كيف ستتأثر أساليب القيادة بتطور الخوارزميات؟

6 دقيقة
كيف ستتأثر أساليب القيادة بتطور الخوارزميات؟
حقوق الصورة: envato.com/ iLixe48

في ظل التحول الرقمي المتسارع في العالم العربي، لم تعد "الإدارة الخوارزمية" مجرد أداة تقنية، بل فلسفة قيادية تعيد تشكيل هوية المؤسسات والشركات، إذ إن الانتقال من "سلطة الكاريزما" إلى "سطوة البيانات" يفرض على المدير العصري إدراك الفجوة بين كفاءة الأتمتة ودفء الثقافة الإدا…

عرفت الإدارة الخوارزمية بأنها الوسيلة الأكثر نجاحاً للإدارة في قطاعات الاقتصاد الحر، ونتيجة لذلك توسع انتشارها لتشمل معظم القطاعات تقريباً، من البيع بالتجزئة مروراً بالخدمات المصرفية وحتى القطاعات الحكومية، حيث أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أساليب الإدارة الحديثة والذكية في آن واحد.

فعبر لوحة معلومات مركزية، يمكن الآن لمدير مركز اتصال موجود في الرياض أن يشاهد مؤشرات رئيسية تنصف أداء موظفيه لحظياً من أنحاء العالم كافة، مثل مدة المكالمة ونسبة التحويل ووقت الخمول في الدقيقة، مع توصيات ذكية تخبره بمن يستحق التنبيه ومن يستحق المكافأة.

وفي حين أن المدير لا يزال هو المسؤول عن اتخاذ القرار، لكن شيئاً أعمق قد تغير، إذ أصبحت التوصيات تتشكل بشكل متزايد بواسطة الخوارزميات والمقاييس والقواعد غير المرئية، ما يمثل تحدياً جوهرياً للتقاليد العلائقية والهرمية والاستشارية الراسخة التي ميزت القيادة في الشركات والمؤسسات العربية سنوات سابقة.

ما هي الإدارة الخوارزمية؟

هي استخدام التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي لإدارة القوى العاملة، حيث تتولى هذه الأنظمة المهام التي يؤديها المدراء البشريون تقليدياً، مثل توزيع المهام، ومراقبة التقدم، وتقييم الأداء، وحتى اتخاذ قرارات التوظيف أو الفصل.

ظهورها أول مرة كان بفضل منصات اقتصاد العمل الحر مثل تطبيقات خدمات النقل وتوصيل الطعام وتنسيق القوى العاملة الكبيرة والبعيدة، ولكن الآن أصبحت شائعة في مجموعة واسعة من القطاعات، إذ تنشرها الشركات بنشاط لإعادة هيكلة عملياتها.

المكونات الأساسية للإدارة الخوارزمية:

  1. جمع البيانات والمراقبة: ويتضمن تتبع أنشطة الموظفين بشكل مكثف وفوري عبر تقنيات متنوعة، مثل أنظمة تحديد المواقع الجغرافية، ومراقبة النشاط الرقمي مثل استخدام التطبيقات وتقييم مشاعر الموظفين.
  2. اتخاذ القرارات آلياً: ويعني استخدام الخوارزميات لتوزيع المهام ووضع الجداول الزمنية واتخاذ قرارات التوظيف أو الفصل بناءً على البيانات المُجمعة.
  3. مؤشرات الأداء: أي تقييم الموظفين بناءً على بيانات كمية وأنظمة تصنيف بدلاً من التقييم البشري النوعي.
  4. التغذية الراجعة الآلية والتوصيات: تعتمد على أنظمة تقدم تغذية راجعة أو تعليمات أو حوافز فورية لتوجيه سلوك الموظفين نحو النتائج المرجوة.

اقرأ أيضاً: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكان مدير الموارد البشرية؟

كيف تؤثر الإدارة الخوارزمية نفسياً في الموظفين العرب بالتحديد؟

في العديد من بيئات العمل العربية، تتسم الإدارة بطابع العلاقات الشخصية العميقة، إذ يقدر الموظفون الزيارة الشخصية للمكتب والمحادثات غير الرسمية في الممرات والثقة المتبادلة التي تعبر عن: "مديري يعرفني شخصياً". ولكن عندما تدخل الخوارزميات، فإنها تتيح فرصاً وتثير مخاطر في آن واحد.

فبينما يمكنها تقليل المحسوبية والحد من الترقيات والمكافآت بالاعتماد على بيانات واضحة ورصد اتجاهات الأداء عبر الفروع والفرق، فإنها يمكن أن تزيد التوتر والإرهاق، وتؤثر في الإنتاجية والأداء من خلال 4 أبعاد رئيسية هي:

أولاً: التحفيز

تظهر دراسة نشرتها مجلة العلوم السلوكية عام 2024 أنه عندما ترفع الخوارزميات باستمرار المتطلبات (حصص أعلى أو مواعيد نهائية أضيق) دون إضافة موارد مثل (دعم أو استقلالية أو تغذية راجعة)، فإن التحفيز يتدهور بمرور الوقت. وفي البيئات العربية حيث لا يزال العديد من الموظفين يتوقعون التقدير الشخصي، قد يفتقدون اللمسة الإنسانية في النظام الرقمي.

على سبيل المثال، إذا تجاوز الموظف أهداف دوره ولكنه لم يكافأ سوى ببريد إلكتروني تلقائي يقول: "أنت ضمن أفضل 10%" دون اتصال شخصي أو تقدير علني، فقد يتسرب لديه شعور بالإحباط يضعف دوافعه الذاتية المتعلقة بالاجتهاد.

ثانياً: الإجهاد والإنهاك

وجدت دراسة حديثة رابطاً بين التعرض المفرط للإدارة الخوارزمية وزيادة الضغط النفسي، إذ إن المراقبة المستمرة تزيد الضغط، والخوف من العقوبات يقلل الرغبة في أخذ فترات راحة أو طلب المساعدة. ومع مرور الوقت يزداد الإرهاق العاطفي والتشاؤم.

في بيئات العمل العربية قد يكون الأمر أكثر حساسية، إذ لن يقول الموظفون صراحة: "النظام يرهقني"، بدلاً من ذلك قد يظهرون نوعاً من المقاومة الصامتة، مثل زيادة في الإجازات المرضية أو بطء في الاستجابة، حيث يجد المدير ظاهرياً كل شيء هادئاً، لكن تحت السطح معاناة واحتراق وظيفي.

اقرأ أيضاً: 20 وظيفة جديدة ستظهر بسبب الذكاء الاصطناعي وستطلبها غالبية الشركات في العالم 

ثالثاً: الثقة والإنصاف

يعد الإنصاف المدرك أو العدالة التنظيمية من أقوى المؤشرات على التزام الموظفين وأدائهم. وعلى الرغم من أن الأنظمة الخوارزمية يمكنها أن تعزز الإنصاف بتطبيق القواعد نفسها على الجميع، فإنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى خلق مظالم جديدة إذا كان منطقها خفياً أو متحيزاً.

فعندما لا يفهم الموظفون كيفية حساب درجات تقييمهم، يميلون أكثر إلى اعتبار القرارات تعسفية وغير عادلة، وفي بيئة العمل العربية حيث اعتاد الموظفون قراءة نوايا المدير من خلال تعابير وجهه ونبرة صوته، فإن الدرجة المبهمة دون أي تفسير قد تثير الشكوك.

رابعاً: الهوية والكرامة في العمل

في المنطقة العربية يعد العمل ليس مجرد مصدر دخل بل مصدراً للهوية، لا سيما في المجتمعات التي يرتبط فيها الوضع الاجتماعي والفخر العائلي بدور الفرد، حيث قد تهدد الإدارة الخوارزمية هذه الهوية عندما تختزل الشخص إلى مجرد رقم على لوحة تحكم.

على سبيل المثال، قد يظهر سائق كان يعرف سابقاً باسم: "أبو إبراهيم، الموثوق به" في الأنظمة الخوارزمية باسم: "السائق رقم 25، نسبة الالتزام بالمواعيد 97%". وبمرور الوقت قد يؤدي هذا التعريف إلى تآكل الثقة بالنفس، خاصة عند عرض التقييمات علناً، ما قد يؤثر في قرارات البقاء أو الانسحاب.

اقرأ أيضاً: ماذا تكشف أسئلة القادة للذكاء الاصطناعي عن أسلوب قيادتهم؟

بين الأتمتة والشورى: تحديات الإدارة الخوارزمية في الثقافة العربية

تواجه الإدارة الخوارزمية في المنطقة العربية تحدياً جوهرياً يتمثل في الاصطدام بنماذج ثقافية متجذرة، حيث إن استنساخ الأنظمة التقنية الغربية دون مواءمة محلية يؤدي غالباً إلى مخاطر عالية، ويمكن تلخيص هذا التقاطع في 4 محاور رئيسية:

1. شرعية السلطة: من الكاريزما إلى البيانات

تتميز المجتمعات العربية بمسافة سلطة عالية، حيث ينظر للمدير كمرجعية أخلاقية ومصدر للرعاية، وعندما تحل الخوارزمية محل القائد في اتخاذ القرارات الحساسة مثل الترقيات أو الفصل، يفقد المدير وضوحه الأخلاقي وتتحول مكانته إلى مجرد "منفذ للآلة"، ما يضعف الولاء المؤسسي والارتباط الوجداني للموظفين.

2. صراع الشورى والإملاءات الآلية

بينما تبنى الثقافة الإدارية العربية على الشورى والتعلم الاجتماعي، تميل الخوارزميات إلى إصدار أحكام قطعية مبنية على بيانات مسبقة. ولكي ينجح الدمج التقني ينبغي أن تظل الخوارزمية أداة استشارية تثري الحوار الإداري، لا سلطة متحكمة تلغي التآزر البشري.

3. معضلة الواسطة والجدارة الرقمية

تمثل الإدارة الخوارزمية ثورة على نظام الواسطة محولة معايير التوظيف من الروابط الاجتماعية إلى المقاييس الكمية. وعلى الرغم من أن هذا يعزز الشفافية، فإنه قد يولد مقاومة صامتة لفقدان رأس المال الاجتماعي.

4. التواصل عالي السياق مقابل برود الآلة

تعتبر الثقافة العربية عالية السياق، حيث يكون لوقت العمل غير المباشر مثل جلسات القهوة قيمة إنتاجية كبرى، ومن ثم فإن الخوارزميات ببرودها التقني قد تعتبر هذه الممارسات "هدراً للوقت"، وهنا يبرز دور المدير العربي كجسر يفسر البيانات من منظور المعايير الاجتماعية، ليمنع تحول الكفاءة الرقمية إلى ظلم تنظيمي.

اقرأ أيضاً: كيف غير الذكاء الاصطناعي طريقة فحص السير الذاتية واختيار المرشحين للوظائف؟

مخاطر تجاهل الجانب النفسي عند تطبيق الإدارة الخوارزمية

إذا استخدم المدير الأدوات الخوارزمية كآليات إدارة فحسب، فقد يحقق كفاءة قصيرة الأجل، ولكن على المدى الطويل قد تظهر عدة مخاطر مثل:

  • انخفاض مستوى التفاعل: قد يكتفي الموظفون بالحد الأدنى في أدوارهم ويتوقفون عن تقديم الأفكار أو بذل جهد إضافي.
  • المقاومة الصامتة: قد يتلاعب الموظفون بالمؤشرات أو يتظاهرون بالامتثال أو يبطئون العمل بطرق لا تظهر مباشرة في لوحات المعلومات.
  • ارتفاع معدل دوران الموظفين المتميزين: غالباً ما يمتلك الموظفون الأكفاء خيارات أكثر، وهم أول من يغادر بيئات العمل التي يرونها غير عادلة أو مهينة.
  • مشكلات الصحة والسلامة: يرتبط ازدياد الضغط النفسي والإرهاق بزيادة الحوادث والإصابات وتكاليف الرعاية الصحية على المدى الطويل.
  • المخاطر الأخلاقية والقانونية: قد تمارس الخوارزميات المدربة على بيانات متحيزة التمييز على أساس الجنس أو الجنسية أو العمر، ما يعرض الشركات لدعاوى قضائية وتشويه سمعتها.
  • فقدان الشرعية الإدارية: إذا شعر الموظفون بأن "النظام هو الرئيس الحقيقي" وأن المدير يختبئ وراءه، فإن احترام القيادة قد يتراجع.

اقرأ أيضاً: التأثيرات المنسية للذكاء الاصطناعي التي يغفل عنها كثيرون

تطبيق الإدارة الخوارزمية: البيانات بداية للحوار لا نهايته

لا تتعلق الإدارة الخوارزمية باستبدال القيادة بل بتعزيزها بالذكاء الرقمي وتحقيق توازن مدروس بين الكفاءة المؤسسية والقيادة بلمسة إنسانية تحقق الأهداف وتحسن الإنتاجية، ومن أفضل الممارسات ما يلي:

  • التعامل مع مخرجات الخوارزميات كإرشادات لا قرارات نهائية، مع مراعاة السياق الذي قد تغفله. على سبيل المثال، إذا أشارت الخوارزمية إلى انخفاض في الأداء فينبغي لك أولاً التحقق من الأسباب الشخصية أو المهنية قبل اتخاذ أي إجراء.
  • إشراك الموظفين في تحديد مؤشرات الأداء الرئيسية وتحسينها باستمرار لزيادة الشعور بالإنصاف والملكية. على سبيل المثال، قد يقترح فريق خدمة العملاء إضافة تعديل "الحالات المعقدة" حتى لا يتعرض الموظف الذي يتعامل مع مكالمات صعبة للعقاب بسبب طول مدة المكالمة.
  • تجنب نشر بيانات الأداء علناً لتجنب إحراج الموظفين أصحاب الأداء المنخفض، بدلاً من ذلك شارك البيانات العامة علناً، ولكن استخدم الجلسات الفردية للتوجيه والإرشاد للحفاظ على الثقة والولاء.
  • التركيز على التطوير المستمر للمهارات بالانتقال من الإدارة القائمة على الأدوار إلى إدارة المواهب القائمة على المهارات وتوفير فرص لبناء مهارات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة.
  •  عدم التنازل عن الحكم النهائي، خاصة في القرارات الحاسمة مثل تقييمات الأداء أو إنهاء الخدمة للتخفيف من المخاطر القانونية.
  • التركيز على مقاييس الفريق بالانتقال من المقاييس الفردية البحتة إلى تضمين أهداف ومكافآت جماعية لتعزيز القيمة الجماعية للنجاح الجماعي.
  • استكمال الإدارة الخوارزمية بمحادثات غير رسمية متكررة، لبناء العلاقات وجمع السياق بطريقة تتوافق مع المعايير الثقافية العربية.
  • التركيز في أسلوب التوجيه على المهمة لا على الموظف. على سبيل المثال، يمكنك القول: "دعونا نرى كيف يمكننا تحقيق أهداف فريقنا" بدلاً من: "أنت متأخر عن الهدف".
  • الحفاظ على الخصوصية والتركيز على المستقبل من خلال تقديم الملاحظات السلبية في جلسات خاصة وتصميم المحادثات حول النمو المستقبلي بدلاً من الأخطاء الماضية لتكون أكثر تحفيزاً.
  • تتبع مؤشرات الأداء مثل معدل دوران الموظفين والغياب واستطلاعات رأي الموظفين أو الشكاوى، لتكون مستعداً للتكيف باستمرار، إذ إن الإدارة الخوارزمية ليست مجرد مشروع تقني بل هي تحول ثقافي مستمر.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الموارد البشرية على استقطاب أفضل مواهب سوق العمل؟

حقيقة الإدارة الذكية: خلف الأرقام تكمن القيادة الإنسانية

إن الإدارة الخوارزمية ليست مجرد "تحديث للنظام" بل هي اختبار حقيقي لجودة القيادة، فالبيانات قد تمنحك "الكفاءة"، لكن الموظف هو من يمنحك "الولاء". فالموظف الذي يشعر بأنه مجرد ترس في آلة سيعطيك بالقدر الذي يحميه من العقاب، أما الموظف الذي يشعر بتقديرك فسيعطيك ما لديه كله لتحقيق أهداف الشركة. ومن ثم كن مديراً يقرأ ما بين الأسطر وما خلف الأرقام، ففي تلك المساحة الصغيرة يكمن سر النجاح الإداري المستدام.

المحتوى محمي