في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حصلت شركة مغمورة لتربية الأحياء المائية في مدينة بورتلاند بولاية ماين الأميركية على أكثر من 50 مليون دولار من خلال عرض خطة تهدف إلى تسخير الطبيعة لمكافحة التغير المناخي. أعلنت الشركة، التي تحمل اسم "رانينغ تايد"، أن بإمكانها غرس ما يكفي من عشب البحر في قاع البحر لعزل مليار طن من ثنائي أوكسيد الكربون بحلول هذا العام، وفقاً لأحد عملائها الأوائل.
بدلاً من ذلك، أغلقت الشركة عملياتها في الصيف الماضي، ما يمثل أكبر إخفاق حتى الآن في قطاع إزالة الكربون الناشئ.
وكان زوالها هو العلامة الأوضح على تزايد المشاكل وتضاؤل التوقعات في مجال أفرز مئات الشركات الناشئة على مدى السنوات القليلة الماضية. كما أغلقت مجموعة من الشركات الأخرى أبوابها أو قلصت حجم عملياتها أو غيرت مسارها خلال الأشهر الماضية أيضاً. وتراجعت الاستثمارات المغامرة، ولم يحقق القطاع ككل تقدماً يذكر نحو بلوغ هدف المليار طن.
ويحذر أحد مؤسسي شركة سي دي آر فاي ذات المنفعة العامة التي تعنى بتقديم البيانات والتحليلات حول صناعة إزالة الكربون، روبرت هوغلوند، من أن مرحلة الضجة الإعلامية قد انتهت، وأن القطاع ينزلق إلى مرحلة الركود التجاري المضطربة التي تتبع ذلك.
إخفاقات متتالية في قطاع إزالة الكربون
ويقول: "لقد تجاوزنا ذروة التوقعات. ومع ذلك، يمكن أن نرى الكثير من الشركات تتوقف عن العمل، وهو أمر طبيعي لأي صناعة".
والسؤال المطروح هو: إذا كان قطاع إزالة الكربون يتجه نحو دورة تصفية مؤلمة لكنها حتمية، فإلى أين سيتجه بعد ذلك؟
من غرائب إزالة الكربون أنها لم تكن يوماً مشروعاً تجارياً مجدياً: إنها مهمة تنظيف الغلاف الجوي، وهي ضرورية لتحقيق الصالح العام للمجتمع في الحد من التغير المناخي. لكنها لا تنتج خدمة أو منتجاً يحتاج إليه أي فرد أو مؤسسة بشدة، أو يرغب أي فرد أو مؤسسة في دفع ثمنه.
اقرأ أيضاً: لماذا يمكننا تشبيه تكنولوجيا إزالة الكربون بآلة الزمن؟
فحتى الآن، وافق عدد من الشركات طواعية على شراء أطنان من ثنائي أوكسيد الكربون الذي تنوي الشركات امتصاصه من الهواء في نهاية المطاف. ولكن سواء كانت هذه الشركات مدفوعة بمخاوف مناخية صادقة أم بضغوط من المستثمرين أو الموظفين أو العملاء، فإن مبادرات الشركات الخيرية لن تحقق نمواً يذكر لأي قطاع.
يزعم معظم المراقبين أن استمرار إزالة الكربون في التذبذب، أو تحوله إلى شيء كبير بما يكفي لإحداث تأثير كبير في التغير المناخي سوف يعتمد إلى حد كبير على مدى استعداد الحكومات في أنحاء العالم كافة لتمويل هذه الجهود كلها، أو إلزام الجهات المسببة للتلوث بدفع تكلفتها.
تقول المديرة التنفيذية لمنظمة "كاربون 180" غير الربحية التي تدعو إلى إزالة ثنائي أوكسيد الكربون وإعادة استخدامه، إيرين بيرنز: "لن تحقق مشتريات القطاع الخاص هذا الهدف أبداً. نحن في حاجة إلى سياسات؛ يجب تحقيق الهدف من خلال سياسات متبعة".
ما هي المشكلة؟
بدأ قطاع إزالة الكربون بالتوسع في أوائل هذا العقد، حيث كشفت الدراسات المناخية المتزايدة الخطورة عن الحاجة إلى خفض الانبعاثات إلى حد كبير وامتصاص كميات هائلة من ثنائي أوكسيد الكربون للسيطرة على ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية.
على وجه التحديد، قد تضطر الدول إلى إزالة ما يصل إلى 11 مليار طن من ثنائي أوكسيد الكربون سنوياً بحلول منتصف القرن تقريباً حتى تكون لديها فرصة قوية لمنع ارتفاع درجة حرارة الكوكب بما يتجاوز درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وذلك وفقاً لتقرير لجنة المناخ التابعة للأمم المتحدة في عام 2022.
وقد ظهر عدد من الشركات الناشئة لبدء تطوير التكنولوجيا وبناء البنية التحتية اللازمة، وتجربة مجموعة متنوعة من الأساليب مثل إغراق الأعشاب البحرية أو بناء مصانع تمتص ثنائي أوكسيد الكربون.
وسرعان ما جذبت العملاء. إذ بدأت شركات مثل سترايب وجوجل وشوبيفاي ومايكروسوفت وغيرها بالموافقة على شراء أطنان من إزالة الكربون مسبقاً، على أمل دعم الصناعة الوليدة والمساعدة على تعويض انبعاثاتها المناخية. كما تدفقت الاستثمارات المغامرة في هذا المجال، وبلغت ذروتها في عام 2023 بما يقرب من مليار دولار، وفقاً للبيانات التي قدمتها شركة بيتش بوك.
اقرأ أيضاً: مشروع سري لدفن الخشب لإزالة الكربون يستقطب تمويل بملايين الدولارات
منذ البداية، سعت الجهات الفاعلة في القطاع الناشئ إلى التمييز بوضوح بين مشاريع تعويض الكربون التقليدية، التي أظهرت الدراسات أنها كثيراً ما تبالغ في الفوائد المناخية، وإزالة الكربون "المستدامة" التي يمكن الاعتماد عليها لامتصاص غازات الدفيئة وتخزينها عقوداً أو قروناً. ثمة بالتأكيد فرق كبير في السعر: ففي حين أن شراء تعويضات الكربون من خلال المشاريع التي تعد بالحفاظ على الغابات أو زراعة الأشجار قد يكلف بضعة دولارات للطن الواحد، فإن تكلفة الطن الواحد من إزالة الكربون قد تتراوح من مئات إلى آلاف الدولارات، حسب النهج المتبع.
غير أن هذا السعر المرتفع يجلب معه تحديات كبيرة. فإزالة 10 مليارات طن من ثنائي أوكسيد الكربون سنوياً بسعر 300 دولار للطن، على سبيل المثال، تكلف العالم 3 تريليونات دولار سنوياً.
وهو ما يعيدنا إلى السؤال الأساسي: من الذي ينبغي أن يدفع أو سيدفع فاتورة تطوير -وتشغيل- المصانع وخطوط الأنابيب والآبار جميعها اللازمة لالتقاط مليارات الأطنان من ثنائي أوكسيد الكربون ونقلها ودفنها؟
حالة السوق
لا تزال السوق تنمو، حيث تقدم الشركات طواعية على شراء أطنان من إزالة الكربون لتخطو خطوات نحو تحقيق أهدافها المناخية. في الواقع، وصلت المبيعات إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق في الربع الثاني من هذا العام، ويرجع الفضل في الغالب إلى العديد من عمليات الشراء الضخمة التي نفذتها شركة مايكروسوفت.
لكن مصادر الصناعة تخشى ألا ينمو الطلب بالسرعة الكافية لدعم حصة كبيرة من الشركات الناشئة التي تشكلت أو حتى المشاريع التي يجري بناؤها، ما يقوض الزخم المطلوب لتوسيع نطاق القطاع إلى الحجم المطلوب بحلول منتصف القرن.
حتى الآن، كشفت تلك المئات من الشركات كلها التي نشأت في السنوات الأخيرة عن صفقات لبيع نحو 38 مليون طن من ثنائي أوكسيد الكربون المسحوب من الهواء، وفقاً لما ذكره موقع شركة سي دي آر فاي. وهذه الكمية تعادل تقريباً الكمية التي تضخها الولايات المتحدة من الانبعاثات المرتبطة بالطاقة كل ثلاثة أيام.
وقد وفروا فقط نحو 940,000 طن من إزالة الكربون. تنبعث من الولايات المتحدة هذه الكمية من ثنائي أوكسيد الكربون في أقل من ساعتين. (لا يعلن عن الصفقات جميعها أو يكشف عنها لسي دي آر فاي، لذا قد تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بقليل).
اقرأ أيضاً: ما البديل المتوفر للأرصدة الكربونية للشركات للتخلص من بصمتها الكربونية؟
ثمة مصدر قلق آخر يتمثل في أن المجموعة القليلة نفسها من الجهات الفاعلة الكبرى لا تزال تستحوذ على الغالبية العظمى من إجمالي المشتريات، ما يجعل صحة السوق واتجاهها يعتمدان على أهواء هذه الجهات الفاعلة وثرواتها.
الأمر الأوضح هو أن شركة مايكروسوفت وافقت على شراء 80% من عمليات إزالة الكربون التي جرى شراؤها حتى الآن، وفقاً لشركة سي دي آر فاي. أما ثاني أكبر مشتر فهو مؤسسة فرونتير، وهي تحالف شركات يضم كلاً من شركات جوجل وميتا وسترايب وشوبيفاي، وقد التزم بإنفاق مليار دولار.
إذا استبعدنا هذين المشتريين، فإن السوق ستنكمش من 16 مليون طن متعاقد عليها خلال النصف الأول من هذا العام إلى 1.2 مليون طن فقط، وفقاً للبيانات التي قدمتها شركة سي دي آر فاي إلى إم آي تي تكنولوجي ريفيو.
علامات المتاعب
في الوقت نفسه، يتضاءل إقبال المستثمرين على إزالة الكربون. فخلال الاثني عشر شهراً المنتهية في الربع الثاني من عام 2025، انخفضت استثمارات رأس المال المغامر في هذا القطاع بأكثر من 13% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات صادرة عن شركة بيتش بوك. وهذا التضييق التمويلي سيجعل الاستمرار في العمل صعباً على الشركات التي لا تحقق العائدات.
ومن بين الشركات التي أغلقت أبوابها بالفعل سوق إزالة الكربون نويا، وشركة ألكالي إيرث التي كانت تحاول استخدام المنتجات الثانوية الصناعية لربط ثنائي أوكسيد الكربون.
ولا تزال شركات أخرى تعاني. فقد أعلنت شركة كلايم ووركس، وهي واحدة من أوائل الشركات التي بنت مصانع لالتقاط الهواء المباشر (DAC)، عن تسريح 10% من موظفيها في مايو/أيار، حيث كانت تصارع التحديات على عدة جبهات.
وقد تأجلت خطط الشركة للتعاون في تطوير منشأة رئيسية في الولايات المتحدة على الأقل بسبب حجب إدارة ترامب تمويلاً بعشرات الملايين من الدولارات منح لها في عام 2023 في إطار برنامج مراكز الالتقاط المباشر للهواء الإقليمي التابع لوزارة الطاقة. ويبدو الآن أن الحكومة قد تلغي التمويل كلياً، ربما إلى جانب عشرات المليارات من الدولارات من المنح الإضافية التي منحت سابقاً لمجموعة متنوعة من مشاريع إزالة الكربون وتكنولوجيات المناخ الأميركية الأخرى.
اقرأ أيضاً: الضجة المثارة حول إزالة الكربون باتت مصدراً خطيراً للإلهاء
قال أحد الرؤساء التنفيذيين المشاركين في الشركة، كريستوف جيبالد، في تصريح سابق لإم آي تي تكنولوجي ريفيو: "لقد ظهرت إشاعات في السوق، وكلايم ووركس مستعدة للسيناريوهات جميعها". وأضاف: "تتزايد الحاجة إلى تكنولوجيا الالتقاط المباشر للهواء مع تراجع العالم عن تحقيق أهدافه المناخية، ونحن نعمل على تحقيق القدرة المطلوبة البالغة غيغا طن".
لكن مشتريات مشاريع التقاط الكربون المباشر من الهواء انخفضت بنسبة 16% تقريباً العام الماضي، وتمثل 8% فقط من معاملات إزالة الكربون جميعها حتى الآن. يتطلع المشترون على نحو متزايد إلى الفئات التي تعد بتسليم أطنان من الكربون بوتيرة أسرع وبتكاليف أقل، بما في ذلك على وجه الخصوص دفن الفحم الحيوي أو تركيب معدات التقاط الكربون في محطات الطاقة الحيوية. (اقرأ المزيد في مقالي الأخير حول هذه الطريقة لإزالة الكربون، المعروفة باسم "بيكس"، هنا)
وصفت سي دي آر فاي مؤخراً مناخ الالتقاط المباشر للهواء بعبارات قاتمة: "لقد نما القطاع بسرعة، لكن شهر العسل قد انتهى: فالاستثمار والمبيعات آخذة في الانخفاض، في حين أن عمليات النشر متأخرة في الشركات جميعها تقريباً".
وأضافت المؤسسة أن "معظم شركات الالتقاط المباشر للهواء سوف تغلق أو يجري الاستحواذ عليها".
ما هي الخطوة التالية؟
في نهاية المطاف، يعتقد معظم المراقبين أن إزالة الكربون لن تنطلق فعلياً ما لم تسخر الحكومات مواردها ولوائحها. وقد يعني ذلك إجراء عمليات شراء مباشرة، أو دعم هذه القطاعات، أو إلزام الملوثين بدفع التكاليف لفعل ذلك من خلال، على سبيل المثال، دمج إزالة الكربون في آليات خفض الانبعاثات القائمة على السوق مثل أنظمة تحديد سقف الانبعاثات وتداولها.
يبدو أن ثمة المزيد من الدعم الحكومي في الطريق. والجدير بالذكر أن المفوضية الأوروبية اقترحت مؤخراً السماح بـ "إزالة الكربون المحلي" ضمن نظامها لتداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي بعد عام 2030، ما يدمج القطاع في أحد أكبر برامج تحديد سقف الانبعاثات وتداولها. يجبر هذا النظام محطات توليد الطاقة وغيرها من الجهات الملوثة في الدول الأعضاء على خفض انبعاثاتهم بصورة متزايدة أو دفع ثمنها بمرور الوقت، مع تشديد الحد الأقصى للتلوث وارتفاع سعر الكربون.
قد يؤدي ذلك إلى خلق حوافز للمزيد من الشركات الأوروبية لدفع تكاليف منشآت الالتقاط المباشر للهواء، أو منشآت الطاقة الحيوية لسحب ثنائي أوكسيد الكربون بصفتها وسيلة لمساعدتها على الوفاء بالتزاماتها المناخية.
وثمة مؤشرات على أن منظمة الطيران المدني الدولي، وهي منظمة تابعة للأمم المتحدة تعنى بوضع معايير لقطاع الطيران، تدرس دمج إزالة الكربون في آليتها القائمة على السوق للحد من انبعاثات القطاع. وقد يتخذ ذلك عدة أشكال، بما في ذلك السماح لشركات الطيران بشراء إزالة الكربون لتعويض استخدامها لوقود الطائرات التقليدي، أو اشتراط استخدام ثنائي أوكسيد الكربون المستخرج من الهواء مباشرة في جزء من أنواع وقود الطيران المستدام.
اقرأ أيضاً: التغير المناخي يفرض العمل باتجاه إزالة الكربون من الجو لا التوقف عن إصداره فقط
في الوقت نفسه، التزمت كندا بإنفاق 10 ملايين دولار أميركي على إزالة الكربون، وهي بصدد وضع بروتوكول يسمح بالالتقاط المباشر للهواء ضمن برنامجها الوطني للتعويضات. وستبدأ اليابان قبول عدة فئات من إزالة الكربون في نظامها لتداول الانبعاثات.
على الرغم من جهود إدارة ترامب لتقليص التمويل المخصص لتطوير مشاريع امتصاص الكربون، فإن الولايات المتحدة تواصل دعم تخزين ثنائي أوكسيد الكربون، سواء كان مصدره محطات توليد الطاقة أو مصافي الإيثانول أو مصانع الالتقاط المباشر للهواء أو غيرها من المنشآت. كان ما يسمى بالائتمان الضريبي 45Q، الذي تصل قيمته إلى 180 دولاراً للطن، من بين الأشكال القليلة للدعم الحكومي للقطاعات المتعلقة بتكنولوجيا المناخ التي نجت من مشروع قانون تسوية ميزانية 2025. في الواقع، ازداد الدعم المخصص لتحويل ثنائي أوكسيد الكربون إلى استخدامات أخرى.
حتى في ظل المناخ السياسي الأميركي الحالي، تأمل بيرنز أن يستمر المشرعون المحليون أو الفيدراليون في سن سياسات تدعم فئات محددة من إزالة الكربون في المناطق التي تكون فيها هذه المشاريع أكثر منطقية، لأن هذه المشاريع قادرة على توفير النمو الاقتصادي وفرص العمل بالإضافة إلى الفوائد المناخية.
وتقول: "أعتقد في الواقع أن ثمة الكثير من النماذج لسياسات إزالة الكربون التي لا تقتصر على أشياء مثل الحوافز الضريبية. وأعتقد أن هذه اللحظة السياسية بالذات تمنحنا فرصة فريدة للبدء بدراسة كيفية تطبيق هذه السياسات الخاصة بالمناطق والمسارات المختلفة".
اقرأ أيضاً: ما الحجم الحقيقي للأثر الكربوني للذكاء الاصطناعي؟ قد يكون أكبر مما تتوقع
المخاطر المقبلة
ولكن حتى لو أن المزيد من الدول عملت على توفير المال أو سن القوانين اللازمة لدفع أعمال تجديد الكربون الدائم إلى الأمام، فثمة مخاوف متزايدة من أن القطاع الذي جرى تصوره بصفته بديلاً لأسواق التعويضات المشكوك فيها يمكن أن يكرر مشاكلها بصورة متزايدة.
وثمة حوافز مختلفة تدفع في هذا الاتجاه.
تتزايد الضغوط المالية على الموردين لتقديم أطنان من إزالة الكربون. وتبحث الشركات المشترية عن الطريقة الأسرع والأقل تكلفة لتحقيق أهدافها المناخية. وغالباً ما تجني المؤسسات التي تضع المعايير وتعتمد مشاريع إزالة الكربون أرباحاً أكبر مع ازدياد حجم المشتريات، ما يخلق تضارباً واضحاً في المصالح.
وقد بدأت بعض سجلات الكربون نفسها التي وقعت منذ فترة طويلة على مشاريع تعويض الكربون بوضع معايير أو إصدار اعتمادات لأشكال مختلفة من إزالة الكربون، بما في ذلك فيرا وغولد ستاندرد.
وكتبت كبيرة مستشاري وكالة حماية البيئة في عهد الرئيس السابق بايدن، سينثيا جايلز، وأستاذ القانون في جامعة بنسلفانيا،كاري كوغليانيز، في مقال افتتاحي نشر مؤخراً في مجلة ساينس: "إن الضمان الموثوق بأن الطن المعلن عنه من وفورات الكربون في المشروع يعادل طناً حقيقياً من الانبعاثات التي جرت إزالتها أو تقليلها أو تجنبها أمر بالغ الأهمية. ومع ذلك، تظهر الأبحاث المستفيضة في العديد من السياقات أن مدققي الحسابات الذين تختارهم المؤسسات الخاضعة للتدقيق وتدفع لهم الرواتب؛ غالباً ما يحققون نتائج تميل نحو مصالح تلك الكيانات".
اقرأ أيضاً: الرهان الأخضر: كيف تحاول شركات التكنولوجيا تنظيف بصمتها الكربونية بوقود الغابات؟
وقد شدد مدير العلوم والابتكار في شركة كاربون 180، نواه ماكوين، على أن الصناعة يجب أن تسعى جاهدة لمواجهة المخاطر المتزايدة للمصداقية، مشيراً في منشور حديث على منصة لينكد إن: "النمو مهم، لكن النمو من دون نزاهة لا يعد نمواً على الإطلاق".
في مقابلة أجريت مع ماكوين، قال إن التغلب على هذه المشكلة سيتطلب وضع معايير وتطبيقها لضمان أن تحقق مشاريع إزالة الكربون الفوائد المناخية الموعودة حقاً. وأضاف ماكوين أنه لكسب الثقة، تحتاج الصناعة إلى كسب ثقة المجتمعات التي تبنى فيها هذه المشاريع، وإلى تجنب الآثار البيئية والصحية التي ألحقتها محطات الطاقة والصناعات الثقيلة تاريخياً بالمجتمعات المحرومة.
يرى الأستاذ في جامعة هاواي في مانوا الذي يركز على إزالة الكربون من المحيطات، ديفيد هو، أن تحقيق ذلك سيتطلب من الحكومات أن تتولى دوراً أكبر في هذا القطاع يتجاوز تقديم الدعم فحسب.
ويقول هو إنه يجب أن تكون هناك حملة بحثية ضخمة متعددة الجنسيات لتحديد أكثر الطرق فعالية لتطهير الغلاف الجوي بأقل ضرر بيئي أو اجتماعي، مشبهاً ذلك بمشروع مانهاتن (من دون القنبلة النووية).
يقول هو: "إذا كنا جادين في المضي بهذا الاتجاه، فلنجعله جهداً حكومياً، حتى نتمكن من تجربة الأشياء كلها، وتحديد ما يصلح وما لا يصلح، دون الحاجة إلى إرضاء أصحاب رأس المال المغامر أو التركيز على تطوير [الملكية الفكرية] بغرض تسويق أنفسنا لإحدى شركات الوقود الأحفوري".
ويضيف "هو" أن ثمة ضرورة أخلاقية لأكبر الجهات الملوثة للمناخ في العالم تاريخياً لبناء -وتمويل- البنية التحتية لامتصاص الكربون وتخزينه اللازمة لسحب مليارات الأطنان من غازات الدفيئة. وذلك لأن الدول الأكثر فقراً والأكثر سخونة في العالم، والتي أسهمت بأقل قدر في التغير المناخي، ستواجه مع ذلك أكبر المخاطر من موجات الحر الشديد والجفاف والمجاعات وارتفاع مستوى سطح البحر.
ويقول: "يجب أن ننظر إلى هذا الأمر على أنه إدارة للنفايات التي سنلقيها على بلدان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، لأنهم هم الأشخاص الذين سيعانون التغير المناخي أكثر من غيرهم".