البيروقراطية القديمة.
بالإضافة إلى ذلك، المعضلة الحقيقة التي تواجه معظم المؤسسات اليوم في رحلة التحول الرقمي والإداري تكمن في عقول القادة، فالرئيس التنفيذي الناجح في الهياكل الهرمية التقليدية ليس بالضرورة أن يكون ناجحاً في نموذج الإدارة الشبكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
أما المدراء المتوسطون خصوصاً، ينبغي لهم التحول إلى ميسرين ومدراء وموجهين يساعدون أعضاء فرقهم على تفسير البيانات وتنظيم المعرفة، إذ تظهر أبحاث القيادة التكافلية مع الذكاء الاصطناعي أن أفضل القادة هم الذين يعيدون باستمرار التفاوض على تقسيم العمل بين البشر والآلات في أثناء تعلم كليهما.
ومن ثم فإن الفرصة الحقيقية تكمن في إعادة التصميم الهيكلي ليتوافق مع نقاط قوة الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد النجاح مرتبطاً بجودة البرمجيات بقدر ارتباطه بمرونة الثقافة المؤسسية المحيطة بها، فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع الفارق بل الثقافة التي تتبنى التغيير هي المحرك الفعلي للنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي.