أصبح المهنيون والشركات أكثر تبنياً للعمل عن بعد والعمل الهجين، إذ يتوقع تقرير مستقبل الوظائف لعام 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أنه بحلول عام 2030 سينمو عدد الوظائف الرقمية التي يمكن إنجاز مهامها من أي مكان بنسبة 25%، ليصل إلى نحو 92 مليون وظيفة.
علاوة على ذلك، تقدم الأبحاث والاستطلاعات المتاحة رؤى قيمة حول مشهد العمل عن بعد في المنطقة العربية، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته منصة التوظيف بيت دوت كوم عام 2023، أن 85% من المهنيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يفضلون الشركات التي تقدم خيارات العمل عن بعد.
وتعد الإمارات العربية المتحدة رائدة في تبني العمل عن بعد والعمل الهجين، فقبل الجائحة كان نحو 13% من الموظفين في دبي يعملون عن بعد، وهي نسبة قفزت إلى أكثر من 62% بعد الجائحة، وقد وجدت دراسة أخرى أن 90% من القوى العاملة في الإمارات العربية المتحدة تفضل بيئة عمل مختلطة أو عن بعد بالكامل.
هذا التحول الملحوظ الآن والمتوقع في المستقبل القريب، من المتوقع أن يغير بيئة العمل بشكل جذري، لتتجاوز النماذج التقليدية التي تركز على المكاتب المادية لتتبنى نموذجاً افتراضياً موزعاً، وهو توجه لا يشكل تعديلاً مؤقتاً، بل إعادة تقييم جذرية لتصميم المؤسسات واستراتيجيتها التشغيلية.
بيئات العمل الافتراضية: توجه جديد وُجِد ليبقى
في جوهره، يتطلب إنشاء مكتب افتراضي مزدهر التزاماً أساسياً بالثقة والوضوح التام والتواصل الهادف، إذ ينبغي للمؤسسات أن تنشئ ثقافة تمكن الموظفين من الاستقلالية وتصمم فيها الاتصالات بدقة لتحقيق الكفاءة والتواصل الإنساني، وتعطى فيها الرفاهية الأولوية بشكل فعال.
فما تقدمه المكاتب الافتراضية من فوائد يطغى على السلبيات بصورة كبيرة، إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن الشركات شهدت ارتفاعاً في الإنتاجية وتوفير التكاليف عند تطبيق منهجية العمل عن بعد، كما تظهر أبحاث شركة سلاك أن الفرق التي تستخدم أدوات التعاون أكثر إنتاجية وتشعر بتواصل أكبر وتبلغ عن معدلات رضا أعلى في مكان العمل مقارنة بالفرق التي لا تستخدمها.
مكان العمل الافتراضي: 3 ركائز أساسية لبناء مكتب افتراضي ناجح
بحسب العديد من المؤشرات، فإن المكاتب الافتراضية لن تختفي، إذ بدأت المؤسسات تدرك أن النجاح مع القوى العاملة الموزعة ليس أمراً تلقائياً، بل ينبغي تصميمه من خلال ثلاث ركائز أساسية هي:
أولاً: بناء ثقافة افتراضية متماسكة
بصفتك قائداً، ينبغي أن تبني هذه الثقافة بوعي وألا تتركها للصدفة. إليك كيفية القيام بذلك:
- ضع معايير واضحة: حدد بوضوح قيم الفريق وتوقعات العمل وإرشادات التواصل. يمكنك إنشاء كتيب إلكتروني أو عقد اجتماعات دورية. وتذكر، كن قدوة في تطبيق هذه المعايير من خلال الشفافية ومشاركة الإنجازات والتحديات.
- كافح العزلة الاجتماعية: من الضروري تنظيم أنشطة اجتماعية غير رسمية بشكل منتظم، مثل ترتيب محادثات عشوائية أو تخصيص قنوات للمحتوى غير الرسمي أو تنظيم أمسيات ألعاب افتراضية للمساعدة على بناء روح الزمالة وتقوية الروابط بين أعضاء الفريق، ما يقلل الشعور بالوحدة.
- قدر الإنجازات علانية: احتفل بالإنجازات بشكل فوري وعلني عبر قنوات مخصصة، واربط التقدير بقيم الشركة، مثل: "جهد (اسم الموظف) في هذا المشروع يعكس قيمة الابتكار لدينا"، ما يمنح الإنجازات الفردية معنى أكبر.
- وفر التوجيه الافتراضي: يساعد تعيين مرشد أو زميل على دراية بثقافة الشركة لتديب كل موظف جديد على ترسيخ وزيادة ارتباطه بالفريق، وضمان استيعابه لأهداف الفريق وتوقعاته، ما يجعله أكثر اندماجاً في مهمة الشركة.
- تجاوز حدود المناطق الزمنية: عندما يعمل فريقك عبر مناطق زمنية مختلفة، من الضروري تبني ثقافة عمل شاملة ومرنة. ينبغي لك تبديل أوقات الاجتماعات لتجنب إقصاء أي فرد وتسجيل الاجتماعات ومشاركة الملاحظات بشكل غير متزامن، لتمكين الجميع من مواكبة المستجدات.
اقرأ أيضاً: التكنولوجيا والأدوات اللازمة لجعل فرق العمل أكثر استقلالية وذاتية التنظيم
ثانياً: أعط الأولوية للثقة والاستقلالية
في المكتب الافتراضي، لا يمكنك التطفل على الآخرين، وهذا في الواقع أمر جيد، فعندما تركز على الثقة والاستقلالية تعزز الحافز والابتكار. لذا ضع هذه المبادئ في اعتبارك:
- النتائج أهم من ساعات العمل: بدلاً من التركيز على عدد ساعات العمل، ركز على النتائج النهائية. استخدم أطر عمل مثل الأهداف والنتائج الرئيسية لتحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس. هذا النهج يمنح الموظفين مرونة في إدارة وقتهم، ويضمن تقييم أدائهم بناءً على إنجازات ملموسة.
- بناء ثقافة الثقة: تشير الدراسات إلى أن تمكين الموظفين عن بعد من العمل باستقلالية يؤدي إلى زيادة الرضا والإنتاجية، شريطة تحديد أهداف واضحة ومحددة، فبناء ثقافة الثقة يمنح الموظفين الحرية في إيجاد إيقاع عملهم الخاص، ما يعزز أداءهم بشكل عام.
- التوقعات الواضحة: لتجنب الغموض، وثق الأدوار والمسؤوليات ومعايير النجاح بوضوح، فعندما تكون هياكل القرار شفافة، يكتسب الموظفون الثقة للعمل باستقلالية وكفاءة ويدركون الحدود والأهداف المرجوة.
- حلقات التقييم المستمرة: الاستقلالية لا تعني غياب الإدارة، لذا حافظ على التواصل المستمر من خلال اجتماعات فردية دورية ومراجعات شاملة للأهداف لمناقشة التقدم وإزالة أي عقبات، ولتعزيز تفاعل الموظفين وتشجيعهم على العمل.
- استخدام أدوات إدارة المشاريع: ينصح باستخدام أدوات إدارة المشاريع أسانا أو تريلو لزيادة الشفافية وتتبع المهام، إذ تتيح هذه الأدوات للموظفين تحديث حالة عملهم بشكل مستقل، ما يقلل الحاجة إلى المراقبة المستمرة ويوفر بيئة منظمة.
ثالثاً: استخدام التكنولوجيا المناسبة
التكنولوجيا هي الجسر الذي يربط كل شيء معاً في بيئات العمل الافتراضية، وتعتمد كل توصية أدناه على اختيار الأدوات التي تناسب احتياجات فريقك وعاداته. إليك فئات ينبغي عليك مراعاتها:
- أدوات الاتصال: استخدم أدوات متنوعة للتواصل اليومي مثل:
- للتواصل اليومي: تطبيقات الدردشة مثل سلاك أو تيمز.
- الاجتماعات المباشرة: تطبيقات مؤتمرات الفيديو مثل زوم أو جوجل ميت.
- للتواصل غير المتزامن: تطبيق لووم لتسجيل الفيديو ونوشن للتوثيق المشترك.
هذا المزيج من الأدوات يضمن تواصلاً فعالاً ومرناً بين الموظفين، ويعزز شعورهم بالترابط والإنتاجية، بغض النظر عن مكان تواجدهم الجغرافي.
- أدوات التعاون ومشاركة المعرفة: التي تضمن أن تكون المعرفة متاحة للجميع وقابلة للبحث، ما يدعم العمل غير المتزامن ويقوي التعاون، مثل:
- منصة جوجل وورك سبيس للعمل السحابي.
- تطبيق ميرو للتعاون المرئي والعصف الذهني.
- منصة معرفية مثل كونفولنس لتوثيق العمليات والمعلومات.
- أدوات لتعزيز الصحة والتواصل: من المهم استخدام أدوات تعزز التفاعل الاجتماعي مثل:
كما أن تنظيم الأنشطة الممتعة بشكل دوري أو الاحتفال بالمناسبات الصغيرة يسهم في بناء ثقافة عمل أكثر إنسانية وشمولاً، ويعكس أهمية التفاعل الاجتماعي بالقدر نفسه لأهمية الإنتاجية.
اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التكنولوجيا لتحسين إدارة فريقك؟ أدوات عملية لمدير ذكي
ما هي التحديات التي تواجهها بيئات المكاتب الافتراضية وكيف يمكن حلها؟
على الرغم من أن بيئات المكاتب الافتراضية توفر مرونة كبيرة ووفرة في التكاليف، فإن لها تحدياتها الخاصة. إليك لمحة عامة عن أكثر التحديات شيوعاً وكيفية حلها:
1. عوائق التواصل
التحدي: قد يؤدي نقص التفاعل المباشر إلى سوء فهم وفقدان السياق وتأخر في الردود، كما يمكن لاختلافات المناطق الزمنية أن تعقد التواصل الفوري.
الحلول:
- استخدم أدوات مختلفة لأغراض متنوعة، مثل تطبيق سلاك للأسئلة السريعة والبريد الإلكتروني للتحديثات الرسمية.
- استخدم تطبيقات مؤتمرات الفيديو في الاجتماعات واللقاءات الثنائية لتعزيز التواصل الشخصي وفهم الإشارات غير اللفظية.
- أعط الأولوية للتواصل غير المتزامن في الأمور غير العاجلة، ما يتيح لأعضاء الفريق الرد في الوقت الذي يناسبهم.
2. إدارة الإنتاجية والمساءلة
التحدي: قد يكون لدى المدراء رؤية محدودة لأعباء العمل اليومية لأعضاء فرقهم، ما يؤدي إلى مخاوف بشأن الإنتاجية والإدارة التفصيلية.
الحلول:
- التركيز على مقاييس الأداء القائمة على الإنتاج بدلاً من ساعات العمل.
- استخدام أدوات تتبع المشاريع لإبراز التقدم.
- إجراء اجتماعات فردية منتظمة لتقديم الملاحظات والتنسيق.
3. تآكل التوازن بين العمل والحياة
التحدي: عندما يكون العمل من المنزل، من السهل أن تتداخل ساعات العمل مع الوقت الشخصي، ما يؤدي إلى الإرهاق.
الحلول:
- تشجيع الموظفين على تحديد ساعات عمل واضحة والالتزام بها.
- تشجيع الاستمتاع بأيام الراحة والإجازات.
- تجنب إرسال رسائل غير عاجلة بعد ساعات العمل.
اقرأ أيضاً: دليل القادة لاكتشاف فجوات المهارات باستخدام تحليل البيانات
4. عوائق التعاون
التحدي: يمكن أن يؤدي العمل على مشاريع معقدة عن بعد إلى مشكلات في التحكم في الإصدارات وتكرار العمل وانخفاض جودة جلسات العصف الذهني.
الحلول:
- تطبيق سير عمل واضح وممارسات التحكم في الإصدارات للمستندات والبرمجيات.
- إنشاء مساحات عمل رقمية سحابية مشتركة للمستندات والملفات.
- تشجيع الاجتماعات اليومية القصيرة لمواءمة الأولويات.
5. الأمن السيبراني وأمن البيانات
التحدي: مع وجود قوة عاملة لامركزية، قد تواجه الشركة مخاطر أمنية متزايدة، إذ يمكن للموظفين الذين يعملون من المنزل على أجهزتهم الشخصية أو شبكات الواي فاي العامة كشف بيانات الشركة الحساسة.
الحلول:
- وضع بروتوكولات أمان واضحة وسياسات صارمة للتعامل مع البيانات وإدارة كلمات المرور واستخدام الأجهزة.
- إذا كان ممكناً وزع أجهزة كمبيوتر محمولة وهواتف ذكية مملوكة للشركة على الموظفين لضمان إنجاز الأعمال كلها.
- ثقف الموظفين حول تهديدات الأمن السيبراني الشائعة، مثل عمليات التصيد الاحتيالي، وأفضل الممارسات لحماية بيانات الشركة.
اقرأ أيضاً: ما هي أدوات لوحات المعلومات التفاعلية؟ وكيف تستخدمها لمراقبة الأداء؟
المكاتب الافتراضية ليست مجرد اتجاه عابر، بل هي مستقبل العمل، إذ تشير الدراسات العالمية إلى أن نماذج العمل عن بعد والهجينة ستبقى وتتوسع، ما يفتح الأفق أمام الشركات التي تتقن إنشاء بيئة عمل افتراضية.